12642
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة النحل - الدرس ( 20 - 59 ) : المستقبل واقعٌ لا محالة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الأولى في سورة النحل:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

[ سورة النحل الآية: 1 ]

﴿ أَتَى ﴾

 

: فعل ماض،

﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

: فعل مضارع،

﴿ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

 معنى تطلبون سرعة مجيئه، أما:

﴿ أَتَى ﴾

 معناه قد جاء وانتهى الأمر، ما معنى هذه الآية؟ معنى هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي، من أجل أن نشعر أن هذا المستقبل قد وقع، وانتهى الأمر، لأن وعد الله عز وجل واقعٌ لا محالة.

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 116 ]

هذا القول لم يقله بعد سيدنا عيسى، سيقوله يوم القيامة، أما حينما جاءه هذا الفعل المستقبلي بصيغة الماضي، معنى ذلك أن هذا الفعل في حكم الواقع.
 الآن الإنسان يتحرك، في نقطة ثابتة، في حالات بالهندسة إذا كان النقطتين متحركتين لم يلتقيا، ولاسيما إذا كانتا بسرعةٍ ثابتة، نقطة ماشية على المئة، ولاحقتها على المئة لن يلتقيا، إذا الأولى ماشية على التسعين والثانية على المئة يلتقيان بعد أمدٍ طويل، أما تصور النقطة الأولى ثابتة، والثانية متحركة، معناها اللقاء قريب، نقطة ثابتة والثانية متحركة.
إنسان ركب سيارة باتجاه حلب، حلب ثابتة، هو ماشي ما دام يمشي سيصل قريباً فنحن نقاط متحركة كلنا إلى هدفٍ ثابت.

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

[ سورة يس ]

 فالآن مستقبل في حكم الواقع، الآن العاقل، الذكي، الموفق هو الذي يعيش المستقبل ويتوافق معه منذ الآن، والأقل ذكاء يعيش حاضره، والغبي يعيش ماضيه، يتغنى بماضيه وواقعه سيءٌ جداً، فربنا عز وجل عن هذه المعاني أن المستقبل آتٍ لا محالة، والمستقبل سريع المجيء، والمستقبل في حكم أنه قد أتى:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

، يعني لم يأتِ بعد.
 لذلك قال سيدنا علي: "كل متوقعٍ آت، وكل آتٍ قريب".
 وهذا الشيء نحسه جميعاً في حياتنا الدنيا، بدأ رمضان، أول يوم صلينا فيه أمامنا ثلاثين يوم، ما شعرنا اليوم اثنا عشر، ولن يمضي وقتٌ طويل حتى ينتهي رمضان، ويأتي العيد ثم يأتي عيد الأضحى، ثم يأتي الشتاء، والربيع، وتمضي هذه السنوات سنةً إثر سنة، وكأنها حلم يوم القيامة يُسأل الإنسان كم لبثت في الدنيا؟ يقول:

﴿ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾

[ سورة الكهف الآية: 19 ]

 وفي آية:

﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾

[ سورة الأحقاف الآية: 35 ]

 والحكمة: الدنيا ساعة، اجعلها طاعة، الزمن يمضي سريعاً، وكل واحد منا له عمر ليسأل نفسه كيف مضى هذا العمر؟ والله كالحلم، كان بالخمسة عشر، الآن بالسبعين، بالستين بالخمسين، بالأربعين، وهكذا الماضي على طوله مضى، فالمتبقي في الأعم الأغلب أقل مما مضى، كيف مضى الذي مضى؟.
 فهذه الآيات في القرآن الكريم التي تتحدث عن المستقبل، بمعنى أن المستقبل واقعٌ لا محالة، بل في حكم الواقع، وكأنه وقع، الآن المؤمن في أي أجواءٍ يعيش؟ يعيش في المستقبل المستقبل فيه موت، في قبر، في جنة، برمج حياته، دخله، إنفاقه، بيته، زوجته، أولاده، كلامه نطقه، حركته اليومية برمجها بحيث أنه يسعد بها في المستقبل، فتجد له يسموها بالتعبير الحديث إستراتيجية، له المؤمن إستراتيجية غير الناس، الناس يستهلكون حظوظهم من الدنيا، هو يستثمرها، الناس يستهلكونها، يأكل، ينام، يعمل نزهة، يلبس، يعزم، لكن ليس له هدف، يستهلك حظوظه، المؤمن أتاه الله حظوظاً، هو يوظفها في الحق لا يستهلكها، يوظف الوقت في ذكر الله يوظف القوة في طاعة الله، يوظف المال في خدمة الفقراء والمساكين، يوظف طلاقة لسانه في الدعوة إلى الله، يوظف علمه في البحث عن أدلةٍ تقوي الإيمان، المؤمن يستثمر حظوظه في الدنيا، وكأنها رأس ماله، والكافر يستهلكها.
تماماً لو أعطينا إلى إنسانين كل واحد مليون ليرة واحد أنفقها، سافر، نزل بفنادق اشترى لبس، أكل، عزم، ضيّف، خلال شهر، شهرين، ثلاثة انتهت استهلكها، في إنسان بحث عن أعلى شركة استثمارية، دفعها إليها، وصار يستجر أرباح، هو يعيش من ريع هذا المبلغ، لا يعيش من أصله، يعيش من ريعه.
 فالآن نحن كلنا رأس مالنا الوقت هو ظرف العمل، كل واحد منا له عند الله وقت يعني البارحة سمعت من أخ كريم مطلع على أحدث بحوث الهندسة الوراثية، العلماء في الغرب اكتشفوا أن من المورثات مورثاً فيه عمر الإنسان الدقيق، لكن لن يستطيعوا أن يفتحوه ليعرفوا كم هو عمره، لكن تحدد مورث من بين الألف مورث التي اكتشفت حتى الآن، أحد هذه المورثات تحدد عمره، الله عز وجل ذكر هذا في كتاب الله الإنسان له أجل لا يتقدم، ولا يتأخر فنحن آجالنا ليست مفتوحة، مغلقة، كل واحد منا له أجل مغلق، والله أعلم، يعني الإنسان مثلاً ستين، اثنان وخمسين، ثلاثة وخمسين، سبعين، خمسة وأربعين، تسعة وأربعين، متى يموت؟ مليون سبب للموت في، فنحن رأس مالنا الزمن، الوقت، النقطة الدقيقة: إما أن نستهلكه وإما أن نستثمره، المؤمن بأعلى درجات العقل، والتوفيق يستثمره، وغير المؤمن يستهلكه، فإذا الإنسان صرف من رأس ماله انتهى، هذا إذا كان أنفقه في المباحات وكلامي دقيق جداً، إذا أنفقه في المباحات، يعني لم يعمل المعاصي، إلا أنه استهلك حظوظه من الدنيا، استهلك ماله بالطعام والشراب، واللباس، استهلك وقته بالراحة، والمزح البريء، والكلام العادي، استهلك صحته في كسب المال فقط.
فيا أيها الإخوة الكرام، الوقت يمضي سريعاً، الإنسان:

(( بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، وما من يومٌ ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم، أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فأني لا أعود إلى يوم القيامة))

 هذا المعنى النبي اللهم صلي عليه أشار إليه، كان عليه الصلاة والسلام ما إن يفتح عينيه، أو ما أن يفتح عينيه مستيقظاً، حتى كان يدعو ويقول:

(( الحمد لله الذي ردَّ عليَّ روحي ))

 يعني سمح لي أن أعيش يوم جديد، لأن الإنسان في النوم يتوفاه الله، النوم وفاة مؤقتة، والموت نوم دائم.

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾

[ سورة الزمر الآية: 42 ]

 كل واحد منا إذا آوى إلى الفراش يموت، لكن يموت ثم يبعث، والنبي عله الصلاة والسلام علمنا هذا الدعاء: اللهم

(( إنْ أَمْسكْتَ نَفْسي فارْحَمْها ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 إذا كان نمت ولم أفق أرحمها:

(( وإنْ أرْسَلتَها فَاحْفَظْها ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 فلما الإنسان يستيقظ، معنى ذلك أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، أول دعاء للنبي اللهم صلي عليه:

(( الحمد لله الذي ردَّ عليَّ روحي ))

 لكن استيقظ، مشى، الحمد لله، الأجهزة كلها شغالة، الجاهزية عالية، السمع والبصر والحركة، قال:

(( الحمد لله الذي عافاني في جسدي وَرَدَّ عَلَيَّ رَوحي، وأذِنَ لي بذِكرِه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 في أناس للساعة الثالثة نائمين، وشاربين، وسهرانين بنوادي ليلية، والآن نائمين نحن الله عز وجل سمح لنا أن نستيقظ، سمح لنا أن نذكره، سمح لنا أن نصلي، هذا فضل من الله عز وجل، إذا الإنسان الله نوره، وعرفه، وأعانه على طاعته، فهذا دعاء النبي:

(( الحمد لله الذي عافاني في جسدي وَرَدَّ عَلَيَّ رَوحي، وأذِنَ لي بذِكرِه ))

 يعني الإسلام قوي، والله غني عن أي مخلوق، أما إذا الله عز وجل سمعك الحق وأعانك على طاعته، وأذن لك أن تدعو إليه، هذا شرفٌ كبير لا يناله كل إنسان، إذاً المؤمن يعيش المستقبل، يعني ما في مانع الإنسان يتصور حاله توفاه الله، يهيئ عمل صالح، يهيئ عمل يلقى الله.
 سمعت عن شخص، أنا والله لا أعرفه، ولا رأيته، لكن له أعمال طيبة جداً جداً كان إذا دخل شخص لمكتبه، طلب مساعدة لجمعية، لفقراء، من عادته يقول له: افتح صندوق الحديد، وخذ كم تشاء، ولا تعلمني كم أخذت، عمل مسجد، له قصة غريبة، أن هذا الإنسان أصيب بمرض خبيث في الدم، وما كان معروف بالضبط نوع المرض، المستشفى اتصلت بالبيت من أجل أن تُعلم أهل البيت، أهل المريض بنوع مرضه، لحكمةٍ أرادها الله، رفع السماعة هو السماعة الثانية، فكان إبلاغ المستشفى أن الورم خبيث، ولن يعيش أكثر من ثلاثة أيام بالضبط والقصة واقعة في دمشق، والشخص أعرف اسمه، أعرف صديقه، هذا الإنسان الذي لا يصدق تلقى النبأ ببساطة، وخبر أحد أصدقائه المقربين إليه، قال له: أنا انتهيت، في له تجارة هو، قال له: هذه الصفقة سألغيها، أُلغيها وهذه الصفقة دٌفع ثمنها، أنت استلمها، وبعها، وأدِ ثمنها لأولادي أول يوم حل كل مشاكله المالية، وثاني يوم استقبل كل أقربائه، وودعهم، وثالث يوم له شيخ في الشام، جاء شيخه، وبعض إخوانه، وقرءوا له القرآن، وقام بنفسه اغتسل، والساعة الواحة ظهراً فاضت روحه إلى السماء، الذي يلفت النظر أنه بأعصاب غير معقولة جداً تلقى هذا النبأ، لأن عمله طيب، كل إنسان عمله طيب يعد الموت تحفةً له، ويعده عرساً له.
 وما من صحابيٍ على الإطلاق إلا كان في أسعد لحظات حياته حينما يلقى الله عز وجل، كل هذا التعب لهذه الساعة، طالب بذهنه يكون الأولي على القطر حينما يقرع جرس الامتحان يفرح، لأنه مستعد استعداد مذهل للامتحان، لم يترك كتاب لم يدرسه، ما في مسألة لم يحلها، عامل دروس خاصة، حافظ، ملخص، دفاتر، يعني شوقه الكبير أن يصب كل علمه على هذه الورقة، فهذا الطالب فرحه بالامتحان، بمجيئه، غير طالب كسول سوف يخزى في هذا اليوم، في فرق كبير جداً.
 فيا أيها الإخوة، من علامة التوفيق أن تعيش المستقبل، والحدث الواقع في المستقبل الواقع الذي لم ينجو منه أحد، هو الموت، وبين أن يكون أكبر مصيبةً، وبين أن يكون عرساً لك ما في حل وسط، هذا الحدث الذي لا بد منه، إما أن يكون أكبر مناسبة سعادة، لأنه كالغائب ردَّ إلى أهله.
 تصور إنسان، يعني مثل افتراضي: فقير جداً، ذهب ليدرس في بلد غربي، أما عنده اختصاص نادر، لو عاد إلى بلده سيكون أغنى الأغنياء، فاشتغل بمطاعم، اشتغل حارس اشتغل بأعمال صعبة حتى قدر أن يؤمن  مصروف، ودرس، وكأنه إذا كان نال الشهادة العليا، له عمل كبير جداً في بلده، ودخل كبير، ونال الشهادة، وصدقها، وقطع بطاقة طائرة، ووضع رجله على سلم الطائرة، ينتابه شعور بالسعادة لا يوصف، أن كل هذا التعب انتهى.
قال النبي عليه الصلاة والسلام رأى جنازة، قال:

(( مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما المستريحُ، وما المستَراح منه؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك، عن: أبو قتادة ]

 يعني سمعت عن إنسان في بلد مسلم، يعني هناك كان بالسجن، كان بوضع صعب جداً، ويقوم بعمل مذكرة دفاع عن نفسه، فيقول صديقه: أنه يكتب، وتعبان، ومجهود بالكتابة غفل واستفاق، ومسك الأوراق، ومزقها كلها، وانطلق وجهه طلاقة غير معقولة، رأى رسول الله في المنام وكأنه بشره أنه سوف تأتي إلينا عن قريب، فألغى المذكرة، وألغى الدفاع، وقضى يومين ثلاثة يعني بسعادة لا توصف، فلما الإنسان يكون له مقام عند الله:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

[ سورة القمر ]

 ابتغوا الرفعة عند الله، والجنة ثمنها في الدنيا مبذول، بيدكم جميعاً، بطاعة الله بخدمة عباده، بمحبته، بذكره، بالدعوة إليه،

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾

 اعتبر المستقبل انتهى، لما أنت تعيش المستقبل، تتوافق معه في الحاضر، برمج حياتك، بيتك، نظام حياتك، مهنتك، كسبك للمال أولادك، برمج حياتك على أساس أنك تعد للآخرة.

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 19 ]

 انظر الآية:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾

[ سورة القصص الآية: 77 ]

 أتاك علم، أتاك قوة، أتاك صحة، أتاك مال، أتاك ذكاء، أتاك قوة حجة،

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾

 إياك أن تستهلك، وظف، يعني الأذكياء بالاقتصاد يعيشون من ريع أموالهم، لا من رأس أموالهم، والإنسان الغبي يعيش من رأس ماله، يستهلك رأس ماله، رأس مالنا الوقت، هذا ينبغي أن يستهلك، يعني كلمة مالي فاضي، لا تحكيها إطلاقاً، لا شيء يعلو على معرفة الله، لا شيء يعلو على خدمة عباده، لا شيء يعلو على نشر الحق، هذا أكبر شيء أنت خُلقت من أجله.

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾

[ سورة النحل ]

 يعني الآن شغل العلماء الشاغل الهندسة الوراثية، أن الحوين المنوي هو خلية واحدة والخلية لها غشاء، ولها هيولة، ولها نوية، على النويّة خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، الآن اكتشف ألف معلومة، اكتشف ألف فقط، كلما اكتشفوا معلومة، يجدون العجب العجاب، يعني في الآن من خلال الهندسة الوراثية بدءوا يفسرون حالات الإنسان العجيبة، أن شاب شرايينه بالثمانين إنسان بالثمانين شرايينه كأنها شرايين شباب، وإنسان بالأربعين شرايينه تالفة، في بهندسته الوراثية شيء، بتقدير الله عز وجل:

﴿ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾

 يعني معقول حوين من خمس مئة مليون حوين يدخل إلى بويضة، ويكون في برمجة لخمس آلاف مليون معلومة، وأمر بوقت معين، ثم يخرج هذا الطفل إلى الدنيا بخلق مبدع، هذه من آيات الله الدالة على عظمته، طبعاً شيء ذكرته سابقاً:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 لو أن هذا القرآن من عند رسول الله، من عند محمدٍ عليه الصلاة والسلام، بعهده كان في خيل، وبغال، وحمير، وجمال، إلى آخره، لكن لم يكن في سيارات، ولا في طائرات، ولا في بواخر عملاقة، ما كان ذكر هذا الشيء، أما لأنه كلام الله عز وجل، قال:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 فأنت حينما تقرأ القرآن الكريم تشعر أن هذا كلام الخالق، الذي يعلم ما سيكون، ما سيكون مغطى بهذه الآية، آخر آية:

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾

[ سورة النحل الآية: 30 ]

 الذي أنزله القرآن الكريم، والذي فصله النبي الكريم، السنة، هذا الدين بمجمله الله عز وجل طواه في كلمة واحدة:

﴿ قَالُوا خَيْراً ﴾

[ سورة النحل الآية: 30 ]

 خير مطلق، هذا الدين، قرآنه، وسنته، وأوامره، وعقائده، وتكاليفه، وآدابه كله خير.

﴿ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة النحل ]

 كذلك الله عز وجل ما خلقنا ليعذبنا، وفي الدنيا لك حسنة، والآخرة فيها حسنة:

﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 الجنة شيء ثاني، هنا لك ما سعيت:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم ]

 ما في شيء بلا ثمن، من أجل أن تركب مركبة، تجهد في تجميع ثمنها، أما بالآخرة:

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾

 نظام الجنة أساسه اطلب تعطى، وللأبد، موت ما في مرض ما في كبر ما في، خطوط على الوجه ما في، شباب دائم، لا في برد، لا في زمهرير، لا في قلق، لا في هم لا في خصومات، لا في عداوات، لا في أمراض، أبداً:

﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل ]

 لذلك:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 رأس مالك قلبٌ سليم، سلم من العيوب، من الدنايا، من الأدران، من الأحقاد:

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 الطرف الآخر:

﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 يعني هذا الدرس ملخصه أن نعيش المستقبل، وأهم حدثٍ في المستقبل مغادرة الدنيا وهذا الحدث الذي هو عند الناس أكبر مصيبة، ينقلب عند المؤمن إلى عرس، وإلى يوم عيدٍ وفرح.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS