30938
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة النساء - الدرس ( 09 - 59 ) : تزكية النفس.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان مفطور على حب وجوده، وسلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، فيه دافع إلى الطعام والشراب لبقاء الفرد، وفيه دافع إلى الطرف الأخر الجنس الأخر لبقاء النوع، وفيه دافع إلى تأكيد الذات لبقاء الذكر.... بعد أن تأكل وتشبع، وبعد أن تتزوج، لك هم واحد أن تثبت للآخرين أنك إنسان مهم، علي المكانة، بارع الحيلة، عميق الثقافة، متفوق، هذا دافع أساسي في بني البشر إلا أن الإنسان مخير ولأنه مخير دوافعه حيادية.. حيادية.. فربنا عزّ وجل يقول:
ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنفض ظهرك ورفعنا لك ذكرك .
 فهذا الدافع في الإنسان الله جل جلاله يرفع ذكره ويعلي شأنه، أما المقطوع عن الله، أو ضعيف التوحيد لابد من أن يمدح نفسه هذا مرض مستشرٍ بين الناس.. الأفراد يمدحون أنفسهم، أصحاب الحرف يمدحون أنفسهم، الأسر تمدح تربيتها وأولادها وبناتها، المجتمعات يمدحون أنفسهم، الشعب الألماني جعل نفسه في أول السلم وجعل الشعوب الأخرى برابرة هذا على مستوى أفراد وعلى مستوى مجتمعات وعلى مستوى شخصي واجتماعي وعلمي. لكن الله عزّ وجل يقول في الآية التاسعة والأربعين من سورة النساء:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) ﴾

 ألم ترى إلى الذين يزكون أنفسهم: الله جل جلاله ذكر هذا في معرض الذم أم في معرض المدح..؟.. في معرض الذم: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء.. الله هو الذي يزكي ويا أيها الإنسان اطمئن: ولا يظلمون فتيلاً . لو أنك لم تزكي نفسك، هل تضيع عليك مكانتك.. لا.. ربنا يرفع شأنك.
 ما ذكرني عبدي في نفسه إلا ذكرته في نفسي، وما ذكرني عبدي في ملأ من قومه إلا ذكرته في ملأ خير منهم. أنت حينما تنكر ذاتك الله يرفع مقامك، ويعلي شأنك، ويرفع ذكرك، ولك في النبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة. هذا الأسلوب في مدح الذات.
 الجماعات الإسلامية، كلٌ يمدح ذاته، كلٌ يدعّي أنه على حق، أو أن وحده على حق، كل يطعن بالآخرين، الأمم، الشعوب، المجتمعات، الجماعات، الدعوات، الأفراد، النساء... هذه المرأة تثني على بناتها وعلى بيتها وعلى زوجها وعلى تربيتها بشكل غير واقعي.... فإذا أردت أن يحبك الناس أغفل نفسك، إذا أردت أن يحبك الناس تحدث عن ربك، والله سبحانه وتعالى لا يظلمك، يرفع شأنك ويعلي قدرك، ويجعل ذكرك عطراً بين الناس. إقلع عن هذه العادة. والحقيقة أن الإنسان لضعف إخلاصه يستجدي المديح من الناس لضعف إخلاصه، كلما علا مستوى الإخلاص استغنيت عن مديح الناس، وكلما ضعف الإخلاص استجديت المديح استجداء إلى درجة مضحكة.. فهذه آية أصل، لا تمدح نفسك، دع ربك هو الذي يرفع شأنك والله لا يظلمك، الله من أسمائه الحق ولأنه حق هو الذي يحق الحق، هو الذي يبطل الباطل، هو الذي يرفع قدر الإنسان، ألا يارب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا يارب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يارب مهين لنفسه وهو لها مكرم .
أنا فيما أرى.. ما من عبد على وجه الأرض تواضع لله كرسول الله، وما من عبد رفع الله شأنه كرسول الله، إلهنا ربنا خالقنا يقسم بعمر النبي:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) ﴾

(سورة الحجر: الآية 72)

 فعمره ثمين. وما ذُكر الله عزّ وجل إلا ذُكر معه رسول الله.. أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.. هو أسعد الخلق.. فلذلك الإنسان حينما يمدح نفسه يصغر في نظر الناس وحينما يسلط الأضواء على نفسه وحده يصغر أما إذا تحدث عن الله وأثنى على الله ومدح رسول الله ومدح أصحاب رسول الله وأغفل نفسه، هذا الذي يرفعه الله ويعلي قدره ويجعل ذكره عطراً بين الناس.
 فهذه إحدى الآيات الأساسية في التعامل مع الآخرين، يعني إذا أغفلت نفسك الناس يرون، الناس لهم أعين يرون بها، ولهم أذان يسمعون بها، والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يموت، ومن ظن أن الناس ضعاف العقول فهو أضعفهم عقلاً... الناس يرون بأعينهم الحقائق فهذه النقطة الدقيقة. ينبغي أن نقلع عن مدح أنفسنا. حتى اللهم صلي عليه حينما بلغه أن الأنصار قد وجدوا عليه في أنفسهم متى بلغه ذلك وهو في قمة نجاحه بعد أن فتح مكة المكرمة وبعد أن هزم الهوازم، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها لا يستطيع إنسان أن يقول كلمة ومع ذلك جاءه من يقول له إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، سيدنا سعد بن عبادة، قال أين أنت يا سعد.. قال ما أنا إلا من قومي قال إجمع لي قومك، فلما جمعهم قال: يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجيدة وجدتموها عليّ في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، يامعشر الأنصار أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم به.
دققوا أيها الأخوة:
 النبي بإمكانه أن يلغي وجودهم، بإمكانه أن يهدم كرامتهم، بإمكانه أن يهملهم، بإمكانه أن يعاتبهم لصالحه، ماذ قال ؟ ذكرهم بفضلهم عليه: أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم به أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً.- لم يقل فهديتكم - فهداكم الله بي - أرأيتم إلى هذا التواضع، أرأيتم إلى إنكار الذات -

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا ))

فلذلك هذا التعصب للذات، تعصب للأسرة، التعصب للعائلة، التعصب للحي، التعصب للمدينة،
 أيها الأخوة:قال بعض العلماء: الإسلام كالهواء للإنسان لا يستطيع إنسان أن يحتكره ولا جماعة ولا طائفة ولا مذهب ولا قوم ولا شعب ولا قارة ولا عصر ولا مصر. الله جل جلاله وزع المؤمنين الصادقين في كل مكان، ووزع الدعاة الصادقين في كل مكان توزيعاً زمنياً وجغرافياً. فلذلك: ألم ترى إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء، دع ربك يزكيك، دع ربك يرفع قدرك، دع ربك يعلي شأنك دع الناس يتحدثوا عنك، لا تتحدث عن نفسك، هذا يضعف مكانتك هذا يجعلك مخالفاً لأمر الله عزّ وجل لا تزكي نفسك في آية أخرى:

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) ﴾

(سورة النجم: من الآية 32)

 أما أجمل ما في الآية: ولا يظلمون فتيلاً. يعني إذا أنت سكتت، الناس يعرفون الحقائق والله هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل.
الشيء الثاني أيها الأخوة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) ﴾

 إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها: والحقيقة أن الأمانات جاءت بالجمع كل إنسان في عمله يوجد أمانة بعنقه، فلو كنت محامياً وجاءك موكل قضية هذا الموكل أمانة في عنقك يجب أن تؤديها حق الأداء، أنت طبيب جاءك مريض المريض أمانة في عنقك ينبغي أن تعتني به حق العناية، أنت تاجر جاءك الشاري يجب أن تعطيه البضاعة الجيدة بالسعر المعتدل، أنت مهندس جاءك من يستشيرك يجب أن تشير عليه بما ينفعه... فكل إنسان أولاده أمانة، زوجته أمانة، حرفته أمانة ينبغي أن يتقنها، زبائنه أمانة...فالحقيقة الأمانة لها مفهوم واسع جداً. تجد الإنسان لو قصّر في نصح الآخرين لو قصّر في إسداء النصح إليهم لو لم يتقن عمله لو سوّفَ في إنجاز عمله يكون قد خان الأمانة:إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .
الآية الثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) ﴾

 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله – لا يوجد إشكال، فيما جاءكم في كلامه، هذا القرآن الكريم كلام الله إذا قلنا أطيعوا الله يعني نفذوا ما في القرآن - وأطيعوا الرسول - نفذوا ما في السنة النبوية- وأولي الأمر منكم: من هم أولي الأمر..؟.. الإمام الشافعي يقول أولي الأمر هم الأمراء الذين ينفذون أمر الله وهم العلماء الذين يعرفون أمر الله، الأمراء والعلماء، العلماء يعرفون أمر الله والأمراء ينفذون أمر الله: ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأولي الأمر منكم: أي من جنسكم، من دينكم، من ورعكم، من استقامتكم، من التزامكم، فإن تنازعتم في شيء.. المنازعة مع من..؟.. الشيء المنطقي أن المنازعة مع أولي الأمر.. يعني هذا العالم جاء بشيء لم يرد في القرآن أو لم يرد في السنة فإن تنازعتم في شيء.. فلان تكلم في القضاء والقدر كلام غير معقول، فلان تكلم في الشفاعة كلام غير معقول، فلان أوّلَ هذه الآية تأويل غير معقول، فلان أباح للناس شيئاً محرم في الإسلام، لو إنسان أباح الربا.. مفتي أفتى بالربا مثلاً قال أن إيداع المال في المصارف أمانة والفائدة مكافئة مثلاً... فلو أنه إنسان جاء بشيء ما جاء به القرآن تنازعت مع هذا الإنسان.. ما المرجع.؟.. المؤمن له مرجع قال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول: إن تنازعنا فيما بيننا مرجعنا كتاب الله وفهمنا لكتاب الله متوقف على فهمنا لأصول الفقه. النص القرآني له أصول يفهم بها في مطلق في مقيد في عام في خاص في قيد في دلالة في دلالة ظنية دلالة قطعية هذا علم الأصول من أرقى العلوم: فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلاً .. معناها نحن لنا مرجع، مرجعنا كتاب الله.
 أمير أمر أصحابه في عهد النبي أن يقتحموا النار راجعوا أنفسهم قال: إنما آمنا بالله فراراً منها فلما عرضوا الأمر على النبي قال والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف إذاً: أجمل ما في حياة المؤمن.. المرجعية في مرجع له.. كتاب الله وسنة رسوله ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً.
في شيء دقيق جداً عن رسول الله، يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) ﴾

 يعني الإنسان حينما لا يعبأ بسنة النبي عليه الصلاة والسلام هذا موقف فيه جفاء، فلو أنه تاب إلى الله ينبغي أن يصطلح أيضاً مع رسول الله لأن إعراضك عن سنته انتقاص من قدره، فالله لا يرضى عنك إلا إذا اصطلحت مع رسوله تكريماً لهذا النبي، من هنا قال الله عزّ وجل: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك - جاءوك وأنت بين أظهرهم أو زاروا مقامك بعد موتك - فاستغفروا الله - الله هو الأصل - واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً.

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) ﴾

 الآن إذا اختلفنا لا سمح الله وعدنا إلى رسول الله إلى سنته هكذا قال النبي فالذي لا يرضى سنة النبي والله ليس مؤمناً. أحياناً الإنسان يكون ذكي، له قضية مع شخص، يشعر أن هذه القضية لا تحل في المحاكم القانون مع المستأجر لأنه، يطرق باب العلماء.. حق شرعي أنا أريد الشرع، أحياناً لا تحل في الشرع تحل في القانون.. نريد المحاكم.. تارة يريد المحاكم والقوانين وتارة يريد الشرع والأحكام التعبدية. قال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً .
الآية الثالثة :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾

 سبحان الله ربنا عز وجل ينصحنا يقول قل يا محمد: قل متاع الدنيا قليل: هي كلها كم سنة، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، قل متاع الدنيا قليل، ألا نصدق الله عزّ وجل.. يقول هو قليل.. في رجل يعني ميسور الحال في البنايات في برنية أعلى طابق اشترى بلاطة بيتين مكسوين خالصين، كسّر البلاط، وقلع النوافذ هدم الجدران وكسى البيتين كسوة لا توصف لأناقتها وجمالها وبقي سنتين أو ثلاثة وهو يدير هذه الكسوة بعد أن انتهي البيت توفاه الله عز وجل. قل متاع الدنيا قليل.
 حدثني أخ يبيع مفروشات قال لي جاءني شخص موسوس يريد غرفة نوم، أراد أن يشتري الخشب أولاً، قال لي اشتراه وأبقاه سنتين حتى نشف، ثم بقي 6، 7 أشهر بالكاتالوكات حتى اختار غرفة نوم يمكن أجمل غرفة بكل شيء، وبدأ يتابع بالموضوع قال لي مرة انبطح تحت التخت ليشاهد إذا كان هناك عقدة في الداخل وبعد انتهائها بسنتين بقيت كم شهر بالمسكات، انتهت لم يستلمها، يدهن الغرفة ست وجوه يدهنها، فالنتيجة قال لي ضقت ذرعاً بهذه الغرفة وصار عليها طلب كثير، جميلة جداً اتصلت بالجماعة وقلت أنه معك ليوم الخميس إذا لم تأخذها سأبيعها جاء الخميس وإتصلت فسمعت ضجيج بالمنزل جاءت امرأة فقالت له مات أعطاك عمره. قل متاع الدنيا قليل: قليل. كم من عروس زينونها لزوجها ماتت ليلة العمر، كم من أناس يرتجى طول عمرهم، يعني الإنسان قد يأخذ شهادة لا يتعين، قد يعقد عقد لا يدخل، قد يسافر لا يرجع، قد يوظف لا يداوم، قد يتزوج لاينتهي زواجه، فلذلك قل متاع الدنيا قليل: هذا الذي يضع كل البيض في سلة واحدة غلطان، هذا الذي يضع كل أمله في الدنيا مغامر ومقامر، دع للآخرة شيئاً: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً: أينما تكون في أية مكانة أنت وفي أي مكان:
أنت لا تأمن الموت في طرف ولا نفس وإن تمتعت بالحجاب والحرس فما تزال بوقاف ولا حذر كالحاطب الحاذق الأعواد في الغرس تــرجو النجاة ولم تسلك مسالكها _ إن السفينة لا تجري على اليبس
قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن إتقى ولا تظلمون فتيلاً، أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة.

﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) ﴾

 أيها الأخوة: أعقل إنسان هو الذي يعمل لساعة لقائه مع الله، هذه ساعة أكيدة لا يستطيع أحد إنكارها لكن الناس يتفاوتون في الاستعداد لها.. استعد لهذه الساعة بالتوبة، استعد لهذه الساعة بالعمل الصالح استعد لهذه الساعة بالدعوة إلى الله، استعد لهذه الساعة بخدمة الخلق.
الآن في نقطة بالعقيدة مهمة جداً يقول عزّ وجل: وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
من حيث الفعل كل من عند الله، من حيث الكسب ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك. العمل له فعل وله كسب، الكسب منك والفعل من الله.
 يعني.. إذا كان طالب لم يدرس وقلنا لقد رسب بسبب كسله، كلام صحيح، لو قلنا إن الإدارة رسبته كلام صحيح، إذا عزينا الرسوب إليه عزوناه إلى تقصيره إلى سبب الرسوب، وإذا عزوناه إلى الإدارة على السلطة التي نفذت هذا الرسوب. قضية سهلة جداً.. من حيث الفعل من الله، من حيث الكسب من نفسك.

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً (82) ﴾

أي كتاب غير كتاب الله لابد من أن نجد فيه التناقض..أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً.
 يعني.. في أخ أرسل لي ورقة البارحة قال لي صباحاً قلت: المعركة بين الحق والباطل مستمرة أو بالعكس، قال لي مساءً قلت: المعركة بين حقين لا تقوم، وبين حق وباطل لا تدوم، وبين باطلين لا تنتهي. فكيف نجمع بينهما.. هو الجواب صحيح... في حرب بارة، وحرب حارة، الباردة مستمرة، أما الحارة إذا في مواجهة بين باطلين لا تنتهي، بين حق وباطل لا تدوم لأن الله مع الحق، بين حقين لا تكون. هذا من حيث المواجهة، أما من حيث العداوة والحسد والضغينة وتمني الإخفاق.. هذا شيء مستمر... على كلٍ أي إنسان معرض أن يتناقض مع نفسه.. أي إنسان.. لكنك لن تجد في كلام الله تناقضاً: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS