14304
السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 40 - 48 ) : هديه في الخوف.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

خصيصة النفس أنها تخاف وهذا الخوف لصالحها ولسلامتها ولسعادتها :

الخوف من أكبر خصائص النفس البشرية
أيها الأخوة الكرام: الإنسان في جسمه له قوانين, وفي نفسه له خصائص, أحد أكبر خصائص النفس: الخوف. قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾

[سورة المعارج الآية:19]

بنيته أنه يخاف, وهذا الخوف مفيد جداً:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[سورة المعارج الآية:19-21]

فالإنسان حينما بُني على الخوف, هذا الخوف يقيه الهلاك, كيف أن الجسم بُني على حب البقاء, فالإنسان يخاف من الخطر فيسلم, الخوف الشديد من الخطر هو دافع إلى السلامة والسعادة, كذلك خصيصة النفس أنها تخاف, وهذا الخوف في أصل خلقها, ولصالحها, ولسلامتها, ولسعادتها. فالإنسان:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[ سورة المعارج ]

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل لا أن يعيش الحاضر :

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل
الإمام النووي - رحمه الله تعالى- في رياض الصالحين ذكر بعض الأحاديث المتعلقة بالخوف، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد، ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحد))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]

هيئ نفسك للموت
الإنسان يعيش في حياته الدنيا, بطولته أن يعيش المستقبل, لا أن يعيش الحاضر, معظم البشر يعيشون الحاضر.
كائن, أجهزته سليمة, دخله وفير, استمتاعه بالحياة شديد, لا يفكر في ساعة المغادرة، ساعة المغادرة ساقطة من حساباته, لذلك حينما تأتي يُصعق, مبرمج حياته و أموره على أنه سيعيش, ولا يفكر في هذه اللحظة التي لا بد منها, لحظة المغادرة, من الذي يسلم منها؟ الذي استعد لها, من الذي يسلم منها؟ الذي أدخلها في حساباته, من الذي يسلم منها؟ هو الذي فكر فيها كل يوم, فهيأ نفسه لهذه الساعة؛ لذلك نخاف كي لا نخاف, نخاف الآن كي لا نخاف عند الموت, والذي لا يخاف الآن سيُصعق, سيصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
الإنسان لو سُحب خط الهاتف منه يختل توازنه, يقول لك: ليس فقط سوف ينسحب خط الهاتف, سينسحب البيت, والزوجة, والدخل, والأرصدة, والمكانة, وكل شيء وصلت إليه في عمر مديد, سيُسحب في ثانية, ثانية واحدة, وكل آمال الإنسان مبنية على ثلاثة أشياء, مبنية على اتساع الشريان التاجي, مبنية على سيولة الدم, مبنية على نمو الخلايا, كل شيء حصّلته في هذا العمر في ثانية تفقده.

الحياة لا تصلح إلا بالإيمان باليوم الآخر :

يقول عليه الصلاة والسلام:

((إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وَأسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماء، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ, – عندما تحمل حملاً شديداً على دابة, و على الدابة قصب من خشب, الحمولة الشديدة تجعل هذا القصب مثل قفص من خشب, يُصدر أصواتاً معينة, هذا معنى: أطت السماء وحق لها أن تئط-, ما فيها مَوضِعُ قدم, إِلا مَلَكٌ وَاضعٌ جَبهتهُ سَاجِداً لله, والله لو تَعلَمُونَ مَا أعلَمُ لَضحِكتُمْ قَليلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرا، وما تَلَذَّذْتُم بِالنِّساءِ على الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ – إلى الطرقات-, تجأرون إلى الله تعالى – بالدعاء–, والله لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضَدُ))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري]

الحياة دون إيمان بيوم آخر تصبح غابة يأكل فيها القوي الضعيف
ما كان إنساناً, شجرة, غير مكلفة, فالإنسان مكلف, سخرت له السماوات والأرض؛ أُعطي عقلاً, أعطي فكراً, أعطي منطقاً, أعطي زوجة, أعطي ولداً, أعطي بيتاً, أنواع منوعة من الأطعمة خلقت له خصيصاً, ولن يحاسب!؟
لذلك: الحياة لا تصلح إلا بالإيمان باليوم الآخر, الحياة كلها, والأرض من دون هذا الإيمان غابة, والذي ترون وتسمعون في أطراف الدنيا؛ قوي يأكل الضعيف, شعب يموت من الجوع, شعب يموت من التخمة, قوى مسيطرة, قوى منهارة, هذه حياة من دون يوم آخر, فإذا أغفلنا الإيمان باليوم الآخر أصبحنا في غابة, والحياة لا تطاق فيها, أما عندما يؤمن الإنسان باليوم الآخر يأخذ حقه, ويخاف من الله عز وجل أن يأخذ ليرة واحدة لا تحل له, لن تستقيم الحياة إلا باليوم الآخر, وهذا الإيمان ثاني أكبر ركن بالإيمان، أن تؤمن أن الله موجود, وسيحاسب.
وأنت مع إنسان من جنسك, من سنك, إذا كان أقوى منك, وعلمه يطولك, وقدرته تطولك, لن تعصيه إطلاقاً, مستحيل أن تعصيه بتفكير منطقي, علمه يطولك, وأنت في قبضته, لن تعصيه, فكيف إذا كنت في قبضة الله عز وجل وكل هؤلاء العباد عباده؟

أنواع الخوف :

لذلك: الخوف هو الصحة, صحتك النفسية بالخوف, والخوف من أجل ألا تخاف, تخاف اليوم من أجل ألا تخاف.
وقد ورد أن الله جلّ جلاله أعظم وأكرم من أن يجمع على عبد خوفين, أو أن يجمع على عبده أمنين؛ من خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة, ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة.
الخوف المرضي أساسه وساوس متسلطة
فهذا الخوف الصحي, يوجد عندنا خوف مرضي, أساسه وساوس متسلطة, مرض نفسي، هذا يعالج, أما الخوف الصحي, الخوف السوي فأن تخاف من ساعة تحاسب فيها على كل شيء:

﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

[سورة الكهف الآية:49]

﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾

المؤمن الصادق في كل دقيقة, في كل موقف, يقول: ماذا سأجيب الله عز وجل لو سألني؟ ابتسامتك مسجلة, عبوسك مسجل, إعطاؤك مسجل, منعك مسجل, صلتك مسجلة, قطيعتك مسجلة, كل حركة, كل سكنة مسجلة, والبطل هو الذي يهيىء لله جواباً عن كل شيء يفعله, وكلما شددت على نفسك كان حسابك أهون، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً.

حاجة كل إنسان إلى جلسة تأمل مع نفسه لأنه رهين عمله :

كلما كثرت الأعمال الصالحة كلما كنت في مقعد صدق يوم القيامة عند الله عز وجل, والعبرة أن ترى الدنيا ساعة.
ذكرت مرة, أخ أعطاني شريطاً , -هو لي أساساً- فيه مكالمات مسجلة من اثنتي عشرة سنة, سمعته, ثمانية أشخاص في الشريط تحت أطباق الثرى, لو بقي الشريط اثنتي عشرة سنة ثانية وسمعناه, سوف تجد ثمانية أيضاً, يجب أن يأتي وقت كل شخص في هذا الشريط تحت أطباق الثرى, وهو رهين عمله.
أنا حينما أرى جنازة, سبحان الله ملف وطوي, الآن الأبد كله متعلق بالسنوات التي أمضاها هذا المتوفى, الأبد كله, إلى أبد الآبدين؛ إما في جنة يدوم نعيمها, أو في نار لا ينفد عذابها.
هذا الذي في النعش, انتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة, والدار الآخرة متعلقة بحياته الدنيا؛ هل أمضاها في طاعة؟ هل أمضاها في معصية؟ هل أمضاها في ظلم؟ في عدل؟ في إقبال؟ في إدبار؟ هل قرأ منهج الله عز وجل؟ هل قرأ القرآن؟ هل تعلم القرآن؟ هل أقام حدود القرآن؟ هل أقام أحكام القرآن؟ ماذا فعل؟
الإنسان بحاجة إلى جلسة تأمل مع ذاته
فالإنسان بحاجة إلى جلسة تأمل مع ذاته, هذه الحياة ضاغطة, والحياة متعبة, والإنسان ضمن هذا الضغط في دوامة, لا بد من أن يخلو مع نفسه لبعض الوقت, من أنا؟ ماذا أفعل؟ أين كنت؟ ماذا بعد الموت؟ لو أنني مت الآن ما مصيري؟ ما حقيقة مكانتي عند الله؟ هذه أسئلة خطيرة جداً, لذلك:

((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد، ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحد))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]

والحديث له رواية أخرى:

((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً, قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم, ولهم خنين – أي بكاء بصوت مرتفع-))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]

هذا الخوف الصحي.

الإنسان كلما نما إدراكه ازداد خوفه وكلما ضعف إدراكه قلّ خوفه من الله عز وجل :

مرة لفت نظري طبيب يعمل في جراحة القلب, قُدم له طعام نفيس, قُدم له حلويات جيدة جداً, وغالية جداً, أبى أن يأكل, قال: أنا أرى كل يوم هذا الشريان التاجي, كيف أنه إذا سُد أصبحت حياة هذا الإنسان جحيماً, لذلك تعاف نفسي أن آكل هذا الطعام, لئلا يُسدَّ هذا الشريان, لأنه يرى كل يوم.
النبي هو الوحيد في الكون الذي رأى اليوم الآخر, الله عز وجل أطلعه على ما سيكون في الإسراء والمعراج, رأى من آيات ربه الكبرى، نحن كلنا نؤمن باليوم الآخر إيماناً غيبياً إلا النبي فإيمانه إيمان شهودي. قال:

((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]

رأى العصاة في النار, رأى أهل الجنة يتنعمون, رأى أهل النار يُعذبون, رأى المرابين, رأى الزناة, رأى الكذابين, كل هؤلاء رآهم النبي عليه الصلاة والسلام، والإنسان كلما نما إدراكه يزداد خوفه, وكلما ضعف إدراك الإنسان يقل خوفه من الله عز وجل, والذي لا يخاف إنسان أحمق, غبي, جاهل.

قوانين الله نافذة في الإنسان آمن بها أم لم يؤمن :

آخر نقطة في الدرس: قانون السقوط مثلاً, هذا القانون بإمكانك أن تكذبه, بإمكانك أن تسخر منه, بإمكانك أن تصدقه, افعل ما شئت, كيفما كان وضعك من هذا القانون هو مطبق عليك.
تجاهل الآخرة لا يلغي قوانين الله النافذة في الكون
إذا نزل شخص من طائرة من دون مظلة, قال لك: هذا القانون كله غلط, ليس له أصل, أي ألغى القانون، أي إيمانك, وعدم إيمانك, قوانين الله نافذة فيك, لو أنك لم تؤمن بها, أو لم تعبأ بها, أو لم تأخذها مأخذ الجد, هي نافذة فيك, واقعة عليك, شئت أم أبيت؛ فإيمانك بالقانون, وعدم إيمانك, وتعظيمك, وسخريتك, لا تقدم ولا تؤخر, قانون نافذ.
فالإنسان حينما يتجاهل الآخرة, الآخرة في طريقها إليك, حينما يتجاهل حساب الله الدقيق, حساب الله الدقيق مطبق عليك, حينما يتجاهل أن الحياة عداد للآخرة ويجعلها نهاية الحياة, هذا الشيء مطبق عليه؛ فإيمانك, وعدم إيمانك, لا يُلغي القوانين, القوانين نافذة.
وهذا الدعاء الشريف:

((اللهم إني عبدك, وابن عبدك, وابن أمتك, ماض في حكمك, عدل فيّ قضاؤك))

[ أحمد عن عبد الله بن مسعود]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع