4481
شرح الحديث الشريف - الشرح المختصر - الدرس ( 124 - 207 ) : لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة......
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-07-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين،
أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في الترغيب في ذكر الله عز وجل.

(( الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

(صحيح مسلم)

 لو نعلم ما في مجالس العلم ومجالس الذكر من خير ما ترك أحد منا مجلس الذكر.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

(سنن الترمذي)

 الإنسان أحياناً يسلك طرقاً للمتعة، يقول سأسافر كي أرتاح ينام بفندق ويستمتع بالمناظر وإذا كان غير أخلاقي ينحرف، هذا الإنسان يسافر ليشتري وهذا ليستمتع وهذا لينال شهادة عليا...... حركة الإنسان له أهداف، تصور حركة واحدة من هذه الأهداف مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ لأن طريق العلم فيه حلال وحرام فإذا اجتنبت الحرام تكن أعبد الناس، إذا امتنعت عن أي شيء حرام فعل حرام مال حرام كلمة حرام كانك فزت بأعلى أنواع العبادة، فلذلك الحديث الثاني:

(( عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ قُلْتُ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ قَالَ أَلَا أُبَشِّرُكَ وَرَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ))

(مسند الإمام أحمد)

 الجماد شيء يشغل حيز له طول وارتفاع وحجم ويشغل حيز، النبات أيضاً جسم يشغل حيز وله طول وعرض وارتفاع لكنه ينمو ! افترق الجماد عن النبات بالنمو، الحيوان له وزن ويشغل حيز وله طول وعرض وارتفاع وينمو كالنبات لكن ويتحرك، الإنسان له وزن ويشغل حيز وله طول وعرض وارتفاع وينمو ويتحرك ويفكر، أودع الله فيه قوة إدراكية، لا يتميز الإنسان عن الحيوان إلا بقوته الإدراكية فإذا ألغيت هذه القوة لا يوجد صفة من صفات الإنسان إلا وفي الحيوان ما يفوقه بها، الإنسان يشم الكلب يشم مليون ضعف شم الإنسان ! الإنسان يرى، الصقر يرى ثمانية أضعاف الإنسان، الإنسان يطير بطائرة الطائر يطير من دون طائرة ليس له علاقة بالطائرة ولا يحتاج لمواعيد، الإنسان يسبح السمك يسبح الإنسان له وزن الحوت له وزن مائة وخمسين طن ! وجبته المعتدلة أربعة طن هذه عصرونية غير الوجبة الغذائية، يرضع ابنه ثلاثمائة كيلو كل رضعة، ثلاث رضعات طن حليب كل يوم منه، أي صفة في الإنسان الحيوان يفوقه بها، بالجمال الغزال والطاووس شيء يأخذ بالألباب إلا أن الإنسان يتميز بالقوة الإدراكية التي أودعها الله فيه، فما لم يطلب العلم ولم يستخدم القوة الإدراكية لسعادته في الدنيا والآخرة فهم قد هبط عن مستوى إنسانيته لمستوى البهائم، وفرق بين البشر البهائم والبشر الوحوش والبشر العاديين هؤلاء الذين يفعلون الأفاعيل بالعالم هم بشر وحوش.
 البارحة كنت بعقد قران قلت تجد الطغاة كان الطريق لله مغلقاً ما دمنا مؤمنين بهم نعظمهم نبجلهم أذكياء إنسانيون عندهم حقوق الإنسان مصونة وحقوق التقاضي مصونة، وحرية القول عندهم مصونة، الديموقراطية رائعة، هكذا نظنهم، فلما كنا نعظمهم كان الطريق لله غير سالك، هم الآن أعانونا على أن نكفر بهم ! لوحشيتهم أن نكفر بهم، لقد نزعت عنهم الأقنعة كل ما يفعلونه دجل بدجل إنهم وحوش كاسرة، فالإنسان من دون علم وحش وبهيمة، لذلك: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ . فإذا جئت لبيت من بيوت الله فالملائكة في خدمتك، وهي تعبر عن رضاء الله عنك، وإن سلكت طريقاً لتلتمس فيه علماً هذا الطريق نفسه طريق للجنة، وإذا جلست في بيت من بيوت الله تذكر الله عز وجل يتلقى إلهامات من الملائكة حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
أحياناً الإنسان يدمر نفسه بخاطر يسعد سعادة أبدية بخاطر، خاطر السعادة سببه الملك وخاطر الهلاك سببه الشيطان،
 فيما ورد في الأثر: سيدنا نعيم ابن مسعود كان زعيم غطفان وجاء ليقاتل النبي في الخندق جالس في خيمته جاءته إلهامات من الملائكة قالت له: يا نعيم ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ إنك أتيت تقاتل هذا الرجل هل اغتصب مالاً ؟ هل انتهك عرضاً ؟ هل سفك دماً ؟ لا، أين عقك يا نعيم ؟ أيعقل أن تقاتله ؟ أقل من دقيقة نهض واتجه للنبي الكريم، النبي يعرفه أحد قادة المشركين قال له: نعيم ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال: جئت مسلماً يا رسول الله قال ولم يعلم بإسلامي أحد فأمرني ما تريد قال أنت واحد قال: خذل عنا هذا الإنسان ذهب لقريش وحدثهم حديثاً وهو يظن أنه لا يزال مشركاً ثم ذهب لليهود وحدثهم حديثاً وهو يظن أنه لا يزال مشركاً فوقعت بين اليهود وقريش وأعانه الله بريح صرصر عاتية قلبت قدورهم وأوقعت خيامهم وأطفأت نيرانهم فكان النصر على يد هذا الصحابي لأنه استجاب لخواطر من الملائكة هذا معنى حفتهم الملائكة،
قد يأتيك خاطر يكون سبب سعادتك، جاءتني البارحة رسالة ثمانية عشرة صفحة يقرأها الإنسان يعتقد أن صاحبها انتهى، طلق زوجته وجالس في المحل جاءته إنسانة تشتري محفظة قامت بحركات فظنها مناسبة له كزوجة وتورط، بعد سنة اكتشف أن الأم تدير دار دعارى وترتزق بابنتها وتعد الناس بالزواج منها، سحبوا منه مبلغ فلكي باع كل شيء يملكه خلال سنة عليه دين لا يكفي أن يعمل عشر سنوات ليقضي دينه، هذا وسوس له الشيطان !
يوجد آية:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

(سورة الرعد)

 أنت في حفظ الله مالك محفوظ قال: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: أنفقته لكل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، قال: أنا الحافظ لأولادك من بعدك. حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ تجد إنسان مسرور وسعيد غيره أغنى وأصح منه وبيته أربعمائة متر هو يسكن بمائة متر وغيره دخله فلكي، على دخل معتدل أو دخل محدود بيت صغير صحة متواضعة زوجة من الدرجة الخامسة يقول أسعد الناس ، هذا غشيتهم الرحمة.
 سامحوني لهذا الكلام: هل تسمعون بالمنفردة ؟ أصعب مكان في السجن ستين سنتيمتر عرض مترين ونصف طول تبقى فيها أشهر سنوات بلا فراش وأثاث ووسادة وبلا تدفئة وتكييف وتبريد ومروحة الطعام تأكله على الأرض أسوأ مكان المنفردة والله ولا أبالغ إذا غشيتك الرحمة وأنت في المنفردة فأنت أسعد الناس ولو سكنت في بيت ثمنه مائة مليون وتسكن بيت ثمنه ألف مليون والله منع الرحمة عنك فأنت أشقى الناس، القضية ليست باتساع البيت ولا كلمة ستمائة على السيارة أو أربعمائة وثمانين أو مائتين وتسعين أو مائة وتسعين هذه أخذتها مثلاً ليس على الأرقام ولا المبالغ ولا الأرصدة لكن على رحمة الله، إذا رحم الله عبده كان أسعد الناس، هذا معنى قول الشاعر:

فليتك تحلو والحياة مريـرة وليتك ترضا والأنـام غــضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العـالمين خــراب
إذا صح منك الوصف فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

 الملائكة تعطيك الإلهامات الناجحة تسعد بها والرحمة تمل قلبك سعادة، السكينة في زلازل ومصائب وتهديدات عندنا كل يوم تهديد أدمنا على التهديد، إذا لهم ثأر مع واحد أنت من القاعدة يوجد مصلحة ليأخذوا بترول أشياء مادية حقراء كل يوم تهديد ومصائب عامة وزلازل وبراكين وفقر وقهر، مع المصائب أنت تشعر بالسكينة، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ تجد المؤمن متميز والله كامل كمال مطلق.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

(سورة التوبة)

 الحالات النفسية الصعبة التي يعاني منها الناس هو في حرز منها لأنه يرى أن الأمر بيد الله، الله لا يتخلى عن المؤمن، السكينة عند الشدة وما أكثر المصائب الآن، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ.
قال: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه فيما ورد في الأثر:

((صحابي فقير جداً دخل لعند رسول الله فوقف له قال: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه قال أومثلي قال: نعم يا أخي خامل في الأرض علم في السماء.))

أسافر لبلد والفضل لله عز وجل يكون هناك كم إذاعة تذيع لي أشرطتي أجد ترحاب منقطع النظير لا أعرف أحد.
 والله مرة ذهبت لأستراليا وجدت مودة لأني أرسلت قبل سنتين ألفين وثلاثمائة شريط أذيعت في إذاعة سيدني كل يوم شريطين، بعد سنتين دعوني والله وكأني جالس معهم من خمسين سنة ! رأيت مودة ومحبة واهتمام وإكرام لا يصدقه العقل لأنهم استفادوا من هذه الدعوة وكأنهم إخواني، وأنا في آخر مكان بالدنيا وصلت إليهم بعد خمس وعشرون ساعة طيران ! هذا في الدنيا، فما بكت عليهم السماء ولا الأرض المؤمن بالعكس تبكي عليه السماء إذا مات أخباره في السماء لأنه ممن اهتدوا بهدايته.
وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ أنت عندما تجلس بجلسة ولا تتكلم عن نفسك تتكلم عن الله عز وجل .

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

(صحيح البخاري)

 السمعة الطيبة من أعظم عطاءات الله عز وجل، عندما تغفل نفسك وتعتم عليها وتظهر عظمة الله وعظمة رسول الله فأنت لك مكافأة لا يوجد حاجة لأن تمدح نفسك يوجد من يمدحك، والإنسان يحب المديح في طبعه، والمؤمن إذا مدح ربى الإيمان في قلبه، لكن النبي نهانا عن المدح، قد تمدح إنسان فيصدق كلامك فيستعلي قال: المداحون احثوا في وجوههم التراب.
 وكما ورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والمؤمن إذا مدح ربى الإيمان في قلبه المؤمن القوي المدح يزيده تواضعاً لله وافتقاراً لله وشكراً، فإذا مدحت من عقله صغير يصدق نفسه ويستعلي.
هذا الحديث مهم أعيده عليكم:

(( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS