8242
السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 35 - 48 ) : هديه في تلبية المؤذن والصلاة عليه.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الدعوة مبادئ وقدوة :

 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

((إذا سمعتُم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه مَنْ صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلةَ: حلَّت له الشفاعةُ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 أيها الأخوة, الدعوة مبادئ وقدوة, فالمبادئ في القرآن الكريم, أما القدوة فلا بد من أن يكون هناك إنسان تتجسد فيه هذه المبادئ, كي تقتنع أن هذه المبادئ قابلة للتطبيق, فأية دعوة ألغيت منها القدوة انتهت.
 الدعوة مبادئ بكتب, أما الذي يؤثر في المدعوين أن هناك إنساناً طبق هذه المبادئ فقطف ثمارها, إذاً دعوة حيوية, دعوة فيها حياة.
 فدائماً المؤمن مكلف أن يصلي على النبي, فكلمة اللهم صلِّ على سيدنا رسول الله, كلمة إذا لم يكن فيها مضمون ليس لها معنى, كن واقعياً, اللهم صلِّ على النبي لو قلتها مليون مرة ما الذي يحدث؟ أما كلمة صليت على النبي؛ تذكرت فضائله, تذكرت معرفته بالله, تذكرت استقامته, تذكرت محبته لله, تذكرت إخلاصه, تذكرت رحمته في قلبه, تذكرت إنصافه, تذكرت تواضعه, ما الذي ينقذك مما أنت فيه؟ أن تكون لك قدوة, تحاول أن تقلدها, تحاول أن تقفو أثرها, أن تترسم معالمها، هذه القدوة.

كل دعوة من دون مثل أعلى دعوة فارغة ليس فيها حياة :

 شخصية رسول الله في حياة المؤمنين قوية جداً, كل مؤمن يوجد في ذهنه شخصية, هذه شخصية النبي؛ أن يقلده في تواضعه, في إنصافه, في عفوه, في رحمته, في لطفه, في رقته, في إخلاصه, في اتصاله بالله, فكلما سمعت صلوا على النبي, اللهم صلِّ على النبي, بدون صلاة هذه دعوة إلى أن نترسم خطاه, أن نقفو أثره, أن نتبع سنته.
 شيء آخر: كل دعوة من دون مثل أعلى فارغة, ليس فيها حياة, لو تقرأ ألف كتاب, أما أنت حينما تقرأ سيرة رسول الله؛ تجد الحياء, التواضع, الرحمة, القوة في الله, الغنى في الله, الافتقار إلى الله.
 فالصلاة على النبي تعني أن تقرأ سيرته, وأن تقف عندها فقرة فقرة, ثم تقول: اللهم صلِّ على النبي, أي تسأل الله له الرحمة, وبشكل أو بآخر هذا كلام دقيق.
 لما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة, لزارتكم في بيوتكم))

[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

 أي المؤمن مع رسول الله؛ إما معه جسماً, أو معه روحاً, نحن الآن مع رسول الله في روحه, في سلوكه, في أخلاقه, إذا كنت معه روحاً إذاً اشتققت من كماله, ومن أنواره, ومن محبته, هناك شيء من الصعب أن يكون ملموساً شيء بشكل مادي.
 أنت عندما تحب إنساناً, تسري إليك صفاته وأنت لا تشعر, عندما تحب إنساناً تسري إليك فضائله وأنت لا تشعر.

الإشعاع النفسي يسري من نفس إلى نفس :

 من هنا:

((اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق))

[ورد في الأثر]

 هناك خطر كبير؛ تحب إنساناً لا يصلي, والله يا أخي الصلاة صعبة, تجد نفسك تكره الصلاة معه, تحب إنساناً يحب الشهوات, تجلس معه, من حديثه, من نفسيته, تميل للدنيا, لو جلست مع إنسان محب لله عز وجل, تسري محبة الله إلى قلبك من خلاله, هذه الحالة هي الإشعاع النفسي, يسري من نفس إلى نفس عن طريق المحبة؛ فإذا أحببته حباً أحببت الله مع محبته, إذا أحببت مبغضاً سرى هذا البغض إليك, فهذا الشيء أساسي في علاقة المؤمنين, أنت حينما تحب مؤمناً, تسري إلى نفسك أكثر صفات هذا المؤمن, هذه الحالة ورد بها الحديث الشريف:

((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة))

[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

 فبصلاتك على النبي تقتبس من كماله, ومن محبته الشيء الكثير؛ لمجرد أن تذكره, وأن تذكر فضائله, وأن تذكر شمائله, وأن تذكر أخلاقه, وأن تذكر كماله, هذه الكمالات, وهذه الشمائل, تسري إليك بشكل أو بآخر, الآلية مجهولة, أما النتائج فملموسة, أنت مع من تحب, إن أحببت النبي كنت معهم, إن أحببت أهل الدنيا كنت مع أهل الدنيا, فلا تفسر هذه الأحاديث إلا بهذا الشكل.

معرفة السيرة النبوية فرض عين :

 كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((مَنْ صلَّى عليَّ واحِدَة صَلى اللهُ عليه عَشْرا))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 الشيء الدقيق أن معرفة السيرة النبوية فرض عين, السبب أن الله عز وجل كلفك أن تجعل من النبي قدوة لك. قال:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[سورة الأحزاب الآية:21]

 أنت مكلف من قبل الله, قدوتك رسول الله, والمؤمن الصادق كلما همّ أن يفعل شيئاً, يسأل نفسه هذا السؤال: هل فعل هذا النبي؟ هل هذا مما فعله النبي أم مما تركه؟ أهكذا كانت أخلاقه؟ هذا الشعور أي أنت تقتدي برسول الله شعور مسعد.
 إذاً: الصلاة على النبي أن تقتدي به, وأن تقفو أثره, وأن تترسم خطاه, وأن تكون شخصيته نموذجاً لك, تقلدها في كل شيء, فصار في الدعوة مبادئ, وأفكار, ونظم, وقيم تُقرأ, وهناك شخص أمامك؛ إما أمام عينك, وإما أمام عين قلبك, كل هذا الإسلام مجسد في هذا الشخص, كل هذا القرآن مجسد بهذا الشخص, كل هذه المبادئ يحملها هذا الشخص, كل هذه الفضائل يتميز بها هذا الشخص, هذه قضية الدعوة.

العبرة أن يكون الإنسان على هدي رسول الله وأن يكون مقتفياً أثره :

 الآن أي دعوة, الغِ المثل الأعلى انتهت الدعوة, كلام فارغ, معلم في صف, شخصية المعلم؛ صدقه, أمانته, أبلغ من لسانه, أبلغ من بيانه, لذلك قالوا:

(( استقيموا يُستقم بكم ))

[ الطبراني عن سمرة ]

 أنت حينما تستقيم, وتصمت, يستقيم الناس باستقامتك, وأنت من أكبر الدعاة, وأنت صامد, فالعبرة أن تكون على هدي رسول الله, وأن تكون مقتفياً أثر النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تكون متبعاً لسنته, وعندما تختلط الأمور, هذا نصيحة الإمام الغزالي: عندما لا يعجبك الناس, وعندما يسقط الدعاة واحداً تلو الواحد, في بعض المزالق, في حب الدنيا, في مضرة الأقوياء, أن يأتوا بشيء ما أراده النبي, عندما الأمور تضيع, عليك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام, هو الكامل على مدى الزمان إلى آخر الدوران.
 إذا كان هناك شخص في حياتك كامل, جيد, هذا بابك إلى الله, وإذا خاب ظنك بمن في عصرك, فأنت قدوتك الدائمة المستمرة هو رسول الله, هو الذي جسد الإسلام بكل أخلاقه.
 لا تقل خاب ظني, النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك إلى أبد الآبدين, قدوة , فعليك بسيرته؛ ممكن أن تقرأ سيرته, ممكن أن تقلده, ممكن أن يكون مصدر إشعاع لك, مصدر إلهام, حياته خير لنا, ومماته خير لنا, وهذا ولا ينطبق على غير النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[سورة الأحزاب الآية:21]

محبة النبي فرض عين على كل مسلم :

 بل إن الله عز وجل حينما قال:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[سورة الأنفال الآية:33]

 هو فينا بسنته, هو فينا بشخصه في حياته, هو فينا بسنته بعد مماته.
 فممكن أن تنسحب أحاديث الصلاة على النبي بمجملها وفق هذا المعنى, معنى أنه لا بد لك من قدوة, أو لا بد لك من شخص, يتلقى من الله التجليات, ويهبك بعضها إذا اتصلت به في حياته, أو بعد مماته:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾

[سورة النساء الآية:64]

 فالاتصال برسول الله الاتصال الروحي, أو الاتصال الفكري, أو الاتصال النفسي, أو تذكُّر فضائله, كل هذه أنواع من الاتصالات, هذه هي حقيقة الصلاة على رسول الله, أي بشكل أو بآخر مركز تلق, وأنت إذا اتصلت به تتلقى من الله الرحمات, وينعم بها على من أحبه, لذلك محبة النبي فرض عين، قال له:

(( والله يا رسول أصبحت أحبك أكثر من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، قال : يا عمر، لمَّا يكمل إيمانك، إلى أن جاءه مرةً ثانية فقال : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي وولدي ومالي، والناس أجمعين، حتى نفسي التي بين جنبي، قال : الآن يا عمر ))

[ البخاري عن عبد الله بن هشام ]

 لا تستطيع أن تدخل على الله إلا إذا أحببت نبيه حباً يفوق كل حب, أما إن لم تحب النبي حباً يفوق كل الحب فالطريق إلى الله ليس سالكاً, فهو باب الله عز وجل.

من لوازم الأدب مع النبي أن يكون هو الوسيلة لنا إلى الله عز وجل :

 القسم الثاني بالحديث يقول:

((... ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله...))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 أي النبي عليه الصلاة والسلام هو باب الله الأوحد لكل الخلق, كل الخلق يدخلون على الله من باب النبي.
 هو بالمثل المألوف إنسان عرفك على إنسان, ليس لك حق أن تعمل معه اتصالاً من وراء ظهره.
 فالنبي هو الذي عرفنا بالله عز وجل, فمن لوازم الأدب مع النبي أن يكون هو الوسيلة لنا إلى الله عز وجل, لا يوجد طريق إلى الله إلا عن طريق رسول الله.
 فالإنسان لا يصل إلى الله إلا إذا اقتفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام, هذه من ضوابط الاتصال بالله عز وجل، أن يكون هذا الاتصال عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن طريق الصلاة عليه, الصلاة عليه أن تذكر شمائله, وأخلاقه, وفضائله, وأن تُكبر فيه هذه الصفات، وإكبار هذه الصفات نوع من أنواع الاتصال برسول الله.

((... ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS