6047
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة يوسف - الدرس ( 18 - 59 ) : حقيقة قصة يوسف.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام: نهايات السور فيها تلخيص للحقائق التي فيها فبعد أن انتهت قصة سيدنا يوسف عليه السلام قال الله عزّ وجل:

﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) ﴾

(سورة يوسف)

 الإيمان درجة علمية ودرجة أخلاقية ودرجة جمالية لا تُنال بالتمني، تُنال بالسعي والدأب . لو أردنا أن نشبّه دكتوراه، ممكن أن نشبه إنسان أميّ لا يقرأ ولا يكتب يدّعي أنه دكتور ... مستحيل ... وهذا الذي يقع، إنسان يرتكب أكبر المعاصي ويقول لك أنا مؤمن وإيماني بقلبي هذه دعوة كأن ترى إنساناً أميّاً لا يقرأ ولا يكتب ويدّعي أنه دكتور في الآداب أو في العلوم أو في الطب .... فالإيمان مرتبة عالية تحتاج إلى كسب وإلى جهد وإلى تفرغ وإلى مجاهدة وإلى بذل وإلى انضباط وإلى التزام وإلى متابعة وإلى طلب .
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.
 يعني ... مثلاً: إذا إنسان قال لك الملح مفيد جداً لمن يعاني من ارتفاع الضغط . يكون طبيب هذا ... ولا ممرض .. ولا إنسان عنده ثقافة طبية بسيطة . مادام كلما أكثرت من الملح ينزل الضغط .. هذا جهل مطبق . إنسان يقول لك أنا سأبني بناء من دون حديد .. يكون مهندس هذا .. ولا مساعد مهندس ولا معه باكالوريا ولا متعهد ولا فاعل، فالناس يرتكبون أخطاء كبيرة جداً في كسب المال، في إنفاق المال، في العلاقات الاجتماعية، في العلاقات مع النساء يرتكبون أخطاء فاحشة، ويدّعون أنهم مؤمنون . لذلك قال تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين في إنسان نام، استيقظ أصبح دكتور ..، نام واستيقظ صار أكبر تاجر ..، لما بالسعي الدؤوب وبسهر الليل وببذل الجهد والمعاناة والصبر حتى يصل إلى مرتبة علمية أو لمرتبة مالية أو لمرتبة إدارية أو لمكانة اجتماعية .
 وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين: يعني .. إذا إنسان قال لك أنا مالي فاضي .. ليس عنده وقت ليحضر مجلس علم وليس عنده وقت يقرأ القرآن وليس عنده الوقت يسهر مع ناس مؤمنين وليس عنده وقت ليطالع كتاب وليس عنده وقت ليسمع شريط .. وأنا مؤمن وإيماني بقلبي وأنا أحسن منك يقول لك .. شيء مضحك إنسان لا يقرأ ولا يكتب ويدّعي أنه دكتور . هذا معنى الآية: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين . يعني سلعة الله غالية .
 الإنسان .. انظر يدرس ابتدائي وإعدادي وثانوي وجامعة ودكتوراه يجد نفسه لم يفعل شيء ...يحتاج إلى بيت وإلى عيادة ويريد الزواج .. يتدين ومن ثم يسد الدين حتى يقدر أن يعيش حياة معقولة بالأربعين بالخمس والأربعين حتى يقدر أن يعيش حياة معقولة، يعني مكتفي، له مكانة، عنده بيت، عنده زوجة . متى معترك المنايا .. بين الستين والسبعين . معقول أربعين عام إعداد عشرين عام هذا إذا عاش إلى الستين أو عاش إلى الخمسين . أربعين عام إعداد لعشر سنوات وجنة إلى الأبد لا يوجد عندك وقت فارغ كي تعد لها إلى الأبد تحتاج إلى طلب علم تحتاج إلى متابعة إلى عناية إلى بذل جهد إلى مجالسة العلماء لا يوجد عندك وقت فراغ تسمع درس، تسمع شريط، تقرأ كتاب، تجلس مع أخ، تجلس مع عالم، ما في عندك وقت، عندك وقت لماذا ...
 تصور طبيب أخذ أعلى شهادة وفتح عيادة وعليه ديون طائلة وجاءه مريض ضمن وقت العيادة فقاله له والله مالي فاضي ... أصبح أنت فاضي لأي شيء ... كل هذا التعب من أجل أن تعالج المرضى وتقول مالي فاضي: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين .

﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) ﴾

سورة يوسف))

 من يقدر أن يدخل لعند طبيب وليس معه نقود .. مستحيل، من فيه أن يقابل محامي من دون أتعاب، من فيه أن يدخل محل تجاري من دون مال، لاتقدر ... كل شيء يحتاج إلى ثمن إلاَّ العلم الشرعي . تجلس إلى مجلس علم، لا في رسم دخول ولا في ضريبة ... إدخل كما تريد لا يوجد أيّ حساب .. تعال وتعلّم لوجه الله تعالى . العلم الشرعي مبذول مجاناً وماتسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين . لماذا لم يؤمن . قال:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) ﴾

سورة يوسف))

 طريق الإيمان أن تفكر في خلق السماوات والأرض .

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾

(سورة يوسف)

 المشكلة أيها الأخوة بأن تؤمن بأن لهذا الكون خالقاً شيء طبيعي وبديهي وشائع ولا يقدم ولا يؤخر، أما البطولة أن تؤمن أن لهذا الكون إلهاً واحداً. المشكلة في الشرك لا في الإلحاد .. في الشرك .. العالم كله حتى على بعض العملات كالدولار كتب عليها "ثقتنا بالله"، يفرمون الشعوب فرم "وثقتنا بالله"، فالقضية ليست قضية إيمان أو عدم إيمان قضية توحيد وعدم توحيد، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون .
 إذاً: إن كنت ترى أن هناك قوى مستقلة في إرادتها عن إرادة الله فأنت مشرك . إذا كنت تعتقد أن بإمكان زيد أو عبيد أن يفعل ما يشاء إلى جانب فعل الله فأنت مشرك، إذا كنت تعتمد على شيء سوى الله فأنت مشرك، طبعاً الشرك تتسع دائرته وتضيق دائرته، تتسع دائرته ليشمل معظم المؤمنين قال: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء . وأدناه أن تحب على جور ... يعني شخص جائر منحرف أعطاك عطاء ثمين فأحببته وهو جائر وهو منحرف فأحببته .. أحببت إنساناً منحرفاً لأنه أعطاك . هذا نوع من أنواع الشرك . أو إنسان نصحك فغضبت منه وهذا نوع من أنواع الشرك .
من علّق كل آماله بزوجته .. نوع من الشرك، بأولاده، من اعتمد على ماله .. شرك . من اعتمد على عقله على ذكائه على خبرته شرك .. يجب أن تعتمد على الله، يجب أن لا ترى مع الله أحداً . القضية ليست قضية إيمان وعدم إيمان، قضية توحيد وعدم توحيد .
 هل ترى أن الذي في السماء إله هو في الأرض إله، هل ترى أن الأمر كله يرجع إليه، يعني فرضاً: إذا واحد أحجم عن دخول المسجد أو عن حضور مجلس علم خوفاً من غير الله هذا مشرك . إذا إنسان اعتقد أنه إذا أطاع الله قد يناله الأذى . وكأن الله لا يحميه أو لا يستطيع أن يحميه
 هذا مشرك ... مشرك .. ترى مع الله آلهة أخرى، أما الإيمان أن لا ترى مع الله أحداً، إن ترى أن الأمر راجع إليه كله، وإليه يرجع الأمر كله (سورة هود: من الآية 123) . حينما تعتقد أنه أمر جسمك ... هذا الدسام في القلب بيد من ؟ هذه الشرايين مفتوحة أو مغلقة بيد من؟ .حينما تعتقد أن كل أعضائك وخلاياك وأنسجتك وأجهزتك بيد الله وزوجتك وأولادك ومن حولك ومن فوقك ومن دونك والمعطيات والأمطار والزراعة والصناعة والتجارة وحركة الحياة والزلازل والفيضانات والحروب الأهلية .. كلها بتدبير حكيم . حينما تصل إلى هذا المستوى تكون قد بدأت بالإيمان . القضية ليست قضية إيمان وعدم إيمان، قضية شرك وتوحيد . لذلك كلمة الإسلام الأولى:

﴿فاعلم أنه لاإله إلا الله﴾

(سورة محمد: من الآية 19)

لم يقل: فقل، قال: فاعلم أنه لاإله إلا الله .

﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) ﴾

(سورة يوسف)

 ما معنى على بصيرة: .. يعني بالدليل . هكذا ما في بالدين، يجب أن تؤمن بما أقول لك بلا دليل هذه دعوة ليست على بصيرة . البصيرة تأتي بالدليل .. العقلي، والدليل النقلي، والدليل الواقعي، والدليل الفطري ... هذا هو الحق إن لم تأتِ بالدليل فهذه دعوة ليست على بصيرة. يعني بالتعبير العامي ... " هيك مافي بالدين " .
 أن تملي عليّ إملاءً بلا مناقشة، بلا تمحيص، بلا طلب دليل، ومنهج البحث في الإسلام فالصحة، إن كنت ناقلاُ فالصحة، مدعّيا فالدليل، تنقل خبر .. هل أنت متأكد من صحته ..؟.. تدعّي شيء هل معك عليه دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ..؟.. أو من أقوال الصحابة أو إجماع الأمة أو بالقياس.
 لذلك ... إن كنت ناقلاُ فالصحة، مدعّيا فالدليل، لذلك المؤمن الصادق ..إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . المؤمن الصادق لا يقبل بلا دليل . ولا يرفض بلا دليل، ولا تقبل ولا ترفض، عندما تتعلم منهج التلقي . القضية سهلة جداً تصبح . النقطة الدقيقة أنه عندك ميزان، في عندك خطأ بالوزن وخطأ بالميزان . الخطأ بالوزن سهل جداً لأنه لا يتكرر ممكن أنت وتزن أن تريك عينك 2 كيلو = 1كيلو . تقول له كيلو . هذا خطأ لكن خطأ بالوزن، هذا خطأ بسيط وليس خطيراً لأنه لا يتكرر .. مرة واحدة . أما الخطأ في الميزان خطأ جسيم لأنه لا يصحح . إذا في تحت الكفة وقية زايدة لو تزن مليون وزنة كله غلط، لأنه الميزان غلط . يعني واحد قال لي: عنده جهاز ضغط .. تعبان الجهاز عايش سنتين، ثلاث .. ضغطه مناسب أما هو ضغطه صاعد درجتين .. زيادة .. يوجد انزلاق درجتين بجهاز الضغط وأصيب بعطب أنه ميزانه غلط مطمئن .. يقيس ضغطه مثلاً 12 - 8 وهو 14 -10 لم ينتبه . فالخطأ في الوزن لا يتكرر، أما الخطأ في الميزان لا يصحح، فالإنسان يجب أن يجهد للبحث عن ميزان التلّقي .. ماذا أقبل وما أرفض، ماذا أصدق وماذا أكذب:
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني .
لن تكون متبعاً لرسول الله إلا إذا تلقيت عن بصيرة وألقيت عن بصيرة، لن تكون متبعاً لرسول الله إلا إذا تلقيت عن بصيرة ورفضت عن بصيرة،
 شيء ثاني ... والشيء الدقيق جداً .. هذه الآية فيها دليل قطعي على أن الدعوة إلى الله فرض عين، فرض عين . كيف أن الصلاة فرض عين، والصيام فرض عين، والزكاة فرض عين، وأن الدعوة إلى الله فرض عين . فإن لم تدعو إلى الله فأنت لا تتبع النبي، والذي لا يتبع النبي لا يحبه الله . والدليل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

(سورة آل عمران: من الآية 31)

 والذي لا يحب الله ليس مؤمناً . دقيق الكلام .. إن لم تتبع النبي لا تحب الله لقوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني . وإن كنت متبعاً للنبي يجب أن تدعو إلى الله على بصيرة . والدعوة إلى الله على بصيرة عن طريق الدليل والتعليم . الدليل العقلي و النقلي والواقعي والفطري .
في شيء آخر .. مستحيل أن يستقر الإيمان في قلب إنسان ولا يعبّر عن ذاته بحركة نحو خدمة الخلق أو نحو هدايتهم .. مستحيل .. الحد الأدنى بالمؤمن أن يتحرك لهداية الخلق وخدمتهم .. مستحيل .. فلذلك إذا إنسان قال لك أنا ليس لي علاقة، أنا الحمد لله مؤمن والله أنجاني وأفهمني ... لا ... هذا انتماء فردي يتناقض مع روح الجماعة التي أمر الله بها .
مستحيل إنسان ينسحب من مجتمع ويعّلق عليه ويحتقره وهو ناجي .. هذا موقف غير أخلاقي، موقف فيه استعلاء، هؤلاء أهلك، هؤلاء بنو جلدتك، فأنت اسعى إلى هدايتهم .
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني .
 بالمناسبة .. الدعوة إلى الله كفرض عين: في حدود ما تعلم ومع من تعرف . أنت عندك محل ويوجد عندك خمس أو ست موظفين هؤلاء زادك إلى الله، أنت أب عندك أولاد، أنت عم عندك أولاد أخ، أنت عندك جيران . جيرانك، أصدقائك، أقربائك، موظفين عندك، هؤلاء الذين هم حولك، هؤلاء زادك إلى الله، ادعوا هؤلاء، في حدود ما تعلم وفي حدود من تعلم ... هكذا الدعوة كفرض عين .
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين .
 طيب ما علاقة المشركين بأول الآية .؟. لكن القرآن كلامه خالق للكون . قال: لو دعوت إلى ذاتك تكون مشرك، هناك من يدعو إلى الله، وهناك من يدعو إلى ذاته، إذا دعوت إلى ذاتك أو دعوت على غير بصيرة أو أمليت إملاءً دون مناقشة أو دون قبول اعتراض معنى ذلك أنك أشركت نفسك مع الله وجعلت الدعوة إلى ذاتك: وما أنا من المشركين .
لو ألغيت الدليل أشركت، لو ألغيت التعليل أشركت، لو دعوت إلى ذاتي أشركت .
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين .

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) ﴾

(سورة يوسف)

 يعني . الله عزّ وجل قادر لمجرد أن تفعل خيراً أن يأتيك الخير بعد ثانية، وقادر لمجرد أن تفعل شراً أن يأتيك العقاب بعد ثانية . لو أن الله فعل هذا لأُلغي الاختيار . إذا كان بعد المعصية فوراً في عقاب وبعد الطاعة فوراً في ثواب التغى الاختيار، صار في إصرار بتشابه الناس .
يعني .. مثلاً: يأتي النبي، يدعو إلى الله، يكذبه المكذبون وينامون في بيوتهم مطمئنين، يتهمونه بالجنون وبالشعر وبالإهانة:

﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) ﴾

(سورة الذاريات: من الآية 52)

 وناموا في بيوتهم آمنين، أو لو قالوا هذا لملك ما كان ناموا في بيوتهم آمنين .. فالله جعل النبي ضعيف أول دعوته .. لماذا جعله ضعيفاً .. حتى يكون الإيمان به ذا قيمة، إذا جعله قوي، الإيمان لم يعد له قيمة . خافوا من قوته فآمنوا . أما يجعله ضعيفاً .. ممكن أن تقول عنه مجنون، ممكن أن تكذّبه، ممكن أن تقول عنه ساحر، ممكن أن تؤذيه وأنت مرتاح ... معناها ضعيف . كان النبي الكريم يمر على آل ياسر وهم يعذبون ..هل استطاع أن يخّلصهم؟ .. لم يستطيع . قال لهم صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة .
 في حكمة بالغة .. سيد الخلق لا يتمكن أن يخّلص إنسان من التعذيب لأنه آمن فيه .. لا يقدر حتى يكون الإيمان برسول الله عظيم جداً، لما ربنا عزّ وجل يدّفعك ثمن الطاعة . أيام يتوقف بيع الخمر فتنزل الغلة للربع . يوجد ناس عندهم مطاعم أوقفوا البيع فالغلة نزلت .. لازم تنزل لأنه لو ما نزلت لا أجر لك . صار تجارة .
 في واحد في حلب .. بائع مطعم كاتب: "ممنوع شرب الخمر بأمر الرب والرزق على الله" صاروا الأرمن يقلدوه لكي يحضروا زبائن أكثر . يعني القضية لا علاقة لها ... إذا الخير يأتي بعد الطاعة مباشرة ... لا أجر لك، ولو يأتي الشر بعد المعصية لا وزر عليك . أما لازم أن تفعل الخير إلى أمد طويل ولا تجد فرق، وتفعل الشر وتجد لا أحد يحاسبك ... هذه الحياة، أين الله ..؟.. الله يرخي لك الحبل .. يرخيه لك بعدين يحاسب .
لذلك .. حتى إذا استيأس الرسل لماذا الله أخّر النصر .. حتى يفحص الناس، يكشفهم .
 اللهم صلي عليه .. إذا واحد فكّر انتهى الإسلام، الإسلام انتهى إلى الأبد . قضية وجود أو عدم وجود لم تعد نصر أو هزيمة . وجود أو عدم وجود . العرب كلها ائتمرت على النبي لتستأصله . عشرة آلاف مقاتل في الجزيرة واليهود نقضوا العهد وانتهى . أما الصحابة واحد من أتباع النبي قال: أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته . قال:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 11)

 فالإنسان يوطّن نفسه أنه هناك امتحانات حتى يظهر إيمانه وتظهر ثقته بالله واعتماده عليه وتوكله . لابد من أن تُمتحن . الشافعي سُئل رضي الله عنه: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ..؟.. قال لن تُمكّن قبل أن تُبتلى . هذا معنى قوله تعالى: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا . الله يؤخر النصر لكي يفرز المؤمنين . لأنه:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

(سورة آل عمران: 179)

لابد من أن يفرز المؤمنين .. كيف يفرزهم بتأخير النصر .
 الآن أيام إنسان تجده غير قادر على الزواج، ليس معه ثمن بيت، ومستقيم ويغض بصره ومن درس إلى درس وما في أمل إطلاقاً، ومبيّن فعلاً ما في أمل . بعدين الله عزّ وجل يفرجها عنه بعدما امتحنه . لأنه من أحبّنا أحببناه، ومن طالب منّا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عمّ لنا كنا له ومالنا .
 أحيان الإنسان يتديّن ... يقول لك هذا جامع فيه إخوان كثير هؤلاء كلهم سيصبحوا زبائني . يبدأ بدء غلط، يبدأ يريد الدنيا عن طريق الجامع .. تجد الأمور كلها ضده تصبح . الله يريده خالصا_ً من دون شوائب من دون أهداف أرضية . حتى الإنسان لو استقام . لو استقام اليوم واليوم الثاني جاءك دخل كبير تصبح الاستقامة تجارة .. يُقبل الناس عليها لا لأنها استقامة ولا لأنها تُرضي الله بل لأنها مُربحة . الله لا يحب هذا .. يريدك أن تأتيه من دون أهداف، أن تحبه لذاته بعدئذٍ يكرمك . كل هذا الكلام ..
لماذا حتى إذا استيأس الرسل، لماذا الله أخّر النصر . أولاً فرز المؤمنين أعطاهم ثمن الطاعة.
 مثلاً: إنما المشركون نجسٌ فلايقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا- طيب ممنوع دخول المشركين، السياحة وقفت، ما في فنادق، أُغلقت الفنادق والمطاعم كله وقفّ - وإن خفتم عيلة - معناها في عيلة أمامكم في فقر- فسوف يغنيكم الله من فضله (سورة التوبة: من الآية 28) ... سوف ... يأتي الفرج ولو بعد حين حتى يمتحنوكم . أيام الإنسان تأتيه وظيفتين واحدة 30000 لكن عمل في فندق خمس نجوم فيه عدة مشكلات، وأيام تأتيه وظيفة بـ 5000 لكن عمل لا شبهة فيه يؤثر الـ 5000 أقل بكثير . لكن هذا مال لا شبهة فيه . طبعاً أنا لم أقل خمس نجوم أي عمل ... في أعمال إذا كان يريد أن يبيع خمر مثلاً، أما إذا هناك أعمال أخرى فلا علاقة . أما يؤثر دخل قليل على دخل كبير الله عزّ وجل يعطيه بعد حين الدخل الكبير لأنه امتحنه ونجح .
هذا معنى: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجيّ من نشاء ولا يُرد بأسنا عن القوم المجرمين . رحمة الله في بأسه على القوم المجرمين هذا البأس لعله يرجعهم إلى الله .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS