5030
أحاديث رمضان 1416 - تفسير آيات ـ سورة النحل والإسراء - الدرس ( 18 - 50 ) : المعرفة والعلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-30
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
في سورة النحل قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

[سورة النحل : 78]

 كل الحقائق العلمية تؤكد هذه الآية، الطفل حينما يولد لا يعلم شيئاً، لا قدرات ولا مهارات ولا محاكمات ولا أي شيء من هذا القبيل، إلا أن هذا الطفل الذي يولد لتوه ذوده الله بآلية معقدة جداً اسمعها منعكس المص، لمجرد أن يولد يضع المولود فمه على حلمة ثدي أمه ويحكم الإغلاق و يسحب الهواء، لولا هذا المنعكس المعقد ما كان واحد منا على وجه الأرض، يعني هذا الطفل الصغير هل يعلمك؟ ما في طريقة يكتسب هذه المهارة، آلية تولد مع الطفل مباشرة ما إن يضع فمه على ثدي أمه حتى يحكم الإغلاق ويسحب الهواء ليصل إلى الحليب بعد ساعة أو ساعتين يمتص حليب أمه بمهارة فائقة، مع أن أي شيء آخر لا يعلمه:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة النحل : 90]

 هذه من آيات الله الدالة على عظمته، في سورة النحل أيضاً آية دقيقة، هذه الآية تحل مشكلات المسلمين، وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾

[سورة النحل : 78]

 فأنت أيها المؤمن كما أنك مأمور بالعدل مأمور بالإحسان فأية قضية لم تتفق مع العدل تتفق مع الإحسان، إما أن تعطي العدل وإما أن تعطي الإحسان، الإنسان قد يتوهم أن العدل أن يفعل كذا، وأنت أيضاً وأنت أيضاً أيها المؤمن، مأمور من قبل الله عز وجل أن تحسن، أن تكون عادلاً وأن تكون محسناً في الوقت نفسه، فإذا قضية لا يسعها العدل يسعها الإحسان، لذلك المؤمن من هذا القبيل سهل إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى، إذا لم ينل حقه نال من الله الثواب، سبب سهولة المؤمن في تعاملاته، أنه يؤمن أن ما فعله من باب الإحسان لا يضيع عند الله عز وجل، أيام بالعلاقة بين الزوجين قد لا تأخذ حقها ولكنها تصبر، قد لا يأخذ حقه ولكنه يصبر، بين الآباء والأولاد بين الشركاء، بين الأخوة، إن لم تتوافق هذه القضية مع العدل وسعها الإحسان:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾

[سورة النحل : 78]

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[سورة البقرة : 173]

 لأن بعض المسلمين يتوسعون بالقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، الحقيقة الضرورات التي تبيح المحظورات، أن يخشى الإنسان على نفسه الهلاك النهائي، أن يهلك الإنسان هو وأهله جوعاً وعرياً وتشرداً، حينما يغلب على ظنك أنك هالكاً لا محالة، عندئذ الضرورات تبيح المحظورات لكن حينما يتوسع المسلمون بهذه القاعدة، من دون ضرورة مرجئة لدخول أنفسهم بعض المحرمات على أنها من أجل أن يفعلوا الضرورات، لذلك الله عز وجل فمن اضطر، في حالة الاضطرار لدفع الجوع القاتل أو العري القاتل أو التشرد القاتل، يمكن أن تأخذ من المحظورات بالقدر الأدنى غير باغ ولا عاد فلا إثم عليك.
من أواخر الآيات في النحل:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل: 125]

 الحكمة مطلوبة أن تقول الكلام المناسب في الوقت المناسب بالقدر المناسب مع الشخص المناسب:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 العلم مكتسب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنما العلم بالتعلم...))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

 لكن الحكمة مكافئة من الله على من أخلص له وأقبل عليه، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 فالحكمة يؤتيها الله لمن يشاء مكافئة على إخلاصه، الإنسان الكافر مهما كان عاقلاً مهما كان ذكياً:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 1]

 ارتكبوا حماقات كبيرة ولو كانوا بأعلى درجات الذكاء لأن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه، في مشكلة أيام الإنسان يكون له مع الله ماضي سيء يتراجع تضعف همته، ينكر قلبه ماذا يفعل؟ الجواب بهذه الآية:

﴿ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾

[ سورة الإسراء: 8]

 عد إلى ما كنت عليه تعود الأحوال لما كانت عليه، عد إلى الله عز وجل مخلصاً يأتيك النصر والسرور والسعادة التي كنت تعيشها:

﴿ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾

[ سورة الإسراء: 8]

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

[ سورة الإسراء: 18]

 يعني الله عز وجل، إن رأى في المؤمن استسلاماً وتوكلاً والمؤمن طلب شيء ليس في صالحه أن يتملكه ربنا يصرفه عنه، بالقدر الذي نشاء وللشخص الذي نريد، إذا الله عز وجل صرف عنك شيئاً تريده بثقته بك أنك راض عنه، لو أنك أصررت عليه لأعطاك إياه، هذه الآية تحل مشاكل، إنسان تمنى شيئاً ما أخذه بقي محروماً منه كيف يتعامل مع الله مع هذا الحرمان؟ بهذه الآية:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

[ سورة الإسراء: 18]

 بالقدر الذي نشاء وللشخص الذي نريد، إذا إنسان لا تناسبه الدنيا، لا يناسبه الغنى، ربنا يدخر له العطاء في الآخرة، الذي حرمت منه اصبر واجعل من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الجامع المانع شعاراً لك:

(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

 على الحالتين رابح، أنا لا اتصور آية قرآنية تفعل في قلب المؤمن السحر كهذه الآية:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي ﴾

[ سورة الإسراء: 53]

 عباد عباده، أضيفت لهذه الكلمة ياء النسبة، يعني أضيف العباد إلى الله إضافة تكريم وتشريف:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة الإسراء: 53]

 يعني قبل أن تنطق كلمة عد لعشرة أرقام، عد كثيراً لعل كلمة أجمل منها، أدق منها، أرحم منها:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الإسراء: 53]

 الكلمة السيئة تعطي الشيطان فرصة ذهبية قد يوقع بين المؤمنين، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[رواه مسلم عن جَابِرٍ ]

 كيف يستطيع الشيطان أن يحرش بين المؤمنين؟ إذا تكلم أحدهم كلمة سيئة، أو كلمة قاسية، أو فيها اتهام، تجريح، طعن، عندئذ يدخل الشيطان بين المؤمنين:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾

[ سورة الإسراء: 53]

 آخر شيء أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، هو أن الإنسان يميل إلى أن يلقي تبعة أعماله السيئة على غيره، الإنسان غالباً ما يلقيها على الشيطان، يقول الله يلعن الشيطان، هو الذي أغواني، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

[ سورة الإسراء: 65]

 فإذا كنت عبداً لله لا يستطيع الشيطان أن يصل إليك:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ﴾

[ سورة الإسراء: 65]

 الشيطان حينما تستعيذ بالله يبتعد عنك، معك سلاح فتاك، فعال، سلاح فعال، سلاح يكلفك كلمة بقلب حاضر وينتهي الأمر:
أيها الأخوة:

﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا*أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا*أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾

[ سورة الإسراء: 90-93]

 إن لم تسلك طريق الإيمان الذي رسمها الله لو أنك واجهت كل المعجزات ورأيت كل المستحيلات لا تؤمن الكون بوضعه الراهن من دون خرق لنواميسه هو المعجزة، إن لم تؤمن به بوضعه الطبيعي لن تؤمن بالله عن طريق خرق نواميسه، دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لها مضمون إن تأملتها وعقلتها تؤمن أما خرق العادات والقوانين هذه معجزات حسية لضعاف العقول أما الإنسان الناضج يريه مضموناً عميقاً وشرعاً حكيماً وشرعاً يحل مشكلات البشر، أما خرق المعجزات لا يفعل شيئاً إذا واحد ذهب إلى طبيب وهو متألم ألم شديد من معدته الطبيب علق حبل في العيادة ومشى على هذا الحبل، فالمريض دهش بهذه البراعة، لكن ما علاقة هذا بألمه، في ألساليب كثيرة جداً تدهش تنتزع الإعجاب لكن لا تحل المشكلات، الإنسان له مشكلة المنهج الصحيح أن تحل مشكلات إنسان منهج تفصيلي افعل ولا تفعل أمر ونهي، فنحن لسنا بحاجة إلى خرق للعادات، بحاجة إلى منهج تفصيلي نسير عليه نضمن سلامتنا وسعادتنا، آخر آية:

﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾

[ سورة الإسراء: 111]

 ما في إلا إله واحد:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ ﴾

[ سورة الإسراء: 111]

 يعني توالي الله وتكون ذليل مستحيل، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، من كان يريد العزة فالله العزة جميعاً.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا  اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع