3419
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة مريم والكهف - الدرس ( 23 - 59 ) : الدعوة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، كل إنسانٍ له عملٌ في هذه الحياة الدنيا، لكن بطولة الإنسان كامنةٌ في أن يجعل هذا العمل خالصاً لله عز وجل، وفي سبيل الآخرة، سيدنا زكريا:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً* يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾

[ سورة مريم الآية: 5-6-7 ]

سيدنا زكريا نبيٌ كريم، همه نشر الحق، دعا ربه أن يهبه غلاماً، يكون هذا الغلام معيناً له على نشر الحق بعد موته، يعني بشكل أو بآخر زكريا حمل هم الدعوة.
 كل إنسان يفحص نفسه، هل يهتم لهذه الدعوة؟ هل يهتم لنشر الحق؟ هل له عملٌ يسهم بشكلٍ أو بآخر في ترسيخ الحق بالنفوس؟ هل يحاول أن يلقي الحق على الناس؟ أن ينصح من حوله، أن يأمرهم بالمعروف، أن ينهاهم عن المنكر، يعني فرقٌ كبير بين أن تهتم لأمر معاشك، وبين أن تهتم لأمر آخرتك.

(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي: أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))

[ أخرجه الترمذي، عن: أبو سعيد الخدري ]

 الإنسان حينما ينشغل بذكر الله، يذكر الله لنفسه، ويذكره لخلقه، حينما يحمل هم الإسلام، حينما يحمل هم الدعوة، ترى سعيه كله في سبيل نشر الحق، في سبيل ترسيخ قيم الحق في سبيل إسعاد الناس، هذا الذي يخرج عن ذاته لخدمة الخلق، عند الله كبير، وهذا الذي يتمحور حول ذاته، كل حركاته، وسكناته من أجل مصالحه، الموت ينهي كل شيء.

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف ]

 لا شأن له عند الله.

﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 77 ]

 فسيدنا زكريا قصته تعني كل واحدٍ منا، يعني لك ابن، هل تهتم أن يكون هذا الابن عالماً؟ داعيةً؟ ينفع الناس من بعدك؟ ابنك امتدادك، والإنسان أحياناً يفوته شيء، فيكمل نقصه بأولاده، يفوته العلم، يعلم أولاده، يفوته أن يكون داعيةً إلى الله، يجعل من أولاده دعاةً إلى الله يعني ما الذي يهمك؟ حينما تؤوي إلى فراشك، ما الذي يهمك؟ حينما تفتح عينيك صباحاً، ما أول خاطرٍ يدور في خالدك؟ معاشك، رزقك، مصالحك، تجارتك، أم كشف الحق.
 تصوروا سيدنا عمر رضي الله عنه، حينما طعن من قِبل ابن ملجم، طبعاً أغمي عليه، حينما صحا من إغمائه ماذا قال؟ تصور سيدنا عمر ماذا قال؟ قال: هل صلى المسلمون الفجر؟ يعني ما همه أمر نفسه؟ ما همه أمر أنه قتل، أو طعن، وهو في طريقه إلى الموت؟ هل صلى المسلمون الفجر؟.
 إحدى الأنصاريات، والله ولا مليون رجل يوازي قلامة ظفرٍ من أظفارها، بلغها أن النبي قُتل في معركة أحد، فانطلقت إلى أرض المعركة، فرأت أباها مقتولاً ثم رأت ابنها مقتولاً، ثم رأت زوجها مقتولاً ثم رأت أخاها مقتولاً، من أندر القصص، وهي تقول: ماذا فعل رسول الله؟ إلى أن اطمأنت على أنه حي، فأرادت أن تستوثق من حياته، فقالت: أروني إياه فلما رأته قالت: يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل، امرأةٌ ترى أباها، وأخاها، وزوجها وابنها، وهي تحمل هم رسول الله، هل أصابه من ضر؟ هكذا كانوا الصحابة الكرام.
يعني تجد الإنسان شاعر، قلت لكم من قبل، دخل السجن في عهد سيدنا عمر قال: لأنه قال: أهجى بيتٍ قالته العرب، قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

 هذا شعار كل إنسان، كل إنسان الآن أمن رزقه، أمن بيت أمن مركبة، عنده زوجة، يقول لك: من بعدي الطوفان، وعلى الدنيا السلام، هموم فردية انتماء فردي، ما في انتماء إلى جماعة المسلمين، وإذا في انتماء إلى جماعة المسلمين، إلى جماعةٍ بعينها، ويعادي ما سواها، انتماء يفرق المسلمين، يشتتهم، يشرذمهم، يبعثرهم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 159 ]

 من الذي يحمل هم الإسلام؟ من الذي يحمل هم الشباب؟ من الذي يحمل هم الفتيات؟ من الذي يحمل هم الشاردين؟ العصاة، المنحرفين، بيوت تهدم عن طريق هذه الصحون، فسق ينتشر، نساءٌ كاسياتٌ عاريات، شبابٌ يرون الطريق أمامهم مسدوداً، من يتحرك لخدمة المسلمين؟.
أيها الإخوة، بقدر همك، وهمتك تكون عند الله مكانتك، سيدنا زكريا:

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ﴾

 لذلك في آباء الآن من إخوانا يعتني بابنه بالسن الرابعة، بالأربع سنوات يعتني بتربيته، بتلاوة القرآن، بإحضاره معه إلى المسجد، يعتني به عنايةً فائقة، لعل الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء الأطفال جيلاً آخر تقر به عيون أهليهم.
إخوانا الكرام، ربنا هو هو، رب الصحابة ربنا، والذي نصر الدين في أوله قادرٌ على أن ينصره في آخره، والله هو كل شيء، هو الفعال، ولا فعال معه إطلاقاً.
 فنحن نريد السؤال: الآن أنت ما الذي فعلته من أجل نشر الحق؟ أقنعت إنسان بالدين؟ أقنعت قريب؟ قدمت شريط لإنسان؟ قدمت كتاب؟ دعوته إلى حضور مجلس علم؟ زرته في بيته؟ حاورته أقنعته؟ حللت له مشكلاته؟ أزحت عنه بعض الهموم؟ عاونته في أمر دنياه المؤمن يستيقظ وهمه خدمة الخلق، أما غير المؤمن يستيقظ، وهمه نفسه، يحوم حول ذاته يتمحور حول ذاته والموت قد يعاجل.
 أنا ذكرت لكم: في إنسان توفي في هذه البلدة، ترك ألف مليون، أحد أقربائه نصيبه من هذا الميراث تسعين مليون، ترك دكانه، وانصرف لمتابعة معاملات الإرث، وبراءة الذمة ستة أشهر من مكان إلى مكان، من المالية للطابو، لدائرة المواريث، للمحكمة الشرعية، بعد ستة أشهر دخل إلى الحمام ليتوضأ، فمات موتاً فجائياً، ولم يقبض قرشاً واحداً، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.
سيدنا عمر ابن عبد العزيز يقول: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
 الإنسان يكبر، كل يوم طبعاً من واحد لأربعين في صعود، بالأربعين الخط البياني يسير أفقياً، بعد الأربعين بقليل ينزل الخط، يشكو من عيونه، يريد نظارات، يشيب شعره تؤلمه مفاصله، يرتفع السكر في دمه، وهكذا إلى أن تلصق على الجدران نعوته، فالزمن يمشي ولا يتوقف، فما الذي قدمته لهذه الدعوة؟ قدمت ابن لمعهد شرعي؟ ساهمت ببناء مسجد؟ بتأسيس مسجد؟ بنشر كتاب؟ بمعاونة داعية؟ ماذا فعلت من أجل أن ينتشر هذا الحق؟.
 والله عز وجل بالمناسبة: هذا دينه، هو الذي سينصره، إن ساهم أحدٌ في نصرته من أجل أن ينال شرف النصرة فقط، الله غني عنك: إن للكعبة رباً يحميها، وإن لهذا الدين رباً يحميه، العبرة أن تنال شرف نصرة هذا الدين، بآخر سورة الكهف:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً* فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾

[ سورة الكهف ]

 كان ملكاً عظيماً من ملوك التاريخ، وقصة هذا الملك العظيم تنبئنا أنه ما من عملٍ في الأرض يستعصي على أن يكون صاحبه مؤمناً، ملك كبير، كان يعرف الله عز وجل، وأقام العدل في مملكته، وكان قوياً، يعني أية حرفةٍ يمكن أن توظفها للحق، سيدنا سليمان أيضاً نبيٌ كريم، رب:

﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾

[ سورة ص الآية: 35 ]

 سيدنا ابن عوف كان غنياً كبيراً، فالإسلام يسع الجميع، يسع الملوك، ويسع الرعية يسع الأغنياء، ويسع الفقراء، يسع العلماء، ويسع غير العلماء، الدين كالهواء يحتاجه كل مسلم سيدنا موسى والخضر، سيدنا موسى يعرف الأمر التكليفي، سيدنا الخضر يعرف الأمر التكويني، اختصاص، سيدنا موسى افعل ولا تفعل، سيدنا الخضر ما حكمة أفعال الله، أتاه الله:

﴿ مِن لَدُنَّا عِلْماً ﴾

[ سورة الكهف الآية: 65 ]

 سيدنا موسى أتاه شرعاً، لذلك صار في خلاف، ضمن المنهج الإلهي التشريعي ما في قتل غلام، ما في أن تقابل إنسان ركبك سفينته أن تخرقها له، هذا خلاف المنهج، أما حينما كشفت الحقيقة، أن خرق السفينة كان سبب إنقاذها، هذا الدرس البليغ من أجل أن نعرف أن شراً مطلقاً ليس له وجود في الكون، كل ما يبدو لكم من شر هو خير، ولكن مبطن، خرق السفينة خير، وبناء الجدار خير، وقتل الغلام خير، سيدنا الخضر أوتيَّ معرفة حكمة أفعال الله بينما سيدنا موسى أوتي معرفة شرع الله، أمره ونهيه، في الله له أمر تكويني يعني أفعاله، له أمر تكليفي يعني أمره ونهيه، كلمة:

﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾

[ سورة الكهف الآية: 22 ]

 يعني الله عز وجل هو الذي يعلم وحده، لو أنه قال لنا: هم ثمانية يا عبادي، وانتهى الأمر، أراد الله أن يلفتنا لا إلى تفاصيل القصة، أراد أن يلفتنا إلى مغزاها، فالذي سكت الله عنه ينبغي أن نسكت عنه، لأن الله عز وجل ما أرادها قصةً وقعت ولن تقع، ما أراد هذا الكتاب كتاب تاريخ، أراده كتاب هداية، فلذلك القصة قلما تأتي تفاصيل دقيقة، مكانية، زمانية، وصفية قلما تأتي، لأنه لو جاءت هذه التفاصيل لتوهمنا أنها قصةٌ وقعت، ولن تقع مرةً ثانية، قلبناها إلى تاريخ، أراد الله أن تكون هذه القصة نموذجاً متكرراً، فلذلك أغفل بعض التفاصيل، وهذا الذي يبحث عن تفاصيل أغفلها الله عز، يريد أن يفسد على الله حكمته من هذه القصة، اسكت حيث سكت الله، مادام الله عز وجل ما تكلم عن تفاصيل هذه القصة، ينبغي أن لا نبحث عنها، العبرة أن الذي ذكره الله هو الذي يعنينا، فهذه المناقشة كم واحد؟ العبرة:

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

[ سورة الكهف ]

 العبرة أنهم:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

[ سورة الكهف ]

 العبرة أنهم أثروا الآخرة على الدنيا، كانوا أبناء قصور، أبناء أغنياء، دخلوا الكهف في شيء آخر:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾

[ سورة الكهف الآية: 7 ]

 جعل أشياء جميلة جداً في الأرض، في أماكن جميلة، في بيوت جميلة، في طعام طيب، في نساء جميلات، في أساس فاخر، هذه الزينة هي فتنة للإنسان، إذا وقع تحت إغرائها وسيطرتها وعصى ربه من أجلها سقط عند الله، أماذا آثر طاعة الله على زينة الحياة الدنيا

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾

 الإنسان أيام يعطل تفكيره، يخضع لإغراء هذه الزينة، يعني دخل كبير، مشغول يقول لك: أدبر نفسي الآن عندي أولاد، يريد أن يشتري، يريد أن يتوسع، يريد أن يرفه نفسه والآخرة أخرجها من حساباته، سقط في الامتحان، أما المؤمن صاحي، لا يسمح لنفسه أن يأخذ شيئاً من زينة الدنيا إذا كان في معصية، أو ينتهي إلى معصية.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS