4553
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة آل عمران - الدرس ( 07 - 59 ) : الإنفاق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام: من الآيات التي سماها الله من كلماته، وكلماته لاتتبدل ولاتتغير قوله تعالى في سور آل عمران:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ﴾

 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون: أن يتوهم الإنسان أن الجنة التي وعدنا بها والتي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إلى أبد الآبدين، أن هذه الجنة يمكن أن تنالها بركعتين وليرتين فهذا الذي يتوهم هذا في جهل شديد. لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون: الشيء الثمين: أحياناً الوقت أثمن شيء، لابد من أن تنفقه رخيصاً في سبيل الله. أحياناً المال أثمن شيء لابد من أن تنفق المال في سبيل الله. أحياناً عزتك وكرامتك أغلى عليك من كل شيئ لابد من أن تضع أنفك على الأرض تواضعاً لله عزّ وجل، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون: وكل من يتوهم أن الجنة يمكن أن نصل إليها من دون ابتلاء ومن دون امتحان ومن دون بذل ومن دون بذل وقت فهو واهم.
أيها الأخوة الكرام:
 الإنسان إذا آمن بالآخرة إيماناً حقيقياً هانت عليه الدنيا. وقد ورد أنه من عرف الله زهد في من سواه، من عرف الله هانت عليه الدنيا، بذلها رخيصة.
لكن أيها الأخوة، صدقوا أنك إن آثرت الآخرة على الدنيا ربحتهما معاً، وإنك إن آثرت الدنيا على الآخرة خسرتهما معاً.
إنَّ وقت الفجر النوم فيه لذيذ جداً: لن تنالوا البر، حتى تستيقظ وأنت في أشد الحاجة إلى النوم: حتى تنفقوا مما تحبون.
والمرأة محببة إلى الرجل: لن تنالوا البر حتى تغضوا أبصاركم عن محارم الله .
والمال محبب إلينا جميعاً: لن ننال البر حتى نكف عن كسبه حراماً وحتى ننفقه حلالاً .
 هذه الآية من أسس الدين، الجنة التي وعد بها المتقون لها ثمن باهظ، وقد قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: ألا إن سلعة الله غالية، وطلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب.
آية أخرى من الآيات التي تعد من قوانين ربنا عزّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) ﴾

 رجل في عهد أصحاب رسول الله في المدينة آلمه جداً هذا الوفاق بين الأوس والخزرج، آلمه جداً، فأرسل غلاماً أنصارياً وأعطاه قصيدة قيلت في الجاهلية في النزاع بين الأوس والخزرج، ألقى الغلام القصيدة وكان الأنصار حديثي عهد بالإسلام فثارت حميتهم، وتلاسنوا، ثم تقاذفوا التهم، ثم قفز بعضهم إلى بعض، نزل قوله تعالى:
 ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين: بلغ النبي هذا الخبر فخرج من توه وقال:
أفتنة وأنا بين أظهركم :
وغضب غضباً شديداً، ثم ما لبث أن نزل الوحي وقال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) ﴾

 ماذا تستنبطون من هذه الآية ؟ نستنبط: أن الذي يفرق بين المؤمنين، أن الذي يشق صفوف المسلمين، أن الذي يجعل الإسلام فرقاً وأحزاب وطوائف وأن الذي يرسخ الخلافات بين الجماعات الإسلامية وأن الذي يلقي بالتهم جزافاً على كل طرف تعصباً أو جهلاً أو بغياً أو حسداً، هذا الإنسان يفعل فعلاً يساوي الكفر: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هُديّ إلى صراط مستقيم.
هذه الآية تذكرنا بآية أخرى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

(سورة الأنعام: من الآية 159)

 الذي يرسخ التفرقة، الذي يرسخ العداوة والبغضاء، الذي يشق صفوف المسلمين، هذا يفعل فعلاً يساوي الكفر في منطق هذه الآية الكريمة.
أيها الأخوة الكرام: الأمر الإلهي أحياناً ينصب على صفة لا على ذات، مثلاً: قال تعالى

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) ﴾

( سورة الأحزاب: الآية 41)

 ليس الأمر أن تذكره فقط، لأن المنافق يذكره لكن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً، الأمر منصب على الذكر الكثير، والآية هنا من سورة آل عمران، قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته: الأمر لا ينصب على التقوى فحسب، بل ينصب على التقوى الحقيقية، قال أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره.
 اتقوا الله حق تقاته: الحقيقة يوجد في الإسلام شيئ: إذا الإنسان ما أحكم استقامته وما ضبط حركته وفق منهج الله، لن يقطف ثمار الدين، فوضعه صعب جداً. لاهو من المؤمنين فيقطف ثمارهم، ولا هو من أهل الدنيا فيتفلت كما هم متفلتون، حالة اللا حرب واللا سلم صعبة جداً. حالة اللا مرض واللا صحة صعبة جداً، هذه الحالات البينية لا تحتمل، فهذا الذي لا يستقيم على أمر الله استقامة تامة، لا هو كافر فيعد مع الكفار، ولا هو مؤمن فيقطف ثمار الإيمان، من هنا جاء قول الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته: لاحظوا الدراسة مثلاً: إذا الطالب ما تعمق فلا يحب الدراسة، أهله يضغطون عليه، يقدم امتحانات لا ينجح إلا بعلامات قليلة، دائماً في أخذٍ ورد ،أما إذا أعطى الدراسة حقها، قطف منها ثمارها فأصبحت متعة له.
 عوّد نفسك أن لا تكون متردداً، يجب أن تكون مؤمناً كاملاً، والعصر الآن لا يسمح بالوضع الوسط. لعله قبل خمسين عام هناك حالة وسطى أما الآن من شدة الفتن ومن شدة الضلالات ومن شدة الهرج والمرج حياتنا لا تحتمل إلا شيئاً واحد، إما أن تكون مؤمناً ملتزماً التزاما تاماً فتقطف ثمار الدين سعادة نفسية وتوفيقاً وحفظاً وتأييداً ونصراً.... وإما أن تقلل من استقامتك عندئذٍ يتسرب كل شيء وتبقى على لا شيء. هذا معنى قول الله عزّ وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته.

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ﴾

ولتكن منكم أمة تدعون إلى الخير
 تروي بعض الكتب التي فيها بعض الأحاديث الشريفة أن الله سبحانه وتعالى أرسل ملائكة ليهلكوا قوماً فقال هؤلاء الملائكة: يا رب إن فيهم رجلاً صالحاً. قال: به فإبدأوا.قالوا ولمَ يا رب..؟ قال: لأنه لم يكن يتمعر وجهه حينما يرى المنكر.
هذا الذي لو أنه مستقيم، يقول دائماً: مالي وللناس، مالي ولأولادي، مالي ولأخوتي، مالي ولزوجتي، مالي ولجيراني، مالي ولأصدقائي. هذا الذي أعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الله عزّ وجل: به فإبدأوا... ومن هنا قال الله عزّ وجل:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾

(سورة هود: الآية 117)

 قد يهلكهم وهم صالحون، لأنهم كفوا عن الفريضة السادسة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحقيقة مثل واضح وصارخ: أنت في حارة حيث بيتك أخر بيت في هذه الحارة، نشب حريق في أول بيت فإن لم يخرج هؤلاء أصحاب البيوت جميعاً ليطفئوا الحريق فإن الحريق سوف يصل إليهم واحداً واحداً. من هنا تقرأ الآية الكريمة:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾

(سورة الأنفال: من الآية 25)

أيها الأخوة:
 لعل المسلم يفتخر لأنه مسلم ومن أمة النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن يقول الله عزّ وجل:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) ﴾

 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله: هذه الخيرية معللة، فنحن إذا تخلينا عن أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، تخلينا عن إيماننا فقدنا الخيريات. لذلك قال العلماء: هناك أمة الاستجابة وهناك أمة التبليغ... فكل من عاش في بلاد المسلمين هو من أمة التبليغ وليس له أية ميزة وصار شأنه كشأن اليهود:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

(سورة المائدة: من الآية 18)

 أنتم من عامة الناس، فالإنسان ما لم يستجب لله هو خارج ظل الله، إن أطعت الله عزّ وجل أنت في ظله، أنت في حمايته ، أنت في رعايته، أنت في حفظه، أنت في تأييده، أنت في توفيقه، أنت في سعادة جاءتك من تجلي الله على قلبك. أما إذا خرجت عن منهج الله... مثلك مثل أي إنسان، يصيبك مثل ما يصيب الناس من هَمٍّ وحزن وقلق وألم وضيق وحيرة وسأم وضجر، الذي يصيب الناس يصيبك، أما إذا دخلت تحت ظل الله، فلك معاملة خاصة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾

(سورة الجاثية: الآية 21)

والله أيها الأخوة:
 هذه الآية فسرتها اليوم في جامع الطاووسية، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات - قال بعضهم هي بالجنة لايستوون ، قلت - سواءً محياهم ومماتهم: حياتك، بيتك، علاقاتك، مكانتك، صحتك، أولادك، شأنك، همومك، دعوتك، كلها من نوع متميز.
 يجب أن تعتقدوا أن معركة الحق والباطل معركة قديمة وليست منتهية. يقول الله عزّ وجل في سورة آل عمران:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) ﴾

 إن تمسسكم حسنة تسؤ هم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً : يعني.. من حيث الفعل لا يقع في الكون إلا ما يريده الله، أما من حيث التمنيات والقذف والكلام، دائماً الإنسان له خصوم....
يعني يروى أن سيدنا موسى في المناجاة قال يا ربي لا تبقي لي خصماً، ولا تبقي لي عدواً. فقال الله له: يا موسى هذه ليست لي. أليس هناك أعداء لله عزّ وجل..؟ فهذه سنة الله في خلقه.

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾

(سورة الفرقان: من الآية 31)

 الحق والباطل حينما يتصارعان... يرقى أهل الحق بصبرهم وثباتهم برضاهم بقضاء ربهم وقدره، وهؤلاء الطرف الآخر يظهرون على حقيقتهم لو أن أهل الباطل إجتمعوا في مكان واحد ما ظهر خبث نواياهم... لو أن المؤمنين اجتمعوا في مكان واحد ما ظهر صبرهم وثباتهم.
من اختلاط هؤلاء مع هؤلاء تظهر فضائل المؤمنين وتظهر حقائق الكافرين.
 أيها الأخوة الكرام... كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يقولون: من قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا " يعني عظم في أعيننا " والقراءة تعني التدبر. فالإنسان إذا قرأ القرآن عليه أن يقرأه متدبراً لك أن تقرأه قراءة تعبد، ولم أن تقرأه قراءة تدبر ولك أن تجمع بين القراءتين، أن تقرأ ختمة قراءة تعبد وأن تقرأ ختمة قراءة تدبر. والتدبر مهم جداً. والبقرة وآل عمران من السور العظيمة في القرآن. وقد يسأل أحدكم... لماذا أكثر الله الحديث عن بني إسرائيل ؟.. وما علاقتنا بهم ؟.. الجواب: أن الأمراض الوبيلة التي لحقتهم والتي أصابتهم... المسلمون معرضون أن يصابوا مثلها. وقد تجد في طور تأخر المسلمين أمراضاً كثيرة جداً تشابه أمراض اليهود. فلذلك أكثر الله من ذكر بني إسرائيل على أسلوب التربية الرفيع... يعني الحديث عن اليهود والمقصود المسلمون حينما يفرغ دينهم من مضمونه وحينما تؤدى العبادات أداءً شكلياً وحينما يعبدون من دون الله الدرهم والدينار ويعبدون مصالحهم عندئذٍ يصبحون غثاءً كغثاء السيل يصيبهم الوهن قيل وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع