8846
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة النحل - الدرس ( 21 - 59 ) : تربية البنات - اللبن.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام:

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 السؤال: هذه الفتاة البريئة التي لا يزيد عمرها عن ست سنوات، عن أربع سنوات حينما يدسها أبوها بالتراب، ويقتلها وهي حيةٌ ترزق، ما مصيرها في الآخرة؟ أنا أسألكم، في الجنة هذه البنت التي تكبر في عصرنا، ويطلقها أبوها تفعل ما تشاء، وترتدي ما تشاء وتلتقي مع من تشاء، ما مصيرها؟ إلى النار، أيهما أكثر جريمةً أن تائدها وهي صغيرة؟ أم أن تطلقها وهي كبيرة؟.
أيها الإخوة، من كان عنده بنتٌ أو بنتان، أو أكثر، هذه البنات أحد أسباب دخول الجنة:

(( من جاءه بنتان، فأحسن تربيتهما، حتى يزوجهما، أو يموت عنهما، فأنا كفيله في الجنة ))

 وبالمقابل إذا الفتاة فسدت، وكان أبوها سبباً في فسادها، لم يعتنِ بها، لم يعلمها لم يربيها تربيةً إسلاميةً، أطلقها وشأنها، ربما كانت سبب دخوله النار، تقول:

(( يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ))

 لذلك وأد البنات في الجاهلية عار، لكن إفساد الفتيات في الجاهلية الثانية، أما الجاهلية الثانية من أين جاءت؟.

﴿ لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 33 ]

 كلمة أولى تعني هناك جاهلية ثانية، والجاهلية الثانية أشد، وأنكى، هذه الفتاة التي ترتدي ثياباً فاضحة، تصف جسمها تماماً، أليس لها أب؟ أليس لها أخ؟ أليس لها بيتٌ رُبيت فيه؟ ألم يرَ أبوها كيف تخرج؟ هذا أشد من الوأد، لأن الفتاة إذا وأدت وهي صغيرة دخلت الجنة وكان أبوها مجرماً، أما إذا أُطلقت، وفسدت، أو أُفسدت، دخلت النار، وكان أبوها أكثر جريمةً من الأولى.
 أيها الإخوة، يعني كل بيت فيه بنات، هذه البنات ضمانة لأبيهم لدخول الجنة لذلك تربية البنات جزءٌ من الدين، إنك إن علمت فتىً علمت واحداً، وإنك إن علمت فتاةً هديت أسرة بأكملها، وكم من شابٍ أتى إلى بيوت الله بدافعٍ من زوجته المؤمنة، وكم من زوجٍ كانت زوجته سبب هدايته وسبب إقباله على الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

[ سورة النحل الآية: 66 ]

 الحقيقة الفرث معروف، هو الروث، لكن بعض العلماء وجه هذه الآية توجيهاً جديداً، الفرث يعني فضلات الاستقلاب، فضلات الطعام، فضلات الاحتراق، في فضلات غازية، أين هي؟ هواء الزفير، الأكسجين الذي نستنشقه يحرق السكر في الخلايا، ناتج الاحتراق co غاز الفحم، هذا يخرج من الرئة على شكل زفير، فالهواء الذي نطلقه من أفواهنا هو الزفير ناتج احتراق السكر في الخلايا، والعرق الذي نفرزه أيضاً في حمض اللبن ناتج تفاعل الخلايا مع بعضها، ومع الغذاء، والروث الذي يطلقه الإنسان أيضاً، هذا ناتج الهضم، في بالدم حمض اللبن ناتج الاستقلاب الخلوي، هذا سماه بعض العلماء فرثاً، فرث سائل، في فرث غازي وفرث صلب يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

. يعني هذه الخلية السدية، هي قبةٌ محاطةٌ بشبكة أوعيةٍ دمويةٍ بالغة الدقة، هي تختار من الدم ما يصلح للحليب، تختار:

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

  من الدم، وحمض البول، تأخذ البروتين والسكريات، والمواد الدسمة، والمعادن، والفيتامينات لتصنع الحليب، وحتى هذه الساعة لا يدري أحدٌ كيف تعمل هذه الخلايا عمله، ربنا عز وجل يقول:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

[ سورة النحل ]

 هذا اللبن هو غذاءٌ كاملٌ للإنسان، والحجم الواحد من الحليب نتيجة دوران أربع مئة حجمٍ من الدم، كل أربع مئة حجم من الدم نتاجها لتر حليب واحد، والحليب كما تعلمون غذاءٌ أساسي للإنسان، هذه البقرة معمل، معمل صامت، كل منتجاتها فيه نفع، وكذلك مذللة وكيف عرفناها مذللة؟ بعد أن جنت في بريطانيا، اضطروا أن يحرقوا، الخطة أن يحرقوا ثلاثين مليون بقرة، ثلاثة عشر مليون ثمنها ثلاثين مليار جنيه إسترليني، توحشت البقرة مرضٌ يصيب البقر تصبح متوحشة، فنعمة التذليل نعمةٌ لا يعرفها إلا من رأى بقرةً متوحشة قد تقتل الرجال، وحش الله قال:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة يس ]

 إخوانا الكرام، ورد في القرآن الكريم:

﴿ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾

[ سورة النحل الآية: 70 ]

 والحقيقة الناس يتشابهون في شبابهم، شاب قوي، لكنهم يتفاوتون أشد التفاوت في خريف عمرهم، ومن الناس:

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[ سورة النحل الآية: 70 ]

 في شخص احتل أعلى المناصب قبل أربعين خمسين سنة، كان إذا خرج من بيته يتيه في الطرقات لا يعرف أن يعود، تتصل زوجته بالشرطة كي تبحثوا عنه، الإنسان إذا رد إلى أرذل العمر:

﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

 ومن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، ضمانةٌ من الخرف أن تتعلم القرآن، وأن تؤدي الصلوات الخمس، لأنه في نشاط فكري دائماً، العضو الذي يعمل لا يضمر ما دام في تفكر، ما دام في ذكر، في قراءة، في ركوع، في سجود، في حسابات، ما دام العقل نشيطاً فهو لا يضمر، ولا يخرف.

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ ﴾

[ سورة النحل الآية: 70 ]

 بعضكم:

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة النحل ]

حدثني أخ، قال لي: والدتي نربطها على الديوان من يديها ورجليها، قلت له: لماذا؟ قال: لأنه إذا أطلقت يداها مزقت ثيابها، وبقيت عاريةً، وأكلت من غائطها، فلابد من ربطها.
 ففي أرذل العمر، المؤمن المستقيم في شبابه، في الأعم الأغلب الله سبحانه وتعالى يحفظه في خريف عمره، هذه الصلوات، والصيام، وغض البصر، وضبط اللسان، والدخل الحلال، والتوجه إلى المساجد، وفعل الطاعات، وترك المنكرات، هذا كله يضمن للإنسان خريفاً متألقاً في حياته.
 في أشخاص سبحان الله! تراهم في خريف عمرهم متألقين، يعني كوكب دري حكمة، وفهم ودعابة، وذاكرة قوية، ومكانة علية، يعني يستقطب الناس بالثمانين، بالتسعين بالمئة وعشرة، أحد شيوخ الأزهر عاش مئة وثلاثين سنة، التقيت مع ابنه في بعض المؤتمرات، مئة وثلاثين عاش، يتمتع بصحته، وذكاءه، ورجل علم بالشام ثمانين سنة، علم أجيال، توفي في السادسة والتسعين، وهو يتمتع بأعلى درجات الفطنة، والذكاء، قامته منتصبة، نظره حاد، سمعه مرهف أسنانه في فمه، عاش ستاً وتسعين عاماً، كان يقول دائماً: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً والدعاء النبوي:

(( اللَّهمَّ أَمتِعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقُوَّتنا ما أَحيَيتنا، واجعَلُه الوارثَ منا ))

[ أخرجه الترمذي، عن عبد الله بن عمر ]

 يموت الإنسان سمعه جيد، بصره جيد، نطقه جيد، قوته جيدة، سمعه، وبصره ونطقه، وقوته ورثته، أما وهو حي فقد بصره، وهو حي فقد سمعه، وهو حي فقد حركته التقوى أقوى، هذا كلام العامة، التقوى تجعلك أقوى.
 من آيات الله الدالة على عظمته، أنه حتى الآن لم يتوصل العلم إلى معرفة أن هذا الطير، كيف يقطع قريباً من عشرين ألف كيلو متر، فوق البحار، فوق الصحارى، ليلاً أو نهاراً، ولا يزيح عن هدفه ولا درجة؟ سمك السلمون ينطلق من شواطئ أوروبا إلى أمريكا، السمكة التي أتت من الميسيسيبي تعود إلى مصب نهره، التي أتت من الأمازون تعود إلى مصب النهر، لو أنها في خط عودتها، رحلة عودتها انحرفت درجة واحدة، لجاءت بعد كيلو متر، من الذي يهديها في ظلمات البحر، إلى هدفها الدقيق؟ الله جل جلاله، والآن العلماء حاروا في أمر الطير، ينطلق عشرين ألف كيلو متر، قد يطير ثمانية عشرة ساعة متواصلة دون توقف، ومع ذلك الطيور التي من الشام، وذهبت إلى جنوب إفريقيا، تعود إلى الشام وإلى أحيائها القديمة، إذا كان في طائر، في مثلاً الشيخ محيي الدين، الطلعة الثالثة في بيت معين، يذهب إلى جنوب إفريقيا، ويرجع إلى المكان نفسه، طيب وهو يطير لو انحرف درجة واحدة يأتي بالعراق، درجة نحو اليسار جاء بمصر من الذي يهديه؟

﴿ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة القصص ]

 الله جل جلاله.

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة النحل الآية: 79 ]

 يعني الله جل جلاله بذاته، من دون واسطة، هو الذي يهدي الطير إلى هدفه، أيام الله عز وجل بواسطة، أما هذه الآية:

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

  ما في واسطة، فسروا بالجاذبية، فسروا بالمغناطيس، فسروا بالتضاريس، فسروا بالشمس، فسروا بالجهات، كل التجارب فشلت، حتى جاءوا بطيور وعلموها بمادة ملونة، وأخذوها لا جنوباً شمالاً، من انكلترا إلى أستراليا، عادت إلى انكلترا، هذا شيء الآن بحوث كثيرة جداً قرأتها، ملخص هذه البحوث العلم عاجزٌ عن معرفة من الذي يهديها إلى أهدافها، مع أنه بواخر، وطائرات تحتاج إلى بوصلات الآن الطائرات كيف تسير؟ في مراكز بث أرضية في كل مكان بالعالم، مركز البث يحدد للطائرة موقعها، ماشي على خطة، أما طائر لا في مراكز بث، لا في أبراج، ولا في لاسلكي، ولا في اتصالات، يعود إلى البيت الذي خرج منه في دمشق.

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

.

[ سورة النحل ]

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل الآية: 90 ]

 العدل قسري، الإحسان طوعي، لكن:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

 في أشخاص لا يحتملون الإحسان، عدل فقط، والله أمرك بالإحسان، يعني إذا قضية لا تحل بمقياس العدل، تحل بمقياس الإحسان، وهذه الآية تحل مليون مشكلة، أيام العدل ليس في جانب خصمك، الإحسان يخلصه، الإحسان ينقذ الموقف.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة النحل ]

 نحن علاقتنا بهذه الآية، الإنسان يسأل نفسه هو كم واحد؟ واحد ما ترك أثر بإنسان أبداً؟ ما كان سبب هداية إنسان؟ النبي عليه الصلاة والسلام في قلوب مليار ومئتي مليون الآن، كل إنسان له عند الله مكانة، الله عز وجل يجري على يده الخير، فسأل نفسك هذا السؤال، أنت كم واحد؟

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

في شخص في قلوب المئات، بل الألوف.

(( ما أخلص عبداً لله، إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة ))

 على قدر إخلاصك وطاعتك يجعل قلوب المؤمنين تميل إليك، آخر آية:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النحل ]

 دقق في كلمة:

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾

 تاب، وأصلح،

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

لا
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS