4169
أحاديث رمضان 1415 - قراءات قرآنية - سورة الأنفال - الدرس ( 17- 50 ) : الهجرة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

تعريف الهجرة :

 أيها الأخوة ؛ آيتان من البارحة من الأهمية بمكان ؛ الآية الأولى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 الهجرة دليل صدق الإيمان ، والهجرة بمعناها الواسع هجر ما نهى الله عنه بمعناها الواسع ، فلو كنت في بلدك ، ولم تغادرها إلى بلد آخر ، هجرتك أن تهجر ما نهى الله عنه :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 إما الجهاد الأصغر ، وإما الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى :

﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 إنفاق المال قد يكون أسهل بكثير من ضبط الشهوات ، الأغنياء ينفقون أموالهم بلا حرج ، وفي الأعمال الطيبة ، ولهم عند الله جزاء ، لكن البطولة أن تجاهد نفسك وهواك :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 الإخلاص :

﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 تعاونوا ، عاونوا بعضهم البعض :

﴿ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 هؤلاء مجتمع كامل ، مجتمع متعاون ، متعاطف ، متناصر ، متناصح ، متحابب ، متبادل :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 أي افتقر الإيمان إلى الموقف العملي ، إلى التطبيق :

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 الآية واضحة ، آمن ، وهاجر ؛ أي هجر المنكر بالمعنى الواسع ، وجاهد نفسه وهواه ، وأنفق ماله مخلصاً ، وآوى أخوانه ، وعاونهم ، وساعدهم ، ونصحهم ، وبذل لهم ، ونصرهم ، وهم على حق :

﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال:72]

حاجة المؤمنين إلى التعاون والتناصر والتناصح :

 يا ترى مجتمع المؤمنين وحده متعاون ؟ متكاتف ؟ متباذل ؟ متناصح ؟ أم مجتمع الكفار أيضاً ؟ اسمعوا الآية :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 يتعاونون ولكن على الإثم والعدوان ، يتناصرون ولكن على الباطل ، يتناصحون ولكن بالمعصية من نوع آخر ، الكفار يتعاونون كالشمس في رابعة النهار ؛ يتعاونون على إفساد العالم الآخر ، يتعاونون على نهب ثرواته ، على إفقار شعوبه :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 الآية كلها بضمير واحد :

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة الأنفال:73]

 فمغزى الآية كلها في هذه الهاء ، هذه الهاء تعود على الآية السابقة ، الآية السابقة أي إن لم تؤمنوا ، وإن لم تهاجروا ، وإن لم تجاهدوا ، وإن لم تبذلوا أنفسكم ، وإن لم تتعاونوا ، وإن لم تتناصروا ، وإن لم تتناصحوا ، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ؛ فالمؤمنون في أمس الحاجة إلى التعاون ، وإلى التناصر ، وإلى التناصح ، وإلى أن يعذر بعضهم بعضاً ، وإلى أن يتعاونوا فيما اتفقوا ، وإلى أن يسقطوا فيما بينهم الخلافات ، وإلى أن يجتمعوا في الأصل الواحد الجامع المجمِّع :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 لكن على المنكر ، على الإفساد ، على نهب الثروات ، على إيقاع الأذى بالمسلمين :

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

 إلا تكونوا بهذه الصفات الكفار ينتصرون عليكم :

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة الأنفال:73]

 إذا الكفار انتصروا ، فرضوا فسقهم في المحطات الفضائية ، فرضوا فجورهم ، فرضوا علاقاتهم الربوية ، فرضوا علينا الفروض :

﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة الأنفال:73]

 المؤمنون بأمس الحاجة إلى التعاون ، إلى التناصر ، إلى التناصح ، إلى التوحد ، إلى أن يسعوا إلى هدف واحد ، وأن يسلكوا سبيلاً واحداً .

من آثر شيئاً على رضوان الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً :

 أيها الأخوة ؛ الآية الثانية في هذه الليلة ؛ الحقيقة كما قلت البارحة : لو فهمناها فهماً دقيقاً دقيقاً ، الآية خطيرة جداً ، يقول الله عز وجل :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 مساكن ، وتجارات ، وأزواج ، وأخوان ، وأبناء ، وآباء ، بدأ بالأصول ، والفروع ، والأخوان ، والأزواج ، والقوم ، ثم المساكن ، ثم الأموال – التجارة- هذه الدنيا كلها .
 أيها الأخوة ؛ إذا كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله ، المعنى الدقيق لهذه الآية ، المعنى الدقيق أنك إذا أرضيت هؤلاء ، وعصيت الله عز وجل ، إن أرضيت هؤلاء ، وعصيت الله ، فهذه الأشياء أو بعضها أحب إليك من الله ورسوله .
 الآن لو إنسان أطاع زوجته ، وعصى ربه ، بالبرهان العملي رأى غضب الزوجة أشدّ عنده من غضب الله قولاً واحداً ، لو من أجل تجارته تساهل بعلاقات ربوية ، رأى أن الربح الذي يأتيه من تجارته أثمن عنده من طاعة الله ، لو أنه بقي في مسكن ليس له واغتصبه ، رأى أن هذا المسكن أغلى عليه من رضوان الله ، فالمساكن ترضونها ، والتجارة تخشون كسادها .
 أحياناً تكون فيها علاقات ربوية ، يقول لك : ماذا أفعل ؟ رأى أن بقاءه في هذه الصفقة ، وفي هذه التجارة ، أغلى عنده من طاعة الله . فالآية دقيقة جداً :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 مكانك تحمدي أو تستريحي ، ابقوا في مكانكم ، الطريق إلى الله غير سالك ، الطريق إلى الله مسدود ، ما دام الإنسان قد آثر شهوة في الدنيا على مرضاة الله عز وجل ، آثر زوجة ، أو أباً ، أو ابناً ، أو أخاً ، أو عشيرة ، أو قوماً ، أو تجارة ، أو مسكناً على مرضاة الله، وجهاداً في سبيله ، فالطريق إلى الله ليس سالكاً .
 ممكن أن يؤاثر الإنسان هذه الأشياء على طاعة الله ، ويصلي ، لكنه لا يتصل ، يوجد حجاب ، ممكن أن يصوم لكنه لا يرقى بهذا الصيام . فالآية معناها :

﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 أي الطريق إلى الله ليس سالكاً :

﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 أي إلى الموت :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 الآن اتضحت الآية تماماً ، أي إذا حملتك مؤاثرة هذه الأشياء على طاعة الله ، أو على الفسق ، إذا حملتك هذه الأشياء على الفسق ، فالله سبحانه وتعالى لا يهدي هذه الإنسان أساساً .

المؤمن في الدنيا في طور الابتلاء لكن الاستقرار لا يكون إلا في رحمة الله :

 أخواننا الكرام ؛ هناك حرف سين سيحل مشكلة كبيرة ، كبيرة جداً :

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 يتعاونون على الحق :

﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 قال :

﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 معنى هذا إذا وجدت مؤمناً معذباً ، متضايقاً ، في حياته خشونة ، يعاني مشكلة في جسمه ، في أولاده ، في بيته ، في دخله ، ليس نشيطاً ، ليس مرتاحاً . الله عز وجل قال :

﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 أي هو الآن بطور المعالجة ، المؤمن مقامه عند الله كبير جداً ، وتنتظره سعادة كبيرة جداً ، تنتظره جنة عرضها السموات والأرض ، فإذا كان بحياته الآن مشكلات ، عقبات ، ضيق ، شعور بالحرمان ، أحياناً هناك مشكلة ، عقبة كؤود أمامه ، لا ينزعج :

﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 هذه السين تحل كل مشاكلنا ؛ نحن في طور التأديب ، نحن في طور الامتحان ، نحن في طور الابتلاء ، لكن الاستقرار لا يكون إلا في رحمة الله ، هذه الآية مبشرة ، مطمئنة ، تجبر القلب الكسير ، ترفع معنويات المؤمن ، أي أنت غال عليّ :

﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة : 71]

 يوجد آية تشبهها :

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة العنكبوت:69]

 أنا يهمني جداً أن يكون المؤمن معنوياته عالية ، أن تحركه هذ المعنويات ، إذا كان المحرك نشيطاً ، المركبة منطلقة ، أما إذا المحرك معطلاً فيقف الإنسان ، أحياناً يبرك بضعف معنوياته ، وربنا عز وجل أشار لهذه الناحية . قال :

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة آل عمران:139]

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

[سورة آل عمران:139]

﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾

[سورة محمد:35]

 فالإنسان عندما يستقيم على أمر الله ، الله عز وجل يطمئن .
 فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تشمل هذه الآية الأخيرة التي فيها حرف السين جميع المؤمنين :

﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾

[سورة التوبة:71]

 البطولة لا أن تضحك أولاً ، أن تضحك آخراً :

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾

[سورة المطففين:34]

 أما الكفار في الدنيا فيضحكون من المؤمنين ، يقول لك : إنسان ساذج ، أما المؤمن فيوم القيامة هو الأذكى ، وهو الأعقل ، وهو الفالح ، وهو الفائز ، وهو المتفوق .

من باع نفسه لله رضي بقضائه وقدره :

 الآية الثانية التي تقابل الأولى :

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[سورة التوبة:67]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية والتي تليها فيها معنى دقيق ؛ لو أن المؤمن تمثله لارتاحت نفسه من عناء الدنيا . الله جل جلاله يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

[سورة التوبة:111]

 هذا شراء قطعي ، والمؤمن باع بيعاً قطعياً ، ومعنى أنه باع نفسه لله ، أي استسلم لله ، أنت بعت بيتاً بيعاً قطعياً ، الشاريّ أحب أن يعمل تعديلات ، لك عليه اعتراض ؟ معنى هذا أنك لم تبع ، إذا بعت بيعاً قطعياً ، وقبضت الثمن الكامل المغري الكبير ، فإذا أجرى تعديلات في البيت ليس لك حق الاعتراض .
 إذا الإنسان باع نفسه لله ، أي أراد أن يكون في خدمة الحق ، الله اختار له دخلاً محدوداً ، أو دخلاً مفتوحاً ، اختار له زوجة في أعلى مستوى ، أو في مستوى متوسط ، اختار له عملاً متعباً ، أو عملاً مريحاً ، اختار له قواماً معيناً ، صحة معينة ، نمطاً حياتياً معيناً ، إذا الإنسان استسلم لله عز وجل ، ترتاح نفسه ، إذا أيقنت أن الله حكيم ، وعليم ، وأن كل شيء يقع بعلمه ، ولحكمة مطلقة ، وحكمته المطلقة خير مطلق لك ، هذه المعاني إذا تمثلتها ارتاحت نفسك في الأخذ ، والرد ، واللوم ، والشعور بالحرمان ، والاعتراض ، والنقد ، النفس تحتاج إلى بينة ، فأنت إذا بعت نفسك بيعاً قطعياً ، على أن لك الجنة ، انظر الثمن :

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

[سورة التوبة:111]

 موضوع البيع النفسي ، أما الثمن :

﴿ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

[سورة التوبة:111]

 فالله عز وجل وعدك بجنة عرضها السموات والأرض ، وعدك بجنة فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، مقابل هذا الثمن الباهظ : بيتك يقدر بمليون دفعوا لك سعره ألف مليون ، اسكت ، ما دام هناك بيع قطعي ، والشاري أحب أن يعمل تعديلات في البيت ، أحبّ أن يلغي غرفة ، أحب أن يفتح جداراً بين غرفتين ، ليس لك حق لتعترض ، فإذا الإنسان باع بيعاً قطعياً ، يكون متوسلاً توسلاً حقيقياً ، ومستسلماً استسلاماً حقيقياً .
 فالإنسان كلما شعر أنه في اعتراض ، في عتب ، في ضيق ، في حرج ، معنى هذا أن البيع ليس قطعياً ، فعلامة أن البيع قطعي والثمن باهظ أن تستسلم لتصرفات الله عز وجل :

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

[سورة التوبة:111]

 لكن هذا مستوى عال بالإيمان ، أي الله عز وجل من حين لآخر يريك نماذج من الإيمان عالية .
 سيدنا إبراهيم باع بيعاً قطعياً ، قال له : اذبح ابنك ، قال له : سمعاً وطاعة يا رب، هذا أمر فوق طاقة البشر ، لكن لأنه باع بيعاً قطعياً :

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة البقرة:131]

 هذا المعنى إذا الإنسان تمثله يرضى بقضائه وقدره ، يرضى بتصرفات الله عز وجل، يرضى بما أعطاه الله ، ولا يسخط بما حرمه الله ، والنبي علمنا دعاء يحل كل مشاكلنا :

((اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ عوناً لي فيما تُحِبُّ ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ))

[الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري]

 أنت بين أن تنال شيئاً أحببته ، تدعو الله عز وجل أن يكون في خدمة الحق ، وبين أنه قد زُوي عنك شيئاً تحبه ، زوي عنك شيء تحبه ، فادع الله عز وجل أن يجعل الفراغ الناشىء عن فقدان هذا الشيء في مرضاة الله عز وجل ، هذه نقطة .

من اهتدى إلى الله بصدق ما كان لله أن يضله :

 النقطة الثانية: أحياناً بعض الدعاة بحسن نية يصورون الأمر كما يلي : يمكن أن تعبد الله كل حياتك ، وقبل الممات تتزحلق زحلقة واحدة ، فإذا الإنسان في جهنم ، هذا المعنى لا يليق بكمال الله . اسمع الآية :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾

[سورة التوبة:115]

 هذا شيء يتنافى مع كمال الله ، يتنافى مع أسمائه الحسنى ، يتنافى مع عظمته ، يتنافى مع رحمته ، يتنافى مع كماله :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾

[سورة التوبة:115]

 إذا الإنسان اهتدى إلى الله ، ثم حدثته نفسه ، الله عز وجل قبل أن يسمح له بالضلال ، يبين له ، يسوق له من ينصحه ، من يبين له ، يجمعه مع أهل الحق ، يحذره ، ينذره ، يسوق له بعض الشدة .
 قبل أن يسمح الله لإنسان اهتدى أن تزل قدمه ، هناك تحذيرات شديدة ؛ يريه مناماً مخيفاً أحياناً ، يأتي صديق فيتكلم بالحق أمامه :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾

[سورة التوبة:115]

 هناك نقطة مهمة جداً نحتاجها في هذا المعنى . الله عز وجل قال :

﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي ﴾

[سورة الإسراء:80]

 يا ترى لم هذا التفصيل ؟ لم لم يقل الله عز وجل : رب اجعلني صادقاً ؟ كلام موجز بليغ : ربي اجعلني صادقاً . الله عز وجل قال :

﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾

[سورة الإسراء:80]

 معنى ذلك أن الإنسان أحياناً قد يدخل مدخل صدق ، وهو في وسط المعمعة ؛ قد تأتي الدنيا ، قد تغريه الدنيا ، قد يكون قوياً ، قد يغتر بقوته ، قد يشعر بنشوة الانتصار ، هذه النشوة تنسيه طاعة الله عز وجل .

من دخل في طريق الإيمان بصدق خرج منه بصدق :

 الإنسان لو دخل مدخل صدق ، لو دخل في طريق الإيمان مدخل صدق ألا يخرج منه مخرج صدق ؟
 أحد العلماء بالهند دخل فلما التف الناس حوله ، وأصبح في مكانة عالية جداً ، ادعى الألوهية ، ومات كافراً ، القصة شهيرة جداً .
 ممكن أن تدخل مدخل صدق ، لكن بطولتك أن تخرج أيضاً ، أن تخرج مخرج صدق.
 فهذا التفصيل في الآية خطير جداً ، ويعني أن الإنسان لو بدأ حياته بصدق ، لو دخل طريق الإيمان بصدق ، لو أراد أن يفعل عملاً صالحاً بصدق . أحياناً يقول لك : أريد أن أنشئ مستشفى إنسانية ، أريد أن أجسد القيم الدينية ، في هذه المستشفى تتسع أموره ليرتفع الدخل كثيراً ، يصبح هذا الذي أنشأ هذا المشروع الإنساني من أكثر الناس مادية ، عندئذ تنعدم الرحمة من قلبه .
 فآلاف آلاف القصص تؤكد أن هناك أشخاصاً دخلوا مدخل صدق ، لكن لم يخرجوا مخرج صدق ، دخلوا صادقين وخرجوا كاذبين ، دخلوا موحدين وخرجوا مشركين ، دخلوا طائعين وخرجوا عاصين ، لذلك الإمام أحمد جاءه -هكذا تروي القصة- الشيطان قبل أن يموت بدقائق يقول : " كلا بعد ، كلا بعد ، ما فهم أصحابه ماذا يقول ؟ إلى أن رآه أحد تلاميذه في المنام ، قال : سيدي ، لماذا قلت : كلا بعد - ما معنى هذا الكلام - قبل أن تفارق الدنيا ؟ قال له: جاءني الشيطان ، قال لي : نجوت يا إمام ، قلت له : كلا بعد ، كلا بعد)) .
 لا يزال في خطر .
 أي الإنسان يجب أن يكون دقيقاً في هذه الناحية ، لكن الله عز وجل ليس من أخلاقه أن يضل قوماً بعد إذ هداهم ، هذا موضوع الزحلقة أنه :

((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه القول ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]

 هذا الحديث صحيح لكنه يحتاج إلى تفسير: " إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة " برواية مسلم فيما يبدو للناس منافقاً ، لكن مصالحه متعلقة بالمسلمين ، يعمل بعمل أهل الجنة ، ليس فيه ذرة إيمان ، مثل هذا المنافق الذي يضلل الناس ، ويغش الناس ، هذا الذي يفضحه الله عز وجل .

((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه القول ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]

آداب النبوة :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾

[سورة التوبة:115]

 تعلمون أيها الأخوة ؛ أن هذه الصيغة نفي الشأن ، ما كان الله ليضل قوماً ، هذا الشيء لا يكون ، ولا يريده الله عز وجل ، ولا يرضاه لعباده ؛ أن إنساناً كل حياته يمشي بالطاعة ، بعد ذلك زحلقه الله ، شربه خمراً ، وأماته كافراً ، لا ، هذا الشيء مستحيل أن يقع:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾

[سورة التوبة:115]

 الله هدى إنساناً ، أو سمح له أن يهتدي ، هو اختار الهدى ، سمح له أن يهتدي ، ثم إن هذا الإنسان كادت أن تزل قدمه ، الله ماذا يفعل ؟ يبين له ، يبين له بياناً ، يبين له عن طريق مصيبة ، عن طريق منام ، عن طريق صديق ، أي يجمعه مع أهل الحق ، قبل أن يسمح له أن يأخذ طريقاً آخر يبين له :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[سورة التوبة:115]

 في أدب ، من آداب النبوة : الله عز وجل هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ، والله جل جلاله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقاطعهم ، وقد قاطعهم النبي وأصحابه خمسين ليلة ، القصة معروفة عندكم ، قصة ممتعة جداً ، إذا رجعتم إليها مؤثرة جداً:

﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

[سورة المائدة:71]

 كله كلام صحيح ، لكن لماذا قال الله عز وجل :

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﴾

[سورة التوبة:117]

 النبي ما فعل شيئاً :

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة التوبة:117]

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾

[سورة التوبة:118]

 بعضهم قال: الله عز وجل جبراً لخاطر هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد، والذين قوطعوا خمسين ليلة من قبل النبي وأصحابه ، فلما تاب الله عليهم ، شمل النبي وأصحابه والأنصار في هذه التجربة ليستأنفوا . أي أنت لا تترك واحداً لوحده يخجل .
 أحياناً يقول لك شخص : أنا ابني يعذبني ، لا تقل له : والله أنا ابني الحمد لله درجة أولى ، راق جداً ، عندي ابن كالملائكة ، أنت صغرته بهذا الوصف لابنك .
 دائماً أشعر الآخرين أنك أنت قريب منهم ، مشكلتهم ممكن أن تنحل ، وأنت تعاني من هذه المشكلة ، هذا من كمال الإنسان .
 فالله عز وجل مع أن النبي لم يقترف ذنباً حتى يتوب الله عليه ، لكن جعل هؤلاء الثلاثة ، جعل توبتهم مع توبة الله على نبيه والأنصار والمهاجرين ، جبراً لقلوبهم ، وتطييباً لخواطرهم ، ورحمة بهم ، طبعاً هذه من معاني الآية .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS