12968
السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 38 - 48 ) : هديه في الدوام على الأعمال الصالحة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-20
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من سنة النبي في تعامله مع المنهج الاستمرار والمثابرة :

أيها الأخوة الكرام: سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيها مضمونان؛ المضمون الأول: هو المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه, المضمون الثاني: طريقة تعاملنا مع هذا المنهج:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾

[سورة المائدة الآية:48]

الشرعة هي افعل ولا تفعل, الأحكام الشرعية في كل موضوع يتصل بحياة الإنسان, أما المنهاج فطريقة التعامل مع هذه الشريعة؛ فمن سنة النبي عليه الصلاة والسلام في طريقة التعامل مع هذه الشريعة هذا المبدأ, الدوام على الأعمال, ما الذي يحدث؟ الإنسان يكون شارداً, يكون منقطعاً عن الله, يعاني من آلام البعد, من جفوة البعد, أموره معسرة, نفسه ضيقة, شعوره في انقباض؛ هذه المشكلات النفسية, والاجتماعية, والاقتصادية, والجسمية, هذه كلها معاناة كبيرة جداً, فإذا اصطلح الإنسان مع الله انتقل نقلة نوعية, ونقلة مسعدة, وجد حياة أخرى لم يعهدها من قبل؛ حياة التوازن النفسي, حياة الثقة بالمستقبل, حياة الشعور أن الله راض عنه, حياة الطمأنينة, حياة الأمن, حياة التوفيق, حياة التيسير انقطاعك عن الله يشعرك بالضيق أما اصطلاحك مع الله يشعرك بالطمأنينة
فهذه النقلة النوعية المفاجئة تجعله من أسعد الناس إطلاقاً, بل إن سعادته لا تخفى, ما الذي يحدث؟ يكلف نفسه في هذه الفترة المزدهرة ما لا يطيق, ثم يتراجع عن منهجه خطوة خطوة, فإذا هو أمام نكسة كبيرة, هذه النكسة سببها كان يصلي قيام الليل, لم يعد يصلي, كان يحضر درس علم, لم يعد يحضر, فهذه التراجع يسبب مشكلة.
من منهج النبي في تعامله مع المنهج, من سنة النبي في تعامله مع المنهج الاستمرار, والمثابرة التقدم يعطي ثقة في النفس أما التراجع فيعطي نكسة
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:

((كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصيرٌ، وكان يُحَجِّرُهُ باللَّيل فيُصلي فيه، ويَبْسُطُهُ بِالنَّهار، فَيَجْلِس عليه، فجعل النَّاسُ يَثُوبُونَ إلى النَّبي، فيُصَلُّونَ بصلاته، حتَّى كَثُرُوا، فأقبَلَ عليهم، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، خُذُوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَملُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله ما دَامَ وإن قلَّ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]

أنت أنفقت بالشهر مئة ليرة يجب أن تستمر عليها, صليت صلاة الضحى يجب أن تستمر عليها, حضرت درس علم يجب أن تستمر عليه, الخطوات الثابتة والمستمرة تعطي ثقة في النفس, أما التراجع فيعطي نكسة, والإنسان حركة, بمعنى الخطوة نحو الأمام وتجره إلى خطوة أخرى نحو الأمام, والخطوة نحو الوراء تجره إلى خطوة أخرى نحو الوراء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))

[أخرجه مسلم عن عائشة]

العبرة أن يتخذ الإنسان منهجاً متوازناً يطيقه ويستمر عليه :

شيء آخر؛ هذا المنهج منهج العمر ليس قضية شهادة ثانوية, تعمل استنفاراً وتنتهي, أو شهادة جامعية, تدرس عشرين ساعة, بعد ذلك أخذت لسانس وانتهى الأمر, لا, قضية عمر, حتى ينتهي.
فالمفروض أن تتخذ منهجاً متوازناً تطيقه, وتستمر عليه, العبرة أن يكون خطك البياني صاعداً, الخط البياني لا يكون فيه نكسات, فهذه النكسات إذا تكررت أعقبت حالة إحباط في النفس، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))

[أخرجه مسلم عن عائشة]

العبرة أن يتخذ الإنسان منهجاً متوازناً يطيقه ويستمر عليه
أحياناً الإنسان ينفق كل ماله ثم يندم, ليته لم ينفق ولم يندم, الإنفاق جيد, لكن إذا كان يضمن ألا يعقبه ندم, أما بساعة تألق, أنفقت المال كله, راتب الشهر بكامله أنفقته, ثم تلويت جوعاً طوال الشهر, فلو جاءتك خاطرة أنك أنت أخطأت, ليتك لم تفعل, أحبطت عملك.
فأنا من أنصار المنهج المتوازن, الذي فيه صعود ثابت, ولست من أنصار الفورة.
الإنسان أحياناً يفور فورة كبيرة؛ لا تراه إلا في المسجد, لا تراه إلا يصلي, لا تراه إلا ينفق ثم ينتكس, والنكسات خطيرة جداً.
وأنا أقول أنطلق في هذا الدرس: أخ لا يوجد له أي اعتراض, ترك وانحرف, لماذا؟ لأنه كلف نفسه ما لا يطيق, حمل نفسه ما لا يطيق، إن للنفس إقبالاً وإدباراً، هكذا قال سيدنا علي؛ ففي حالة الإقبال احملها على النوافل, وفي حالة الإدبار احملها على الفرائض, فالإنسان حكيم نفسه, هذا منهج العمر, ليس منهج سنة, منهج شهر, أنت تعاملك مع الله إلى أن تنتهي الحياة.

التوازن والاستقرار والاستمرار هو الطريق الصحيح الذي ينبغي على الإنسان أن يسلكه :

هناك إنسان لا يخطط لمستقبله, لا يفكر في الزواج إطلاقاً, فإذا أصبح في سن الزواج, وكل من حوله تزوج, هو ما فكر إطلاقاً؛ ليس له عمل, ولا بيت, ولا شيء يستعين فيه, ينتكس أيضاً, لماذا محروم من الزواج؟ أنت لم تخطط, الله عز وجل أعطاك عقلاً, وأعطاك منهجاً.
التوازن والاستقرار والاستمرار هو الطريق الصحيح للإنسان
فأنا من أنصار أن يُبنى الإنسان بناء متوازناً؛ يجب أن يتزوج, أن يكون له عمل, أن تكون له دراسة معينة, أن يؤدي الصلوات, أن يطلب العلم, أما ائت بإنسان, اجعله يعطيك كل وقته, وكل حياته, بعد ذلك يختفي فجأة, يكون انتكس, معنى ذلك أنك أنت مشيت بطريق الطفرة؛ الطفرة والفورة طريق غير صحيح, أما التوازن, والاستقرار, والاستمرار فهو الطريق الصحيح.
وفي رواية:

((وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]

خطا خطوة في تلاوة القرآن, يتابع باليوم خمس صفحات, ابدأ بخمسة, هناك إنسان يبدأ بخمسة أجزاء لا يتحمل, خمسة أجزاء! مئة صفحة! الحياة معقدة, عندك عمل, عندك مواعيد, فهذا العبء حملت نفسك عبئاً فوق طاقتك, خمسة أجزاء لإنسان متقاعد, لا يوجد عنده عمل, أما في أول حياته, يبني مستقبله, يحتاج إلى قراءة قرآن يومية, فابدأ بخمس صفحات, ثبت خمسة كل يوم, اجعلها عشرة بعد حين, أما تبدأ بخمسة أجزاء, بعد ذلك تدع القرآن كلياً؟!
أنا ضد هذه الفكرة, الفورة ثم الهمود؛ الإقبال الشديد ثم الإدبار, المداومة ثم الانقطاع, الإنفاق ثم الإحجام, أسلوب الفورة أسلوب له مضاعفات في النفس خطيرة, أقلها الشعور بالتراجع, ثانيها النكسة, ثالثها كل حركة نحو الوراء تجر إلى حركة نحو الوراء, كل حركة نحو الوراء تجر إلى حركة أخرى, وكل حركة نحو الأمام تجر إلى حركة أخرى.

تناسب قوانين الجسم مع قوانين الشرع :

أنت ضع قدمك على صخر, الأرضية ثابتة, قوية, انتقل لخطوة ثانية, وهذا منهج العمر, منهج الحياة, ليس منهج أربع سنوات لسانس, سنة بكالوريا, تأسيس عمل, لا.
مرة سألت الطبيب سؤالاً: هذه البروستات الغدة الهائلة, التي تقف عند التقاء مفرزات الخصيتين مع الحالبين, عندما يجتمعان في أنبوب واحد, هنا تقبع البروستات, لأن هذه الغدة تفرز مادة معطرة, مادة مطهرة, ثم معطرة, ثم مغذية إذا كان طريق ماء الحياة سالكاً, ثم إذا كان طريق البول سالكاً تفرز مادة قلوية تتعادل مع المادة الحامضية, وتعمل ثمانين عاماً بلا كلل وبلا ملل, تفتح الخط إلى هنا, والخط إلى هنا.
سألت الطبيب: ما الذي يجعلها تلتهب؟ قال لي: تلتهب بعدم الزواج.
معنى هذا أن الإنسان مصمم لأن يتزوج, فيجب أن يخطط لزواجه, والزواج سنة, فتجد الذي خلق الإنسان, وأنزل القرآن واحد, فقوانين الجسم تتناسب مع قوانين الشرع.
الآن رواية ثالثة:

((إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل
وفي رواية:

((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: سَدِّدُوا وقاربُوا، واعلموا أنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]

كنت قبل يومين في تعزية, إنسان شرح هذا الحديث: أن هناك عدلاً, وهناك رحمة, فبالعدل العمل غير كاف, أما الرحمة فهي الجنة برحمة الله، كنت أتمنى أن تُشرح بعمق أكثر.
بيت يقدر بمئة مليون, عملك كله يساوي ثمن مفتاح البيت, أما هو قُدم لك هبة, فمن أجل التنظيم, أنت كل عملك في الدنيا يساوي مفتاح هذا البيت فالله نظم الأمور. قال:

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[سورة النحل الآية:32]

استقامتك ليست مقابل الجنة بل هي سبب الجنة
لكن عملك في الأصل غير كاف, ليس هو ثمن هذا البيت, ثمن مفتاح هذا البيت.
مثلاً أب يعد ابنه إذا نجح في الدرجة الأولى يعطيه دراجة غالية جداً, فالابن بعدم عمقه نجح و كان الأولي على زملائه فاتجه رأساً إلى بائع الدراجات, قال له: هذه الأولية, وأعطني هذه الدراجة؟ يقول له: نريد ثمنها, هذه علاقة بينك وبين أبيك, نريد ثمنها.
أي لا يكفي الإنسان أن يكون مستقيماً, استقامته ليست مقابل الجنة, استقامته سبب الجنة, فأنت مغمور بفضل الله عز وجل.
والعلماء قالوا: "الجنة محض فضل, والنار محض عدل".

الانضباط الحقيقي هو انضباط ديني لأن المشرع معك وأنت في قبضته :

قال:

((سَدِّدُوا وقاربُوا، واعلموا أنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]

سددوا وقاربوا أي دائماً تحركوا نحو الهدف
أما: سددوا وقاربوا فدائماً تحرك نحو الهدف, لا تنسَ الهدف.
أحياناً الإنسان ينطلق انطلاقاً صحيحاً:

﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾

[سورة الإسراء الآية:80]

لم التفصيل؟ لم لم يقل الله عز وجل: ربي اجعلني صادقاً؟ أحياناً تنطلق انطلاقاً صحيحاً, ضمن الحيز, تنشأ مشكلة تميل مع الدنيا, تخرج غير صادق, الدخول صادق, الخروج غير صادق.
فالدعاء: "ربي أدخلني, وأخرجني".
هناك أعمال جليلة, أعمال إنسانية عظيمة, فالمنطلق لها جيد, سليم, أما الخروج منها فغير سليم, لذلك: سددوا وقاربوا.
مركبات الفضاء عندهم شيء اسمه: تصحيح مسار, دائماً هناك مراقبة للمسار, لو انحرف انحرافاً بسيطاً, ولم يُصحح هذا المسار لا يأتي إلى القمر بل إلى كوكب ثان, فأنت بحاجة إلى تصحيح مسار دائم, هذا معنى: سددوا وقاربوا.

الإنسان بحاجة إلى دين يعصمه وإلى آخرة يسعد بها :

الناس يفهمونها فهماً آخر, عكس ما أراد النبي, أي لا تدقق كثيراً, سدد وقارب, هناك معصية لا تدقق كثيراً.
الناس يفهمون هذا الحديث على أنه نوع من التساهل أي: سددوا وقاربوا.
الإنسان بحاجة إلى دين يعصمه وإلى آخرة يسعد بها
قال لك: سدد, وحاول أن تكون الرمية على الهدف تماماً, قربها من الهدف, قربها كي تحدث شيئاً.
فسددوا وقاربوا, واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة, وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
هذا رواه البخاري ومسلم, وفي رواية للبخاري:

((كان أحبُّ الأعمال إلى الله الَّذي يدومُ عليه صاحبُهُ))

[أخرجه البخاري وموطأ عن عائشة]

وفي رواية لمسلم:

((كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))

[أخرجه مسلم عن عائشة]

وكانت عائشة إذا عملت عملاً لزمته.
فاليوم موضوع الأحاديث حول تعاملك مع منهج رسول الله تعامل هادىء, ومستمر, وصاعد, ونحن لسنا مع الطفرة, ولسنا مع الفورة, نحن مع التوازن, ومع بناء الإنسان بناء صحيحاً, كما دعا النبي :" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا".
هذا التوازن, أنت بحاجة إلى دنيا؛ تفتح بيتاً, تتزوج, عندك أولاد, بحاجة إلى دين يعصمك, بحاجة إلى آخرة تسعد بها.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS