9481
أحاديث رمضان 1416 - نظرات في آيات الله ـ سورة القصص - الدرس ( 25 - 50 ) : القصة في القرآن الكريم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

القصة في القرآن نموذج بشري متكرر يستنبط منها سنة من سنن الله في خلقه :

 أيها الأخوة الكرام؛ خطاب الله جل جلاله يتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة، وما دام هذا الكتاب يتعبد بتلاوته فكل كلمة فيه ينبغي أن تعني شيئاً كبيراً، وقد يلفت النظر أن القصة في القرآن الكريم غير القصة في غير القرآن الكريم، إنك إن كتبت قصة تكون قد أعلمت القارئ أن شخصاً اسمه فلان فعل كذا وكذا، وقد يستنبط القارئ من هذه القصة مغزى، لكن القرآن الكريم إذا نوه بقصة فهذه القصة ليست هي المقصودة إطلاقاً، إنما المقصود القانون الذي يمكن أن يستنبط منها، فلا يمكن أن تكون قصة في كتاب الله بالهدف الأرضي لها، لا بد لها من هدف كبير، فحينما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

 هذه القصة التي وقعت إنما هي نموذج بشري متكرر، ويستنبط منها سنة من سنن الله في خلقه، أي أشخاص ثلاثة؛ الأول عرف الله وأطاعه وأقبل عليه وسعد وانتهى، بقي شخصان، واحد عرف الله وقصر في طاعته، والثاني ما عرفه أصلاً وتفلت من منهجه، الأول نجا وحقق المراد من خلقه، كيف يعالج الله الثاني والثالث؟ يقوي الذي ما عرفه أصلاً وتفلت من منهجه يقويه ويسلطه على الذي عرفه وقصر في طاعته، هذا قانون، إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، الهدف يا ربي ؟ قال: أريد أن أمنّ على هذا المستضعف المقصر ليقوى إيمانه ويطيعني، فإذا أطاعني قويته على هذا الظالم حتى يعود إلى ذاك القوي، الآية واضحة جداً:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 5-6]

 ممكن أن نقول دائماً: بالأرض يوجد مؤمن مطبق، ومستضعف مقصر، ومستكبر متفلت، ربنا لحكمة متكررة أراد أن يقوي المستكبر على المستضعف المقصر، فإذا عاد المستضعف إلى الله عز وجل، وأناب إليه، واصطلح معه، قواه على المستكبر، فلعل هذا المستكبر يعود إلى الله، هذه سنة الله في خلقه.

كلام الله يتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة :

 دائماً كلما قرأت قصة في كتاب الله، إياك ثم إياك أن تظن هذه قصة وقعت ولن تقع، لو أن الأمر كذلك لما ذكرها الله عز وجل إطلاقاً، هذا كلام الله يتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة، أيعقل أن تحتل قصة من كتاب الله حيز صفحتين أو أربع أو خمس لأن أحداثاً وقعت ولن تقع؟ هذا لا يليق بكتاب الله، معنى هذا أن الإنسان يكون مستضعفاً يعرف ويُحرّف، من هم المغضوب عليهم؟ قال تعالى:

﴿ هْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[سورة الفاتحة: 6-7]

 المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وانحرفوا، والضالين هم الذين ما عرفوا، طبعاً فانحرفوا، كلاهما منحرف، لكن واحد منحرف يعلم والثاني لا يعلم، إذاً لا بد من أن يقوي الله المنحرف الذي لا يعلم على المنحرف الذي يعلم من أجل أن يعيده إلى جادة الصواب، هذه سنة الله، هذا قانون، فلذلك النقطة الدقيقة النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: " تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب "، والله حديث يحير، معنى هذا أن الزكاة فقط في القمح والشعير والتمر والزبيب؟ هناك آلاف الأصناف الغذائية، المنتجات الزراعية تدر على أصحابها مئات الألوف هذه معفاة من الزكاة؟ قال: لا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: " تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب " قال: تجب الزكاة في علتها لا في عينها، ما علة القمح؟ محصول أساسي، لو فرضنا هناك محصول تمر، في بعض البلاد التمر مادة أساسية تخزن وتباع، التمر تجب فيه الزكاة، قس على ذلك مزرعة تفاح، مضمنة خمسمئة ألف أحياناً، تجب فيها الزكاة في علتها لا في عينها، هذه قضية في الفقه دقيقة، عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام تجب في القمح، كل محصول يشبه القمح:

((لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان ))

[ متفق عليه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه]

 علة هذا النهي أنه إذا كان القاضي غضباناً جاء حكمه غير صحيح، أية حالة تلم في القاضي تجعل حكمه مضطرباً تقاس على الغضب، لو فرضنا قاض أصيب ابنه بمرض شديد على وشك الوفاة، لا ينبغي أن يحكم في هذا اليوم، لو فرضنا القاضي معه مرض مخيف، لا نعلم الورم طبيعي أم سليم؟ النتيجة بعد ثلاثة أيام لا ينبغي أن يحكم في هذه الأيام الثلاثة.
 دائماً عندنا باب القياس عندما يحرم الله عز وجل شيئاً فلعلة، أي شيء التقى مع هذا الشيء بعلته فهو محرم، ما علة تحريم الخمر؟ السكر، الحشيش ما ورد في القرآن الكريم؟ لأنه يلتقي مع الخمر في علة السكر فهو محرم، هذه الآية تفيدنا، الله عز وجل عندما يقوي جهة ويضعف جهة، الله عز وجل هو القوي وكلنا عبيده، إما أن يقوي هذا على هذا، أو هذا على هذا:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

[سورة النساء : 90]

 معنى هذا أن الله يقوي ويسلط، الضعيف أراد له أن يكون ضعيفاً، القوي أراده قوياً، أما القوة فمؤقتة والضعف مؤقت، بحسب ردود الفعل، فإن عرفت لماذا قواه الله عليك، وعدت إليه، واصطلحت معه، قواك الله عليه، أدبك وجاء دورك في تأديبه، فلما عدت إليه، واصطلحت معه، ونجحت العملية التربوية، الآن يقويك لتؤدبه كما أدبك، الله عز وجل يقول:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 129]

 على كلّ إذا كان الإنسان مستضعفاً، وسلط الله عليه قوياً منحرفاً ليؤدبه، حاله الآن أفضل من حال القوي المستكبر، لأن القوي المستكبر لابد له من أن يؤدب، المستضعف بكّر الله له بعلاجه:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

المغزى من قصة سيدنا موسى عليه السلام :

 الآن يوجد مفارقة تلفت النظر أن أم موسى كما تعلمون أي طفل من بني إسرائيل ينبغي أن يذبح، وأية قابلة لا تخبر رجال فرعون بهذا المولود الذكر تقتل مكانه، فحينما تلد المرأة غلاماً ذكراً هذا الغلام مصيره إلى الذبح قطعاً، أم موسى أنجبت سيدنا موسى، وكاد قلبها ينخلع حرصاً عليه:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هذا الوحي هو وحي إلهام، أمرت بأمرين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين، أرضعيه أول أمر، لكن للمفارقة:

﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 إنسان قلبه معلق بهذا الغلام.

﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 ما معنى ذلك؟ إذا كان الله مع هذا الغلام وهو في اليم يحفظه، وإذا أراد الله بغلام شيئاً وهو في حضن أمه يقبضه، أرضعيه وألقيه في اليم.

﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هناك نقطة بهذه الآية تسمى: ما بين السطور، أين المغزى؟ أن ألقيه في اليم، معنى هذا أن الصندوق في اليم حركته بيد من؟ بيد الله، حركة الماء بيد الله؟ الرياح بيد الله، كيف انحرف إلى قصر فرعون؟ كيف تعلق بغصن وبقي واقفاً؟ امرأة فرعون قلبها بيد من؟ من ألقى بقلبها أن انزلي إلى شاطئ النهر؟ نزلت أخذت الصندوق فإذا هو غلام، من ألقى بقلبها حبه؟ هذه القصة، معنى هذا أنت أمام شخص لا تعرفه، إما أن يلقي الله في قلبه العطف عليك، وتيسير أمرك، وإما أن يلقي الله في قلبه القسوة عليك، امرأة فرعون ألقى في قلبها محبة هذا الغلام، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا، معنى هذا أن حركة الأشياء، الرياح، المياه، هي دقائق تفصيلية جداً، أدق الدقائق وأدق الجزئيات بيد الله عز وجل، كأن الله عز وجل يعلمنا أن الأشياء مهما دقت هي بيده، مهما رأيتها صغيرة، شخص يمشي في أيام الخريف في بستان، ورقة زيتون وقعت، ما هذا الحادث؟ هل هناك من حادث أقل من هذا الحادث؟ قال تعالى:

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾

[ سورة الأنعام: 59]

 هذا هو الإيمان، فإذا أنت آمنت أن الله بيده كل شيء، أدق التفصيلات كلها بيده، فما عليك إلا أن تطيعه، الصندوق الغلام داخله.
 أنا سمعت قبل عامين طائرة انطلقت من الرياض إلى شرق آسيا فوق بحر الخليج أصاب خلل نافذة، فوقع منها طفلان صغيران قبل عامين، على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم، والطفلان رضيعان، طبعاً يقيناً كل من في الطائرة أيقن بموتهما، ثلاثة وأربعون ألف قدم نازل على البحر، لا يسبح، أمه من الباكستان وصلت الخبر مؤلم جداً، بعد أسبوع تأتي برقية إلى شركة الطيران، أن فلانة عليها أن تراجع الجهة الفلانية، كل الظن أنها طلبت لقبض دية الغلامين، فوجئت أن الطفلين أمامها، هذه قصة نشرتها الصحف في الحجاز ، وقعا إلى جانب صياد سمع صوتاً أنقذهما، ووضعهما في القارب، يمكن نزلا بطريقة عن طريق الأرجل حتى دماغهما لم يصب بشيء، العناية الإلهية بالغة:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هناك كثير من القصص، شخص وقع من طائرة فوق جبال الألب نزل، على خمسة أمتار ثلج فوق غابة صنوبرية، خمسة أمتار وأغصان الأشجار امتصوا الصدمة نزل واقفاً.

وإذا العناية لاحظتك جفونها  نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *

 أحياناً بلمحة تكون النجاة، هذه الآية دقيقة جداً، الله عز وجل قال: ألقيه في اليم أي كل شيء بيده، الأشياء التي لا تصدق من الضآلة هي بيده، فما عليك إلا أن تكون معه، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

[ سورة الطارق: 15-16]

لله عز وجل مفارقات تبين عظمته سبحانه :

 فرعون - هكذا تروي الكتب - رأى في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سوف يقضي على ملكه، فقال: القضية سهلة لن أدع طفلاً على قيد الحياة وانتهى الأمر، فالذي قضى على ملكه رباه في قصره، هذه مفارقات.
 الله عز وجل له مفارقات، تلك المفارقات تبين عظمة الخالق، مثلاً الدعوة الإسلامية كلها حفظت عن طريق نسيج العنكبوت، لما جاء المطاردون وجدوا العنكبوت، هذا من شهرين إذاً لا يوجد أحد، عنكبوت قد يكون سبب نجاة دعوة إلهية عظيمة، هكذا الله عز وجل ينصر بأسباب تافهة، بالخندق لا أعتقد أن هناك معركة أشدّ من هذه المعركة على المسلمين، اجتمع عشرة آلاف مقاتل، الموضوع لم يكن على مستوى معركة، هناك منتصر ومنهزم، على مستوى إبادة، واليهود نقضوا عهدهم، وانكشف ظهر النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قالوا مع بعض عن النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 12]

 لهذه الدرجة:

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب: 11]

 الله عز وجل أجرى النصر على يد إنسان واحد نعيم بن مسعود، ذهب إلى قريش وحذرها من اليهود، وذهب إلى اليهود وحذرها من قريش، أي لحكمة وذكاء وتوفيق إلهي انشقت الصفوف، وأرسل الله رياحاً قلبت قدورهم، وقلعت خيامهم، وكفى الله المؤمنين القتال، الله صرفهم، الله عز وجل ينصر المؤمن بأشياء لا تخطر في باله، وأحياناً يدمره بأشياء لا تخطر في باله، إنسان في منتهى القوة والغنى والتألق والنجاح، طبعاً تكبّر كثيراً، وأكل مال الناس كثيراً، بالحمام كرسي صعد عليه ليصل إلى مفتاح الكرسي وقع من عليه دخل في مؤخرته بعد أسبوعين كان ميتاً، سبب تافه جداً.

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

[ سورة القصص: 12]

 قال: هذا تحريم منع لا تحريم تشريع، لا يرضع إلى أن جاؤوا له بأمه فرضع:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

[ سورة الطارق: 15-16]

 تدبير لصالح الخير.

الابتلاء سبب دخول الإنسان الجنة أو النار :

 يقول الله عز وجل:

﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

[ سورة القصص: 18]

 إذا الواحد من المؤمنين خاف لا يوجد مانع، الخوف وارد، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك]

 لأنه لا يمكن أن تصل إلى الجنة إلا بعد الابتلاء، فلذلك هنا:

﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

[ سورة القصص: 18]

 سيدنا موسى عاش في قصر فرعون في بحبوحة، كل شيء أفضله، لولا أنه خرج من هذا القصر والتقى مع القبطي فوكزه فقضى عليه ما ائتمروا عليه، فخرج منها خائفاً، إلى أين ذهب؟ إلى مدين، مدين حسب المسافات تبعد آلاف الكيلومترات، سافر من مصر إلى شمال الجزيرة، سار مساحلاً، سار ألفين وخمسمئة كيلو متر في البراري والصحارى في الليل إلى أن وصل إلى مدين، التقى مع سيدنا شعيب، وتزوج ابنته، وكلمه الله، وعاد إلى فرعون ليحذره، لذلك قالوا:

كن لي ما لا ترجو  أرجى منك لما ترجو
***

 أراد أن يقتبس ناراً فكلمه الله، لو بقي بقصر فرعون لما وصل إلى هذه المرتبة، أحياناً الخوف والتشرد له حكم لا نعلمها نحن.

الافتقار إلى الله علامة التوحيد :

 لما سقى للفتاتين:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 24]

 سأقف عند كلمة فقير، كلمة فقير تعني شيئين؛ تعني افتقار، وتعني ضيق ذات اليد، فأحياناً الفقر لا يعني أنك فقير يعني الافتقار إلى الله عز وجل، هذا النبي الكريم من أولي العزم قال:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 24]

 أنت مفتقر لعمل صالح، لأن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، فإذا أوتيت العمل الصالح أوتيت خير الدنيا والآخرة، ورد في السنة:" ألا أعلمك كلمات من يرد الله به خيراً يعلمهن إياه، قال: قل: اللهم إني ضعيف فقوي في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضاي، اللهم إني ضعيف فقوني، إني ذليل فأعزني، إني فقير فارزقني" الافتقار إلى الله علامة التوحيد.
 سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في بدر انتصروا لأنهم افتقروا، فلما اعتدوا بقوتهم في حنين خذلوا وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام، الافتقار غير الفقر، الافتقار أن تشعر أنك لا شيء أمام الله عز وجل، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " براءة من الكبر مجالسة فقراء المؤمنين" إذا الإنسان دعي إلى زيارة، إلى وليمة، إلى عقد قران، والداعي إنسان فقير، إذا لبيت دعوة الفقراء فأنت بريء من الكبر.
 الدعاء الآخر:" اللهم إني ضعيف فقوني، إني ذليل فأعزني، إني فقير فارزقني" وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:" خير الناس مؤمن فقير يعطي جهده" إنسان دخله محدود يبذل جهده في حرفة، في عمل، يكسب قوت يومه، ينفق على عياله وهو مطيع لربه، قال النبي عليه الصلاة والسلام:" خير الناس مؤمن فقير يعطي جهده"، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: " أكابر أمتي الذين لم يعطوا فيبطروا، ولم يقتر عنهم فيسألوا" هذا الكفاف الذي تمناه النبي لأمته، لا يوجد بطر ولا سؤال، هذا حال الاكتفاء.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS