12615
أحاديث رمضان 1415 - قراءات قرآنية - سورة الأنعام - الدرس ( 14- 49 ) : أعداء الإسلام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-07
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

طريق أعداء الإسلام تفجير الدين من داخله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أعداء الإسلام أو أعداء المسلمين حينما يئسوا من أن يطفئوا نور الله عز وجل ، لجؤوا إلى طريق آخر ألا وهو تفجير الدين من داخله ، عن طريق إلقاء الشبه ، وتحويل النصوص الدينية عن وجهها الصحيح ، هذا الأسلوب الله جلّ جلاله أشار إليه في هذه الآية الكريمة ، الآية الثانية عشرة بعد المئة من سورة الأنعام ، وهي قوله تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾

[سورة الأنعام:112]

 كلام مزخرف ، كلام فيه شيء جديد ، كلام يلقي بعض الشبهات ، يأتي بالحق مع الباطل :

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾

[سورة الأنعام:112]

 يقول الله عز وجل :

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾

[سورة الأنعام:112]

 لا يقع شيء في ملك الله إلا بعلم الله ، لا يقع شيء على الإطلاق في ملك الله إلا بعلم الله :

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام:112]

 أحياناً يأتي إنسان ، يلقي شبهة ، المؤمن يبحث عن حلها فيزداد إيماناً ، المنافق يتخذها حجة فيمارس هذه الشهوة ، فتخرج هذه الشهوة من نفسه ، يؤدبه الله عز وجل بعدها فيتوب ، لا يوجد إنسان تلقى عليه شبهة ، إلا وله موقف ، هذا الموقف ؛ إما أن ينقله إلى الحق عن طريق البحث والدرس ، وإما أن تكون هذه الشبهة سبباً لإخراج شهوة في نفسه مستحكمة .

معركة الحق والباطل معركة قديمة ومستمرة :

 على كلٍّ :

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾

[سورة الأنعام:112]

 معركة الحق والباطل معركة قديمة ، ومستمرة إلى أبد الآبدين ؛ لأنه ما دام هناك مؤمن وكافر ، مشرك وموحد ، منصف وظالم ، محسن ومسيء ، مستقيم ومنحرف ، رحيم وقاس ، مادام هناك صفات متقابلة ، إذاً المواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل مواجهة مستمرة . قال :

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾

[سورة الأنعام:112 -113]

 الإنسان الذي كفر بالآخرة ، وآمن بالدنيا وحدها ، وانكب عليها ، وانغمس فيها إلى قمة رأسه ، أية شبهة حول الدين يتمسك بها ، لأنه يستفيد منها ، ويغطي بها انحرافه ، الحالة النفسية لهؤلاء الذين يتعلقون بالشبهات أنهم اختل توازنهم بالمعاصي ، هذه الشبهات يتوهمون أنها تعيد لهم توازنهم . قال :

﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾

[سورة الأنعام:112 -113]

 الآية الجامعة المانعة في هذه السورة هي أن القرآن الكريم كله لا يزيد عن خبر أو عن أمر ، أبداً ، اقرؤوه من البقرة إلى الناس ، لا يمكن أن تكون آيات القرآن الكريم إلا خبراً أو أمراً . قال تعالى :

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[سورة الأنعام:115]

 خبره صادق ، وأمره عادل ، بهاتين الكلمتين وُصف القرآن الكريم كله ، إما أن يكون خبراً أو أمراً .

من لم يكن مع الحق فهو مع الباطل :

 الآن :

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

[سورة الأنعام:151]

 الآية الواحدة والخمسون بعد المئة من الأنعام نفسها :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 152-153]

 هذه الآيات ، أكبر حقيقة فيها أن الحق لا يتعدد أبداً ، الحق واحد ، لو التقيت مع ألف رجل على حق لا يختلفون ؛ لا في تفكيرهم ، ولا في معتقداتهم ، ولا في مبادئهم ، ولا في قيمهم ، ولا في حركاتهم ، ولا في سكناتهم ، الحق لا يتعدد ، الباطل يتعدد ، لذلك :

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

[سورة الأنعام الآية :153]

 فالإنسان إذا لم يكن مع الحق فهو مع الباطل ، إذا لم يكن مع الخير فهو مع الشر، هذه حقيقة . الشيطان قال له :

﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

[سورة الأعراف:16]

أكبر شبهات الشيطان أن يغري الإنسان أن يعيش عصره :

 الآية دقيقة جداً ؛ الإنسان يكون ضالاً ، تائهاً ، شارداً ، منحرفاً ، مرتاحاً ، طبعاً هو مرتاح بحسب الظاهر ، أما حينما يتوب إلى الله عز وجل ، ويستقيم على أمره ، فيأتي الشيطان ليصرفه عن هذا الاتجاه الجديد . فقال له :

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

[سورة الأعراف الآية :16]

 إذا الإنسان في بدايات طريق الإيمان ، وجد وساوس ، مشكلات ، شبهات لم تكن تأتي له على خاطر ، من أين جاءت هذه الشبهات ؟ هذه الشبهات تفسيرها سهل جداً ؛ إنه حينما اعتقد اعتقاداً صحيحاً ، وحينما تاب إلى الله توبة نصوحة ، وحينما سلك طريق الإيمان ، جاء الشيطان ليصرفه عن هذا الطريق ، فالإنسان لا يبالي ، معه الاستعاذة بالله ، هذه تنفي عنه كل خاطر سيئ . قال :

﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

[سورة الأعراف:17]

 من بين أيديهم أي من أمامهم ، الشيطان أحياناً يلقي على الإنسان شبهات متعلقة بالتقدم ، والعصرنة ، والعلم ، والروح ، المجتمع العالمي الموحد ، والأرض كلها قرية صغيرة ، والتقاليد والعادات أشياء بالية ، والقيم متبدلة ، فيأتيه من باب التجديد ، والتقدم ، والحداثة ، والعلم ، والعصرنة ، إلى آخره .
 إذاً : أحد أكبر شبهات الشيطان أن يغري الإنسان أن يعيش عصره ؛ إن كان هناك انحلال أخلاقي ، أو اختلاط ، أو أكل مال حرام ، أو علاقات ربوية ، أو فساد ، يقول لك : هكذا العصر ، يجب أن أعيش عصري ، يجب أن عيش بيئتي ، يجب أن ألبي حاجاتي ، هذا كله كلام الشيطان ، هذه الشبهات التي يلقيها الشيطان على الإنسان :

﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

[سورة الأعراف:17]

 الجهة الثانية ؛ إذا كان هناك تقاليد ، أو عادات خلاف الدين ، يتمسك فيها ؛ هكذا تربينا ، هكذا نشأنا ، هكذا علمنا أبي ، هكذا نحن ، هذه تقاليدنا ، هذا تراثنا ، هذا الفولكلور الخاص بنا خلاف الدين مثلاً ؛ فإما أن يأتيك من باب الحداثة ، والعصرنة ، والتجديد ، وإما أن يأتي الشيطان عن أيمانهم وعن شمائلهم .
 أما عن شمائلهم فبالمعاصي والموبقات ؛ والانحراف ، والزنا ، وشرب الخمر ، والنوادي ، وما إلى ذلك . أما عن أيمانهم فيأتيك من الدين ، يقول لك : وضوءك غير صحيح ، معنى هذا أن صلاتك لم تصح ، تعبت بدون مقابل ، يلقي به الشبهات ؛ إما بالعبادات ، أو بالوساوس ، أو يضعف له ثقته بنفسه ، بعد ذلك : أنت لعلك مكتوب عليك الشقاء من الأزل ، انتهى الأمر ، لا تغلب نفسك ، من عقيدة جبرية ، أو عقيدة غير صحيحة ، أو يعلقه بالشفاعة:

((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))

[أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك]

 ارتاح ، لم يبق هناك شيء أبداً ، فأحياناً الشيطان يأتي من باب الدين ؛ إما وسوسة بالعبادات ، أو إلقاء شبهات ، أو يطمعه بشفاعة ، بمعنى ساذج فارغ ، أو يخوفه ؛ أنت مكتوب عليك الشقاء من الأزل ، انتهى أمرك ، النتيجة : الشيطان إذا رأى طريق الأمام مغلقاً ، طريق الخلف مغلقاً ، وعن اليسار مغلق ، لا يوجد أمامه غير طريق واحد ، طريق اليمين ، يأتيه بخواطر إسلامية ، أي كلمة حق أريد بها باطل .

جهتان لا يستطيع الشيطان الوصول إليهما :

 على كلٌّ ؛ يوجد أربع جهات يتولاها الشيطان ؛ من بين أيديهم ، ومن خلفهم ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم ، إلا أن هناك جهتين أغفلتا في هذه الآية ؛ جهة الأعلى ، وجهة الأسفل .
 قال : جهة الأعلى لا يستطيع الشيطان أن يصل إليها ؛ الاتصال بالله ، إذا اتصلت بالله ، واستعنت به ، وأقبلت عليه ، الجهة العلوية لا سبيل للشيطان إليها ، والجهة السفلية جهة التواضع ، والتذلل ، والعبودية لله ، هذه الجهة أيضاً محمية ، فإذا أردت أن تصل إلى الله ، فعليك أن تتواضع ، وأن تتعبد ، وأن تفتقر إليه ، وأن تتصل به ، أما هذه الجهات الأربع ، هذه الجهات هي مجال عمل الشيطان ، فالآية أصبحت :

﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

[سورة الأعراف:16]

﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

[سورة الأعراف:17]

إطلاق إرادة الإنسان في الدنيا ليستحق الجزاء العادل :

 مرت آية أخرى في السورة السابقة ، فاتني أن أذكرها لكم :

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام:147]

 أي الآية فيما يبدو متناقضة :

﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾

[سورة الأنعام:147]

 تقتضي هذه الرحمة الواسعة ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، ما معنى ذلك ؟
 ثلاثة شباب في الطريق يدخنون ، مرّ الأب ، رأى ابنه بينهم ، ورأى ابن أخيه معهم، ورأى شاباً آخر لا يعرفه ، أنت لاحظ موقف الأب من ابنه ، موقفه شديد تجاه ابنه ، وموقفه أقل شدة تجاه ابن أخيه ، أما الثالث فلا يعبأ به ، ابني امش ، اذهب ، ربما أدّب ابنه تأديباً شديداً جداً ، ربما عنّف ابن أخيه تعنيفاً خفيفاً ، أما الذي لا يعرفه فيتركه .
 إذاً : دائماً هناك علاقة بين شدة القرب ، وشدة الحب ، وشدة الرحمة ، وبين التأديب الشديد :

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام:147]

 والآية التي بعدها جاءت :

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

[سورة الأنعام:149]

 أيضاً هذه الآية عجيبة ، أي :

﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾

[سورة الأنعام:149]

 إذاً يا ربي أنت لم تهدنا أين الحجة ؟ أنا ليس لي ذنب ، أنت لم تشأ أن تهديني ، فما ذنبي إذاً ؟ المعنى ليس كذلك ، المعنى :

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾

[سورة الأنعام:149]

 أي هذه الأعمال التي تعملونها ، هي من اختياركم ، ومن كسبكم ، وأنتم في الدنيا مخيرون ، وأنتم في الدنيا أطلقت إرادتكم ، كي تكتسبوا الحق أو الباطل ، فالجزاء تستحقونه عدلاً، لأن أعمالكم اختيارية :

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾

[سورة الأنعام:149]

 أما لو أنكم تزعمون أن الله أجبركم ، لو أنه أجبركم كما تزعمون ، لما أجبركم إلا على الهدى ، لو كان من الممكن أن يغير نظام الكون ، ونظام الإنسان ، فتؤخذ منه حريته ، ويغدو مسيراً ، لو أن الله سبحانه وتعالى سلب الإنسان حريته ، وجعله مسيراً ، لما سيره إلا إلى الحق :

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾

[سورة الأنعام:149]

 أي العقاب الذي سوف يترتب عليكم يوم القيامة عقاب عادل ، لأن أعمالكم اختيارية ، أما لو أنكم تزعمون أن الله أجبركم على هذه المعاصي :

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾

[سورة الأنعام:149]

 لو أنه مجبركم على شيء ما ، لأجبركم على الهدى .

العاقل من يحتاط للأمور قبل وقوعها :

 آخر آية :

﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة الأعراف:52]

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

[سورة الأعراف:53]

 أخواننا الكرام ؛ من أجمل تأويلات هذه الآية أن تأويل الآيات وقوع الوعد والوعيد، الله وعد المرابي بتدمير ماله ، فحينما يدمر ماله ، يكون تدمير المال تأويلاً لآية الربا ، وعد المؤمن بحياة طيبة ، الحياة الطيبة تأويل للآية ، وعد المعرض عن ذكر الله بحياة ، بمعيشة ضنك ، المعيشة الضنك تأويل الآية ، فالعاقل يخاف بعقله ، والحيوان يخاف بعينه ، انتهيت ، إلى أن يرى الخطر يخاف ، أما العاقل فيصل إلى الخطر قبل وقوعه ، يحتاط بالأمور قبل وقوعها ، هذا العقل أساساً ، أما الحيوان نفسه فعندما لما يواجه حفرة يقف ، متى وقف ؟ حينما واجهها؛ فالفرق بين الإنسان والحيوان أن الإنسان يدرك الخطر قبل أن يصل إليه ، فيأخذ الحيطة ، بينما الحيوان لا يقف إلا عندما يصل للخطر ، فلذلك :

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾

[سورة الأعراف:53]

 فالإنسان حينما يقع العقاب الإلهي ، وحينما تأتي تأويل الآيات :

﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾

[سورة الأنعام:158]

 فالقضية قضية اختيار وقت ؛ إما أن تؤمن قبل فوات الأوان ، وأن تعرف ما ينبغي أن تعمله ، وإما أن تدفع الثمن باهظاً .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS