English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

نظرات في الإسلام

 

مقدمة عن الكتاب

 

 

       الحمد للّه رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، علَّم القرآن ، خلق الإنسان ، علّمه البيان . والصلاة والسلام على سيد الخلق ، وحبيب الحق ، سيد المربين ، وإمام المعلمين ، والمبعوث رحمةً للعالمين .

       وبعد ... فلهذا الكتاب قصة ، بدأت حينما دُعيت لتولي الخطابة والتدريس في جامع جدّي العارف باللّه الشيخ عبد الغني النابلسي( ا ) ، قبل عشرين عاماً . وقد تهيّبت ـ في حينه ـ قبول هذا العمل الجليل ، لظني أني لا أملك كلَّ مؤهلاته ، ولكنّي ـ في الوقت نفسه ـ رأيت أن شرفاً عظيماً ، ومغنماً كبيراً ، ومطمحاَ بعيداً يناله عبدٌ مفتقر ، لفضل اللّه حين يأذن اللّه له في الدعوة إليه ، ثم يوفقه فيها .

( سورة فصلت ) .

       وكم كنت حريصاً حرصاً لا حدود له ، على أن أنزّه الدعوة عن كل مأخذ يجرحها   أو يُسقطها ، فالذي يُدعى إلى اللّه بمضمون سطحي غير متماسك ، مفتقر إلى الدليل النقلي  والعقلي ، والفطري ، والواقعي ، وبأسلوب غير علمي ، وغير تربوي ، أو يُدعى بمضمون

عميق ثم لا يرى المدعو المصداقية في سلوك الداعي .

       هذا المدعو بهذا المضمون ، وبتلك الطريقة ، وبهذه الازدواجية ، لا يُعدُّ مبلَّغاً عند اللّه ويقع إثمٌ تفلّته من منهج اللّه ، على من دعاه بهذا الهبوط ، لذلك يتحمل الدعاة إلى اللّه أعظم المسؤليات ، وأكبر التبعات .

       يقول الإمام الغزالي ، رحمه اللّه : " لأن يرتكب العوام الكبائر أهون من أن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون " .

       ويقول الشافعي ، رحمه اللّه : " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين " .

       وقد جعلت من القواعد المستنبطة من الكتاب والسنة ، منهجاً في الدعوة : التعريف بالآمر قبل الأمر ، والأصول قبل الفروع ، والقدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان  والترغيب قبل الترهيب ، والتيسير لا التعسير ، والتفهيم لا التلقين ، والتربية لا التَعرية  والتدرج لا الطفرة ، والمتفق عليه لا المُختلف عليه ، ومخاطبة العقل والقلب معاً ، واعتماد الدليل والتعليل ، والتركيز على المبادئ لا على الأشخاص ، وعلى المَضامين لا العناوين .

       وانطلاقاً من الحقيقة الثابتة وهي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم معصومٌ بمفرده ، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها ، كنت أتمنى على الدعاة ، أن يتّبعوا لا أن يبتدعوا ، وأن يتعاونوا لا أن يتنافسوا ، وأن يعترف كلّ لأخيه بالفضل ، لا أن يُنكر عليه ، فالدعاة إلى اللّه يكمّل بعضهم بعضاً ، ويغطي كلّ منهم شريحة من شرائح المجتمع ، ولا تثريب عليهم إذا اتفقوا في الأصول ، أن تتعدد وجهات نظرهم في الفروع والأساليب ، عليهم أن يتعاونوا فيما اتفقوا  ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا .

*  *  *

       والدعوة إلى اللّه تأخذ عادة منحيين اثنين ؛ دعوة عن طريق تأليف القلوب ، وهذه أعمق أثراً . ودعوة عن طريق تأليف الكتب ، وهذه أطول أمداً ؛ دعوة بالمشافهة ، ودعوة بالمراسلة .

       وبما أن النفس توّاقة إلى مزيد من فضل اللّه تعالى ، فقد رغبت أن أدلي بدلوٍ في المَنحى الثاني ، منحى التأليف ، ففي الحديث الصحيح : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ صدقةٌ جارية ، وعلم ينتفع بهِ ، وولدٌ صالحٌ يدعو له " .

وسميت هذا المؤلف المتواضع " نظرات في الإسلام " ، لأني إن أصبت في النظر فمن فضل اللّه وتوفيقه ، وإن لم أصب فمن تقصيري ، فما الكتاب إلا نظرات ليس غير.

        ومع أن الكمال لله وحده ، فقد حرصت على أن يَسْلم الكتاب من الهنات والزلاّت  ومع هذا لست راضياً عنه كلّ الرضى ، فالإنسان في تطوّر مستمر .

       وأنا أدعو الإخوة القرّاء أن يقدموا لي أثمن هدية ، وهي الملاحظات القيمة ، والنقد الموضوعي البناء ، فقد قال سيدنا عمر ، رضي اللّه عنه : " أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي " ، علماً بأنه ما من أحد أصغر من أن ينقُد ، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقَد ، إلا صاحب القبّة الخضراء صلى اللّه عليه وسلم " ، وليس الذي يقبل النصيحة المخلصة بأقل أجراً من الذي يُسديها تقرباً إلى اللّه . فالدين النصيحة .

       ولا يسعني في نهاية المَطاف إلى أن أدعو وأقول :

       جزى اللّه عنا سيدنا محمداً صلى اللّه عليه وسلم ، الذي أرسله اللّه رحمةً للعالمين  بشيراً ونذيراً ، خيراً ما جزى نبياً عن أمته .

       وجزى اللّه عنا صحابته الكرام ، وأهل بيته ، الطيبين الطاهرين، والهادين المهدين  أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، ما هم أهله .

       وجزى اللّه والدينا ، ومشايخنا ، ومن علّمنا ، ومن له حقٌ علينا، خير الجزاء .

       ولا يسعني أيضاً إلا أن أشكر كل الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب ، في كل مراحله ، فهم شركاء في الفضل والأجر .

       دمشق 9 / 9 / 1994‏ م

                                                           محمد راتب النابلسي

                                                       أستاذ محاضر في كلية التربية بجامعة دمشق

                                                         خطيب مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي

                                                            مدرس ديني في مساجد دمشق

*  *  *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الشيخ عبد الغني النابلسي ، علم من أعلام الأمة ، كان له تأثير كبير في عصره ، وفي العصور التالية ، فهو العالم الموسوعي ، المتعدد الجوانب ، الغزيز المواهب ، بَرَعَ في علم الحقيقة ، والطريقة ، وفي معقول الشريعة ومنقولها ، وعلم الحديث ، روايةً ودرايةً ، وكان فقيهاً متبحِّراً ، غوَّاصاً في المسائل ، خبيراً بطرائق الاستدلال  درَّس التفسير وروى فيه الآثار ، وكان رحَّالاً ومؤرِّخاً ، وأديباً وشاعراً ، ومتقناً لبعض العلوم الكونية .

     أوتي مقدرة عجيبة في التأليف ، من حيث التنّوع ، والنوعية ، والكثرة ، ترك مصنَّفات كثيرة ، ونافعة  ومتداولة في العقائد ، وفي التصوّف ، وفي الحديث ، وفي الفقه ، وفي الرحلات ، وفي تفسير الأحلام ، وفي الشعر الوجداني ، تربو عن مثتين وثلاثين مؤلَّفاً ، في المكتبة الظاهرية منها مئة وثمانون .

    ارتضاه العلماء في عصره ، وتتلمذوا على يديه ، واستفتوه في المعضلات ، فكان عندهم صادقاً مع الله قولاً وعملاً وحالاً .

    كان يحب الصالحين ، وطلبة العلم ، ويكرمهم ، معرضاً عن الشهوات ، لا يسعده إلا نشر العلم وكتابته ، رَحْب الصدر ، كثير السَخاء ، أقبل الناس عليه وأحبّوه ، ورأى من العزّ ، والجاه ، ورفعة القَدر ، ما لا يوصف ، متَّعه الله بقوَّته ، وعقله ، وسمعه وبصره ، حتى نهاية عمره ، فكان يصلي التراويح بالناس إماماً ، ويقرأ الخط الدقيق  ويلبس الملابس الحسنة ، وهو في التسعين من عمره ، وكان ورعاً ، شديد الصبر على من يؤذيه ، وكان مصون اللسان عن اللغو ، لا يخوض فيما لا يعنيه ، ولا يحقد على أحد ، قضى حياته كلّها إماماً ، متعبِّداً ، ومدرِّساً   ومؤلّفاً ، لذلك يُعَدّ الرجل الأول في عصره ، وما زال تأثيره مستمراً حتى عصرنا الحاضر .

     من كتاب " التصوف الإسلامي في عصر النابلسي " تأليف عبد القادر أحمد عطا ، دار الجيل ، بيروت   ط : 1987م ، ص : 77 وما بعدها .‏

 

Copyright © 2007 Nabulsi