4484
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة الأنعام - الدرس ( 11 - 59 ) : السماع من لوازمه الاستجابة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-14
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان يستمع فيستجيب أو يعد عند الله ميتاً .... الحياة تعني أن تصغي السمع للحق فتستجيب لها وإن لم تكن كذلك فهذا الإنسان عند الله ميت ... الدليل كما ورد في سورة الأنعام:

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) ﴾

 إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله: الموت أن لا تستمع، أو أن تستمع ولا تستجيب . لكن الاستماع عند الله يعني الاستجابة .. علامة أنك مستمع مستجيب .. فإن لم تستجب فلست بمستمع .
فربنا عزّ وجل يسمعنا الحق وهذه بشارة لكم جميعاً:

﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾

(سورة الأنفال: من الآية 23)
 بمجرد أن الله أسمعنا الحق فهذا نوع من البشارة لنا: ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم: الآن السماع من لوازمه الاستجابة ... الله عزّ وجل يدعوك بالبيان ينبغي أن تستجيب .. إن لم تستجب .. سلك أسلوبا آخر . التأديب التربوي .. إن لم تتب .. هناك طريقة ثالثة .. الإكرام الاستدراجي .. إن لم تشكر .. القصم . كل واحد منا لابد من أن يكون في أحد هذه المراحل .. أكمل مرحلة أن تدعى بيانياً .. الكلام، الخطبة، بدرس، بمجلس علم، تسمع شريط، تقرأ كتاب، تلتقي مع إنسان بمجلس خاص، بمجلس عام ... الحق نُقل إليك ينبغي أن تستجب .. فإن لم تستجب هناك تأديب تربوي ينبغي أن تتوب .. فإن لم تتب هناك إكرام استدراجي فإن لم تشكر هناك قصم .
إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله: فإن لم تستجب للحق الذي أسمعك الله إياه، هذا الإنسان عند الله من الموتى .
 حينما فتحت القدس في عهد صلاح الدين الأيوبي، وفي أول خطبة ألقيت من على منبر المسجد الأقصى وقد حضر هذه الخطبة صلاح الدين الأيوبي .. ماذا قال خطيب هذا المسجد .. بدأ خطبته بهذه الآية من سورة الأنعام:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) ﴾

 ونرجو الله أن يعود هذا النصر ثانية .
آية ثالثة من سورة الأنعام:

﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) ﴾

 وكذلك نفصّل الآيات .. قال:

﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) ﴾

 المجرم يسلك سبل ملتوية لكنه يزخرف القول ويصفها بأنها حضارة، تقدم، رقي، علم، حقوق إنسان يضفي على انحرافاته وميوله الدنيئة وأعماله الشنيعة يضفي كلاماً مزخرفاً . لكن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يكشف الحقيقة فربنا عزّ وجل قال: وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين .
 يعني .. من نعم الله الكبرى أن هؤلاء الغربيين الذين يدعّون الحضارة والتقدم والرقي ويعرفون حقوق الحيوان وحقوق الإنسان .. بعد أن انفردوا بالقوة في العالم كشرّوا عن أنيابهم وظهروا للعالمين جميعاً .. وحوشاً .. فبانت سبيلهم المنحطة وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين لماذا .. ؟ .. إن لم تكفر بالكفار لن تعرف الله .. مادام لك ظن حسن بالكفار .. أهل علم، أهل حضارة، أهل رقي، أهل تقدم، يعرفون حق الإنسان يعرفون حقوقهم الدقيقة إن كان ظنك بهم هكذا فالطريق إلى الله ليست سالكة . من هوي الكفرة حُشرَ معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، من أقام مع المشركين فقد برءت منه ذمة الله فربنا عزّ وجل يبين: كي تستبين سبيل المجرمين، يعني أراد الله سبحانه وتعالى أن يذيقهم بعض الذي عملوه . قال: ظهر الفساد في البر والبحر - الفساد ليس من خلق الله - قال:
بما كسبت أيدي الناس .. ليذيقهم بعض الذي عملوا –
وكان من الممكن أن لا يذيقهم .. يفسدون وينحرفون ويسقطون في حمأة الرذيلة ولا يذيقهم بعض الذي عملوه . لكن شاءت حكمة الله أن يذيقهم بعض الذي عملوه .. لماذا .. ؟ .. قال –

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾

(سورة الروم: الآية 41)
 رحمة الله بالكافرين أيضاً . فحينما تستبين سبيل المجرمين يبدو الإسلام شامخاً كالطود. الآن ما لذي حصل .. ؟ ... كل شيء وضعه البشر من مبادئ وعقائد وأساليب في الحياة سقطت في الوحل ولم يبقى إلا الإسلام .
نرجو الله سبحانه وتعالى أن تُرشد هذه الصحوة الإسلامية ترشيداً .. يعني .. يجعلها في مصاف الدعوات الكبرى .
 إذاً: وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين يعني .. أنت ما فيك تبني بناء .. إذا كان أخ مهندس . بيت متداعي ما في إمكان تبين فوقه بيت لابد من أن تهدم البيت وتنشئ بناء جديد في عادات،في تقاليد، في مبادئ، في قيم، كلها منحرفة . هذه يجب أن يظهر للناس زيفها وانحرافها، وخطؤها من أجل أن يظهر الإسلام شامخاً كالطود .
إذاً: لحكمة أرادها الله يبين: من أجل أن تستبين سبيل المجرمين .
 يعني .. سمعت عن إنسان مشهور جداً في وسائل الإعلان .. في الإعلان عن الدخان .. هذا أصيب بمرض سرطان في الرئة وهو يموت قال: _" كنت أكذب عليكم الدخان قتلني " ... دائماً الله عزّ وجل من حكمته " يرخي الحبل " فالإنسان يتحرك ثم يشد الحبل فإذا هو في قبضة الله وعندئذ: تستبين سبيل المجرمين .
إخواننا الكرام:
 في آية دقيقة .. الإنسان له في المجتمع درجة .. أحياناً بحسب دخله .. بمجتمع المال الإنسان يقيم بالمال بحجمه المالي، بمجتمع العلم يقيم بشهاداته، بمجتمع الانحطاط يقيم بانغماسه بالرذائل، أحياناً يقيم بشكله، أيام يقيم بذكائه، أيام بطلاقة لسانه، أيام بعلاقاته، أيام بارتباطاته، أيام بجماعته، هذا تقييم البشر . طيب ... عند الله كيف نُقيم .. ؟ .. قال تعالى في سورة الأنعام:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) ﴾

 ولكل درجات مما عملوا: أنت عند الله حجمك بحجم عملك الصالح وقد تقول أنا ضعيف .. أقول لك: العمل الصالح الذي قدره الله على يديك مكافئ لنواياك الطيبة ولطلبك الصادق . النوايا الطيبة سبب أن يقدر الله على يديك الأعمال الصالحة فإذا قدرها على يديك كان حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .. إلا إن هذا العمل مرتبط بنيته لقول النبي:

((سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

متى تزداد قيمة العمل .. ؟ .. قال إذا كان خالصاً لله . واحد ..
متى تزداد قيمة العمل .. ؟ .. قال إذا كان موافقاً للسنة . اثنين ..
متى تزداد قيمة العمل .. ؟ .. قال إذا .... عقبات أمامك كثيرة جداً وتخطيتها جميعاً .
 متى تزداد قيمة العمل .. ؟ .. قال إذا كان هناك صوارف .. تصرفك عن ... في سهرة مغرية جداً، في وليمة، في عزيمة، في لقاء، في مجلس، في يعني أشياء مبهجة، تركتها وتوجهت إلى بيت الله إذا في صوارف تزداد قيمة العمل، إذا في عقبات تزداد قيمة العمل، إذا في إخلاص تزداد قيمة العمل إذا في موافقة للسنة تزداد قيمة العمل، إذا في ... رقعة العمل واسعة ...إنسان الله عزّ وجل مكنه أن يهدي إنسان واحد .. جيد .. واحد إثنين .. واحد خمسة .. أما كل من في الأرض من المسلمين في صحيفة سيد المرسلين .
سيدنا عمر قال عن نفسه قال: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر .
كلما ارتقت نفسك، كلما أحببت الله، كلما نويت الخير، قدّر الله على يديك العمل العظيم .. ثلاثة .
 أحياناً ... فضلاً عن أنك رقعة العمل تتسع أمده يمتد .... أيام تجد عالم كبير . ترك مؤلف . يعني طبع مئات الألوف واستفاد منه أجيال تلو أجيال هذا عمل عظيم .. صار في اتساع رقعة وامتداد أمد . الآن كلما أصبح العمل ذا تأثير أعمق كان عند الله أكثر قيمة .
في مقياس سادس أو سابع .. العمل إذا استمر بعد موت صاحبه هذا من أعظم الأعمال .. إنسان أسس معهد شرعي ومات هذا المعهد خرّج عشرات الخطباء، عشرات المدرسين، أسس ميتم ومات، أسس مشروع خيري ومات، سن سنة حسنة و توفاه الله ... أعظم الأعمال ما يستمر بعد موت صاحبه طبعاً بالمقابل .. وأسوأ الأعمال ما يستمر بعد موت صاحبه .. أسس ملهى ومات بعد أسبوعين من افتتاحه وكل المنكرات التي تقام فيه إلى يوم القيامة في صحيفة هذا الذي أسسه .
فالعمل يُقَيَّم بنيته، بإخلاصه، بموافقته للسنة، باتساع رقعته، بامتداد أمده، بعمق تأثيره، بكثرة الصوارف عنه، بكثرة العقبات أمامه، يقيم باستمراره بعد موت صاحبه .
قال عليه الصلاة والسلام: ابتغوا الرفعة عند الله،الرفعة عند الله بالعمل الصالح . حينما سيدنا موسى سقى للمرأتين قال:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) ﴾

(سورة القصص: من الآية 24)
 كلما ازداد إيمانك ترى أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح . ترون بأعينكم .. الذي ساكن ببيت 100 مليون وجاء أجله ..أين يدفنوه بالباب الصغير . وازن بين 400 متر مكلّف 50 أو 100 مليون وقبر بباب الصغير . هذه الدنيا .

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾

(سورة الإسراء: الآية 21)
 أما بالآخرة الدرجة هناك دائمة وتعني أن الله يحبك ... أما الدرجة في الدنيا ليست دائمة، مؤقتة .. مادام في نبض ... شيء معقد كثير .. إذا في كهرباء القلب منتظمة .. الأملاك لك .. صار في اضطراب بالنظم .. صار في خوارج انقباض .. صار في توقف مفاجئ " ما عد تملك شي " فجأة ..
يعني .. كل شيء تملكه مربوط بهذا النبض .. وقف .. عظّم الله أجركم .. خلص .. " ما عاد له خاتمه انتهى كل شيء " .
 هذا معنى قوله عزّ وجل: ولكل درجات مما عملوا، فلا يمنع عن هذه الآية ... اسأل نفسك هذا السؤال ... ماذا قدمت من عمل .. ؟ .. هل أعطيت لله .. ؟ هل منعت لله ..؟ هل واليت في الله ..؟ هل عاديت في الله ..؟ هل طلبت العلم ..؟ هل منعت العلم ..؟ هل نصحت المسلمين ..؟ هل أتقنت عملك ..؟ هل أحسنت إلى خلق الله ..؟ هل رعيت يتيم ..؟ هل رعيت أرملة ..؟ هل أمرت بالمعروف ..؟ هل نهيت عن المنكر..؟ هل تركت أثر ..؟ أسست عمل، أسست معهد، أسست مستشفى، أسست ميتم، ألفت كتاب، نشرت كتاب، عاونت على إظهار الحق، تبنيت إنسان طالب العلم، أنفقت عليه حتى يصبح عالماً، في صحيفتك ماذا فعلت .. ؟ .. لكل درجات مما عملوا .. ابتغوا الرفعة عند الله .
في شيء آخر .... الله جل جلاله يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

(سورة المائدة: من الآية 105)
لها معاني كثيرة:
 يعني.. عليكم بمعنى الزموا أنفسكم، طهروها، زكوها، عرفوها، احملوها على طاعة الله، إن لم تفعلوا هذا يضركم من ضل عندئذٍ .. . إن زكيتم أنفسكم وتعاهدتم قلوبكم عندئذ_ٍ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم .... هذا معنى من معاني هذه الآية .
لكن يوجد معنى آخر .. الإنسان حينما يرى أنه الفساد عمّ، نقول له عليك نفسك .. عندئذٍ لا تعبأ بأحد .. اعبأ بنفسك وأهلك ومن حولك وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة .
فيا أيها الأخوة: هذه بعض الآيات الذي ينبغي أن نقف عندها .. يعني القرآن الكريم مائدة وهو مائدة الرحمن، والقرآن الكريم هو ربيع القلوب وهو الغنى الذي لا فقر بعده،فالله جل جلاله يلهمنا الصواب.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS