7871
أحاديث رمضان 1416 - تفسير آيات - سورة آل عمران والأنفال - الدرس ( 26 - 50 ) : معنى حَسِبَ و حَسُب و حَسَبَ.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام، كلمة حَسِبَ في اللغة معناها ظن، وبعض الظن خطأ، وكلمة حَسُب افتخر بحسبه، وكلمة حَسَبَ بمعنى عد، سأضرب مثلاً تمهيداًً لبعض الآيات، لو أن إنساناً حَسِبَ أن تناول الملح كثيراً يخفض ضغطه، هذا وهم له مضاعفات كثيرة لأن الملح يرفع الضغط وإذا ارتفع الضغط هناك أخطاء تنتظر الإنسان، منها خثره في الدماغ منها فقد البصر منها ضعف في القلب، إذا ظن أن كثرة شرب الماء ترهق الكليتين، والعكس هو الصح، هذا الظن أو هذا التوهم له مضاعفات خطيرة، إذا ظن أن عدم الحركة تريح القلب، بالعكس قلة الحركة تضعف القلب، هناك ظنون كثيرة، إذا ظن أن كلما انخفض الضغط فإذا بلغ الضغط أقل من ست درجات، لثلاث ساعات تتعطل الكليتان عن العمل، ويصاب الإنسان بفشل كلوي، على مستوى صحة الإنسان هناك أوهام لو طبقها الإنسان لفقد صحته، ربما فقد حياته، فالطبيب الرحيم إذا استمع من إنسان مثل هذه الأوهام، يقول له يا أخي لا تحسب أن كثرة الملح تخفض الضغط إنها ترفعه، لا تحسب إن قلة الحركة تريح القلب إنها تضعفه، لا تحسب أن كثرة شرب الماء إنها تصونها، بدأ الطبيب يؤكد مفهومات علمية عكس هذه الأوهام، بكتاب الله عز وجل أكثر من ستين أو سبعين آية كلها توجه الخطاب إلى إنسان توهم خطأً عن الله شيء، الله عز وجل يقول:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 142]

 يعني جنة الله التي وعد فيها المؤمنين عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، هل يعقل أن يكون ثمنها ركيعات جوفاء نركعها؟ ودريهمات قليلة ندفعها وانتهى الأمر؟ قال لا إن ظننتم ذلك فأنتم واهنون، وهذا الوهم له مضاعفات خطيرة، هذا الوهم يقعدكم عن العمل الصالح، هذا الوهم يقعدكم عن طلب العلم، يقعدكم عن العمل للآخرة تخسرون أنفسكم وأهليكم والآخرة:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 178]

 يعني عندما يأتي المال وفيراً الإنسان يرتقي في مراتب الحياة سريعاً حينما يلتف الناس حوله على باطل يشعر بالقوة والمنعة قال هذا الإمداد المعنوي والمادي والسلطوي إن صح التعبير:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾

[ سورة آل عمران: 178]

 إذاً هناك وهم عند بعض الناس أن علامة رضاء الله عز وجل كثرة المال والأولاد والقوة وارتقاء مراتب الدنيا، هذا وهم خطير إذا توهم الإنسان ذلك وهو في أوج نجاحه وقوته يستغني عن ربه فيهلك ويهلك من حوله:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 180]

 يقول لك خبئ قرشك لا تفرط، يلزم، الناس لهم الله، هذا كلام بعض الناس:

﴿ أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس: 47]

 يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 180]

 إمساك اليد عين الشر، وعين الهلاك لولا أن هناك أناساً يحسبون ذلك ويعتقدون ذلك ويبنون على اعتقادهم هذا سلوكاً مدمراً لما ذكرهم الله عز وجل، وهم يبنى عليه سلوك خطير:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 إذا الإنسان وسل إلى ما وصل إليه وعلى زعمه أنه مستغن عن الله عز وجل، وأن قدرة الله لا تطوله وأنه فعل ما أراد وخطط ونجح، قال هذا ليس سبقاً إنه في قبضة الله، وإن الذي فعله في علم الله وفي مشيئة الله وخطته تستوعبها خطة الله:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 16]

 لا بد من الامتحان:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 أيام يقول لك أين الله؟ الله موجود وهؤلاء الذين يفعلون في علم الله وسوف يحاسبهم حساباً عسيراً:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 يقول أحدهم متى نصر الله؟ دائماً النصر غير موجود، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

[سورة إبراهيم: 47]

 ما قال الله عز وجل في كتابه الكريم ما نهى عباده أن يحسبوا كذا وكذا إلا لأن هذا الظن وذلك الوهم خطير جداً إنما أهلكه، واحد معه ارتفاع ضغط يكثر ملح أحسنت ينزل، لا يطلع زيادة، وأكبر مصيبة أن يكون الإنسان ضالاً في الحياة وهو يحسب أنه مهتدي، وهو يحسب انه يحسن صنعا، يعمل مشروع مبني على المعصية، مبني على الفجور، ويعد نفسه نجح والله وفقهه، مشروع كله أساسه معصية، قال الله عز وجل:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف: 103-104 ]

 أيام يقول لك واحد والله شيء يحير لماذا الله خلقني لا نعرف ما أحد مرتاح إطلاقاً كأنه خلقنا ليعذبنا، قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115 ]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36 ]

 أيها الأخوة الكرام، ممكن تعتقد اعتقاد خطأ ولا يهم، إذا أنت تظن بيننا وبين الشمس مليون كيلو متر أو مئة مليون كيلو متر هو الحقيقة مئة وستة خمسين كيلو متر، ما صار شيء، هذاالخطأ لا يقدم ولا يؤخر لكن الله عز وجل لا يذكر من أخطاء العقيدة إلا ما كان مهلكاً، تصور الإنسان عن الأرض قد يكون بعيد جداً، في بعض البلاد يقول لك الأرض منبسطة، إن قال منبسطة هي كرة وإن قال كرة هي كرة، لا كلمة كرة جعلتها كرة ولا كلمة منبسطة جعلتها منبسطة، في أشياء كثيرة لو اعتقدتها خطأً لا قيمة لهذا الاعتقاد خطأ، ولكن عندما تعتقد في أمور العقيدة والدين في علاقتك بالله اعتقاداً خطاً هذا الاعتقاد يدمر الإنسان.

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2 ]

 تتوقع إنسان يدعي الإيمان الله لا يمتحنه ولا يحجمه، ولا يكشفه عن حقيقته للناس مستحيل:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2 ]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

[ سورة العنكبوت: 4 ]

 له إرادة مستقلة عن الله عز وجل، وفعل شيء ما أراده الله عز وجل؟ وكان حراً فيما يفعل؟ إذا الإنسان ناجى إنسان سرى فيما لا يرضي الله وهو يتوهم أن الله لا يسمعه:

﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 4 ]

 وأحياناً الإنسان لجهل فيه يظن أن الإنسان حينما يعصي الله في أمور التعاملات المادية يكون في حرز حريز، يعني ممكن يعصي الله في استثمار المال، يقول لك هكذا أضمن، الله عز وجل سيدمر من أطاعه ويحفظ من عصاه؟

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 خطأ فادح، وهم قاتل أن تظن أن المستقيم على أمر الله الذي يخافه ويرجو رحمته ويستقيم على أمره سيعامل كما يعامل الفاسق، لا:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36]

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

[ سورة البلد: 5]

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾

[ سورة البلد: 7]

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد: 8]

﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾

[ سورة الهمزة: 3]

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ*بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 3-4]

 لو أن العظام أصبحت رميماً وفتتها بيديك سوف يحاسب الإنسان على أعماله في الدنيا، والمؤمن أحياناً يتوهم أن الكفار مجتمعون، قال تعالى:

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

[ سورة الحشر: 14]

 هناك بغضاء وعداوات بينهم، لا يجمع إلا الإيمان الكفر لا يجمع لكن تجمعهم مصلحة طارئة، فإذا انتهت المصلحة تفرقوا:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 29]

 في بالقلب مرض هذا المرض لا بد أن يخرج، في أشياء علمية:

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل: 88]

 إذا كان بالثانية ثلاثين كيلو متر، كم في الدقيقة؟ ألف وثمان مئة كيلو متر في الدقيقة، بالساعة يعني الأرض تطير بالساعة بما يفوق سرعة الصوت، سرعة خيالية تدور حول الشمس:

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل: 88]

 لولا أن هذه العقائد مدمرة مهلكة لما لفت الله نظرنا إليها، وكلما قرأت ولا تحسبن ولا يحسبن، أحسب الناس، يعني حسب ومشتقاتها، لها دور في العقيدة خطير، كلما اعتقدت عقيدة ضالة لا سمح الله، وانطلقت من هذه العقيدة بسلوك مدمر اقرأ كتاب الله وصحح عقيدتك، وهذا كلام الله عز وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكلام الله عز وجل قطعي الدلالة والثبوت كلام الله عز وجل هو الشفاء المؤمن الصادق يستقي عقيدته من كتاب الله، لأنه المصدر الأول للدين ثم من حديث النبي عليه الصلاة والسلام الصحيح، فأي عقيدة زائغة أي وهم أي تصور قارنه مع كتاب الله، في كلمات العوام تتناقض مع العقيدة، فلذلك الله عز وجل في أكثر من ثمانية وستين آية صحح عقيدتنا وبين لنا الطريق وما هي الحقيقة.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS