41134
السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 37 - 48 ) : هديه في النهي عن ذي الوجهين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنسان الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من المنافق :

قال عليه الصلاة والسلام:

((تجدون الناس مَعادِنَ، خيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام إذا فَقُهُوا، وتجدون خيرَ النَّاسِ في هذا الشأن أشَدَّهُم له كراهية، حتى يقع فيه، وتجدون شرَّ الناس ذَا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجْه وهؤلاء بوجْه))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]

في هذا الحديث إشارة إلى أن الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من ذي الوجهين, ذو الوجهين يدرك ما الذي يرضي الطرف الآخر فيأتي هذا بوجه, وهذا بوجه, هذا منافق, وهذا بعيد عن الدين, أما الصادق مع نفسه فقد يعادي الإسلام أشد عداوة, كسيدنا خالد مثلاً, حارب المسلمين في غزوتين, وانتصر في الثانية, لكنه حينما عرف الحقيقة كان أشد الناس ولاء للإسلام, أما الذي يُرضي هؤلاء, ويرضي هؤلاء, هذا الإرضاء للمسلمين, والإرضاء للمشركين معاً, هذا يُبعده عن الله عز وجل.
والآن النمط السائد أن الإنسان يرضي كل الأطراف, يعرف كل طرف ماذا يرضيه؟ فإن جلس مع الدينين دين, إن جلس مع العلمانيين علماني, إن جلس مع الإباحيين إباحي, إن جلس مع أصحاب المبادئ صاحب مبدأ, طبعاً هو ذكي, ذكاؤه يحمله على التلون, هذا التلون يسقطه من عين الله, مع أنه أرضى الناس جميعاً, ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق, قد يكون خصماً للمسلمين كبير, لكن قناعته أن الإسلام غير صحيح, فلما عرف الحقيقة صار أكبر موال للمسلمين, وهذا شأن أصحاب رسول الله.
قال له: "دخلت على محمد وما من رجل أبغض إليّ منه, وما من دين أبغض إليّ من دينه, وما من أرض أبغض إلي من أرضه, وخرجت من عنده وما من رجل أحبّ إليّ منه".
لا يوجد مانع أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه, فإذا عرف الحقيقة, أخذ الموقف الصحيح, الإنسان الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من المنافق, ولو كان صدقه مع نفسه حمله على العداوة, هو صادق في عداوته, فلما عرف الحقيقة, صار من كبار المؤمنين.

 

من أرضى الناس جميعاً فهو منافق :

الإنسان عليه ألا يكون ملوناً, ألا يكون ذا وجهين, ألا يكون عنده قدرة على التلون عجيبة, مع هؤلاء ومع هؤلاء.
مرة حدثني شخص عن آخر قال لي: عجيب! عنده قدرة على التلون عجيبة, أينما جلس يكون موافقاً لمن يجلس معهم, طبعاً هذا نوع من الذكاء لكن ليس نوعاً أخلاقياً, ذكاء غير أخلاقي.
وكما قلت قبل قليل: من أرضى الناس جميعاً فهو منافق، بهذه الطريقة المجتمع ينهار؛ لأنه يوافق كل إنسان على خطئه, يوافقه على انحرافه, يوافقه على سوء عقيدته, يوافقه على معصيته, أما إذا كان هناك جرأة, و صراحة, و صدق مع الذات, فعندئذ الإنسان لا يوافق إلا على الصواب, فبهذه الطريقة يرقى المجتمع؛ ما دام هناك نفاق, ومراءاة, وكذب, و إرضاء للآخرين, بصرف النظر عن قناعة الإنسان, أكثر الناس يظنون هذا ذكاء، يرضي الناس كلهم؛ إن وجد في الجلسة أناس مشايخ, تجده يتحدث بالدين, المشايخ تحير, والله أخي ما شاء الله, كأنه فينا ومنا, إن كان في المجلس أناس علمانيون, يتحدث بالعلمانية, إن كان في الجلسة أناس شهوانيون, يذكر لك عن مغامراته, بأنه أكبر مغامر شهواني, التلون العجيب هذا يبعده عن الله عز وجل, هذا لا يهتدي, هذا إلهه مصلحته, إلهه المال, فيرضي الناس كلهم ليكسب مالهم, ويكسب بالغرب أصواتهم.
إذا كان هناك عدد كبير من الشاذين, يجب أن نكسب أصواتهم, إذاً: نعدهم أن نسمح لهم بدخول الجيش كما كان في أمريكا, فالعبارة أنني أنا أريد أصوات, فإذا انضم الشاذون إلي أنجح, إذاً: يدافع عن الشذوذ, هذا ما يفعله العالم اليوم, قضية أصوات, يرغبون بالأصوات؛ ولو كانت من منحرفين, ولو كانت من مجرمين.
يقول لك: صار هناك حجم كبير لهؤلاء, إذاً: لا بد من استرضائهم, هذا النموذج المعاصر نموذج مصلحي؛ مصلحته إلهه, المنصب إلهه, المال إلهه:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

[سورة الجاثية الآية:23]

شر إله عُبد في الأرض الهوى, فإذا كان الإله هو الهوى, صار هناك مرونة فائقة, حتى أهل الدين, إذا كان توحيدهم ضعيفاً, ابحث عن شيء يرضي أهل الدنيا, يرضيهم بفتوى, بأسلوب, إذا تكلم يتكلم بما يرضي الأقوياء فقط, يبحث بالتاريخ الإسلامي عن شيء يدعمهم على حساب دينه, على حساب إخلاصه, على حساب معرفته بالله عز وجل, فهذا مرض خطير, مرض التلون؛ تسميه تلوناً, تسميه الشخصية ذات الوجهين, تسميه نفاقاً. 

المنافق ذكي جداً ليس له خصم أبداً أما صاحب المبدأ الثابت فله خصوم كثر :

على كلٍّ؛ المنافق ذكي جداً, ليس له خصم أبداً, أينما جلس يُنغِّم, ويعزف على وتر يُرضي من حوله, يظن نفسه ذكياً, وهو عندئذ سقط من عين الله, لأنه كان منافقاً, ليس له لون, لون ثابت لا يوجد, مبدأ ثابت لا يوجد, أما صاحب المبدأ الثابت فله خصوم؛ هناك من يكرهه, هناك من يقدح فيه, هناك من يعاديه, هناك من يحاربه, لكن إذا شخص صاحب مبدأ لو حاربه خصومه هذا وسام شرف.
الآن يقول لك: رجل مبدأ, أما هناك رجل مصلحة, رجل مصلحة هو النمط السائد في العالم, والآن كل الحركات في أي مكان بالعالم, حتى السياسات العامة لأي دولة هدفها المصلحة, إذا أنا مصلحتي مع عدوي أصالحه, مصلحتي مع الشيطان أتبع الشيطان. 

أجمل شيء بالإيمان وضوح الهوية :

الحديث الثاني:

(( قال ناس لابن عمر: إنا لَنَدْخُلُ إِلى سلطاننا وأمرائنا. فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إِذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعدّ هذا نفاقا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-))

[ البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر]

الآن نحن دائماً تجد الجلسة يكون هناك شخص موجود, نثني عليه, يذهب، مباشرة يذمونه, والله هذا نفاق, والله هذا جبن أيضاً, نفاق وجبن, لا تستطيع أن تذمه فلا تمدحه, لا تستطيع أن تمدحه فلا تذمه, ابق باتجاه واحد.
إذا كان هناك شخص تتكلم في حضرته بكلام وتتكلم في غيبته بكلام فهذا نفاق.
أجمل شيء بالإيمان وضوح الهوية, بمدحه بوجهه, وبمدحه بغيابه, أو بذمه بغيابه, وبذمه بوجهه, أنا خصم شريف, الخصم الشريف محترم, أما لا تستطيع عليه في حضوره فتذمه في غيابه أمام الناس, ما الذي حصل؟ سقط.
كيف ينشأ الطفل على النفاق, يجد أباه مثلاً مدح شخصاً في وجهه, عندما ذهب ذمه, هو طفل, يجد مفترقاً, فصار عند الطفل هذا الإنسان جيد وسيئ في آن واحد, هذا غير معقول, فهذا النموذج يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام.
قال:

(( ....كنا نعدّ هذا نفاقا على عهد رسول الله))

((وتجدون شر الناس ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه))

[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة]

أما خيار الناس فأشدهم لرسول الله كراهية حتى يقع فيه- أي يكرهه- أما إذا عرفه يحبه.

الصادق مع نفسه أقرب إلى الله عز وجل من المتلون :

الآن أنا أقول لكم: إنسان علماني, الأديان يرفضها كلياً, لكن يرفضها عن قناعة, أما هو فشهم, وأخلاقي, وواضح, هذا الإنسان العلماني الذي رفض الأديان كلها, وينطلق من موقف أخلاقي, هذا أقرب إلى التوبة, وإلى الصلح مع الله, من إنسان يتزيا بالدين, فإذا خلا إلى شياطينه, قال لهم:

﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

[سورة البقرة الآية:14]

هذا أقرب, الذي له وجه واحد, ولو كان وجهه سلبي للدين, لكنه صادق مع نفسه, أقرب إلى الله, وﺇلى القيم من إنسان أرضى كل الأطراف.

المديح الكاذب نوع من أنواع النفاق :

محور هذا الدرس: هذا النموذج الذي ذمه النبي عليه الصلاة والسلام, الآن يسمونه نموذجاً مرناً, يسمونه مرناً, يسمونه لبقاً, عنده قدرة على استيعاب كل الاتجاهات, يسمونه عنده ذكاء اجتماعي, هذه كلها صفات مدح المنافقين, ذكاء اجتماعي مرن, مستوعب الأمور كلها, يرضي الأطراف جميعاً, قاسم مشترك للناس جميعاً, هذه صفة نفاق, أنت لك اتجاه واضح, لذلك لك خصم واضح بهذا الاتجاه, وهذا أساسه الكذب, تكلمت كلاماً لست قانعاً فيه هذا كذب, فإذا أنت عودت الناس تتكلم كلاماً غير صحيح الكلمة سقطت, لم يعد لها معنى.
مرة مدحني شخص في لقاء, والله أنا صدقته, وأكبرته, وشكرته, مرة جلست في جلسة ثانية, هناك شخص أعرفه سيئ جداً, مدحه أيضاً مدحاً شديداً, فاحتقرت مدحه لي, عندما مدح شخصاً سيئاً, وأثنى عليه, وأوهمه أنت إنسان عظيم, فأنا سقط عندي مدحه لي, هذا سياسته المديح, والنبي قال:

(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))

[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]

والمديح إذا ازداد يُوهم الممدوح أنه صالح, لذلك نوع من أنواع النفاق هو المديح الكاذب.
ومن مدحك بما ليس فيك فإنه يذمك.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS