22497
أحاديث رمضان 1416 - نظرات في آيات الله - سورة البقرة - الدرس ( 35 - 50 ) : أنواع الاختلاف، ويأتي الاختلاف من نقص المعلومات.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أنواع الاختلاف بين الناس :

 أيها الأخوة الكرام؛ المسلم المخلص الصادق يتألم أشدّ الألم عندما يرى من اختلاف المسلمين، ومن تشرذمهم، ومن العداوات التي بينهم، فلو سألنا أنفسنا: يا ترى هل في القرآن الكريم آياتٌ تبين سبب هذا الاختلاف؟ الحقيقة أن في القرآن الكريم آيةً في سورة البقرة، تقول هذه الآية:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

[ سورة البقرة : 213 ]

 الناس جميعاً من جِبّلةٍ واحدة، ومن خصائص واحدة، ومن طبيعة واحدة، ومن بنية واحدة، ومن فطرة واحدة، الأصل هو الوحدة.

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

[ سورة البقرة : 213 ]

 أول اختلافٍ بين الناس اختلافٌ طبيعي، سببه نقص المعلومات.
 كنا في العمرة في مكة المكرمة، تواردت أنباءٌ كثيرة أن في المدينة نوراً يسطع في السماء، وأنهم رأوا الكعبة في المدينة، وكلام من هذا القبيل لا ينتهي، لما انتقلت إلى المدينة، كنت أصلي صلاة المغرب في الحرم النبوي، وبين المغرب والعشاء كان هناك درس علم، فاستمعت إليه، قال العالم في نهاية الدرس: إن هذه النور الذي رأيتموه في السماء هو أشعة ليزر، أي أريد أن يكون هناك نور يهتدي به كل من حول الحرم بخمسمئة كيلو متر، فكان هناك إشراقات، وتجليات، وأنوار ساطعة، ثم ظهر أن هذه أشعة ليزر، فلماذا اختلف الناس؟ لنقص المعلومات، فلما توضح الأمر انتهى الخلاف.
 فهناك خلافٌ طبيعيٌ بين الناس، لو أننا في يوم التاسع والعشرين، سمعنا مدفعاً، ماذا نقول؟ غداً العيد، يقول لك آخر: لا، هناك شق طريقٍ في الجبل، هذه تفجيرات شق الطريق، اختلفنا، فإذا سمعنا في الإخبار أنه ثبت أن غداً أول أيام العيد انتهى الموضوع.
 فأول خلافٍ بين البشر، خلاف نقص المعلومات، وهذا خلافٌ طبيعي لا شيء فيه، لا يمدح، ولا يذم، خلاف طبيعي، علاجه المعلومات الصحيح.
لذلك:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

  الأصل بنية واحدة، جِبّلة واحدة، خصائص واحدة، طبيعة واحدة، فطرة واحدة، فاختلفوا:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

 الخلاف الثاني: جاء الوحي، نزل الكتاب، بعث الله النبيين، إلهٌ واحد، نبي واحد، كتابٌ واحد، أمور واضحة كالشمس، ومع ذلك اختلفوا، قال: هذا الاختلاف الثاني اختلاف قذر، اختلاف حسد، أول اختلاف اختلاف طبيعي، أما الثاني:

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 213 ]

 الخلاف الثاني خلاف الحسد، وسوء الأخلاق، والتعصب للذات، هذا الخلاف الثاني دوافعه لا أخلاقية:

﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

[ سورة البقرة : 213 ]

 هذا خلاف رقم ثلاثة.
 الآن ضمن جماعة الحق إنسان يرى أن أعظم عمل أن تؤلف القلوب، وأن تسلكهم إلى الله، إنسان يرى أن أعظم عمل أن تؤلف الكتب، إنسان يرى أن الفقه هو قوام الدين، إنسان يرى أن التفسير هو الأساس، إنسان يرى أن السيرة هي الأساس، إنسان يسلك طريق الدعوة بالطبقة العريضة من المجتمع، إنسان يختار فئةً قليلة، هذه اجتهادات كلها على العين والرأس، هذا خلاف محمود.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين :26 ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 61 ]

 إذا ضمن الحق الواحد صار هناك منافسة، وكل إنسان اجتهد، ورأى الصواب فيما هو عليه، هذا خلاف محمود.
 صار عندنا اختلاف طبيعي، سببه نقص المعلومات، واختلاف قذر سببه الحسد، والبغضاء، والأنانية، وحبّ الذات، والتعصب للذات، واختلافٌ ثالث سببه التنافس، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ لصلاة الليل يدعو، ويقول:

(( اللهم اهدني لمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإِذنِكَ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]

ضرورة القضاء على الخلافات و عدم إثارتها :

 طبعاً الحياة محدودة، والعمر قصير، قد يشغل الإنسان نفسه بأشياء أقل جدوى من بعض الأشياء، قد يشغل نفسه بنشاطات ليس لها وزنٌ يوم القيامة، وزنٌ كبير، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن يهديه، وهو مع أهل الحق:

(( لمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإِذنِكَ ))

 إذاً الاختلاف ثلاثة أنواع، خلاف محمود خلاف التنافس في الحق، وخلاف مذموم اختلاف الحسد والبغضاء والأنانية وحب الذات، واختلاف طبيعي سببه نقص المعلومات، أول خلاف يزول بالوحي، وثاني خلاف يزول بالتوبة، والاتصال بالله عز وجل، وتهذيب النفس، والاختلاف الثالث يزول بالمدارسة، والمناقشة، فهذا ما في القرآن الكريم من موضوع الاختلاف.
 هناك إشارات دقيقة أخرى إلى موضوع الاختلاف، آيةٌ ثانية:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾

[ سورة البقرة : 176]

 أي المحب لله ورسوله لا يثير الاختلافات، البعيد عن الله هو الذي يكرس هذا الاختلاف، يعمقه، هو الذي يباعد ما بين الدعوات الإسلامية، هو الذي يعمق الخلاف بينها، من خصائص الذي يثير قضايا الخلاف، من خصائص الذي يتعصب لجهةٍ على حساب جهات، من خصائص الذي يرفع أناساً على أنقاض الآخرين، أنه يشاقق الله ورسوله، لو أنه أحبّ الله ورسوله لغلب صالح المؤمنين على صالحه الشخصي.

العذاب العظيم لمن يفرق الأمة و يجعلها فرقاً و طوائف :

 شيءٌ آخر في موضوع الاختلاف:

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران : 19 ]

 الحقيقة الإسلام واحد، الإله واحد، النبي واحد، الكتاب واحد، السنة واحدة، وتجد في العالم الإسلامي، وفي كل بلد إسلامي، وفي كل مدينة إسلامية، وفي كل حي، حتى في الجماعة الواحدة هناك أناسٌ يطعنون بأناس، وهناك أناسٌ يبخسون حق أناس، هذه أمراض نفسية، ينبغي أن نعافى منها، لا نعافى منها إلا بالإخلاص، والوعي، بالوعي والإخلاص نعافى من هذه الأمراض.

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة آل عمران : 19 ]

 الله جلّ جلاله عدّ هؤلاء الذين يعمقون الاختلافات بين المسلمين من الكفار:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 105 ]

 هؤلاء الذين يمزقون وحدة الأمة، يجعلونها أشلاء، يجعلونها فرقاً، وطوائف متعادية، متباغضة، قال:

﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

.

التعصب سبب التمزق و الضعف :

 آيةٌ أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

[ سورة يونس : 19 ]

 أي الله عز وجل بكل لحظة قادر أن يوضح الأمر، لكن يقصمهم، الإنسان له عند الله عمر لا ينقص، ولا يزيد، ولعل الله سبحانه وتعالى حينما يؤخر الفصل بين المختلفين يعطيهم فرصة ليتفقوا، إذا أخر الله الفصل القاطع بين المختلفين يعطيهم فرصةً ليتفقوا، ليتعاونوا.
 الإمام الشافعي يقول: نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، الإمام الشافعي يقول: أنا على الحق وخصمي على الباطل وقد أكون مخطئاً، وخصمي على الباطل وأنا على الحق وقد يكون مصيباً.
 الإنسان يجب أن يتمتع بعقلٍ مفتوح، بعقلٍ يمكنه أن يفهم وجهة نظر الآخرين، أما التعصب فمقيت، والتعصب سبب التمزق، وسبب الضعف:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 46 ]

بطولة الإنسان أن يعرف الحق و هو في الدنيا :

 الآن:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

[ سورة النحل : 124 ]

 لكن متى يحكم بينهم؟ يوم القيامة، وحينما يحكم بينهم بعد فوات الأوان، الذي على الحق إلى الجنة، والذي على الباطل إلى النار، فالعبرة أن تعرف الحق وأنت في الدنيا، لكن لابد من أن تعرف من أنت؟ وعلى أي شيءٍ أنت؟ وما تقييم عقيدتك؟ وما تقييم سلوكك؟ هذا يُعلم يوم القيامة قطعاً، لكنك عندئذٍ لا تنتفع بهذه المعلومات شيئاً، البطولة أن تعرف الحق وأنت في الحياة الدنيا.

﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة مريم : 37 ]

 هؤلاء المختلفون عند الله كفار.

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى : 10 ]

 أي الإنسان.

الكتاب والسنة هما الحكم في كل قضية :

 أيضاً الله عز وجل قال:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 59 ]

﴿ أُولِي الْأَمْرِ ﴾

  عند الإمام الشافعي هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون أمر الله عز وجل، والأمراء مكلفون بتنفيذه، إن اختلفتم مع هؤلاء فالمرجعية إلى القرآن والسنة، إن اختلفتم مع هؤلاء المرجعية إلى من؟ إلى الكتاب والسنة، إلى الله، أي إلى قرآنه، إلى رسوله، أي إلى سنته، فالكتاب والسنة هما الحكم في كل قضية، وكل إنسان يرى شيئاً مخالفاً لكتاب الله يعتقد عقيدةً، يسلك سلوكاً، يقف موقفاً، يخالف ما في الكتاب والسنة، فهذا ضالٌ مضلٌ بإجماع العلماء، وكل إنسان يظهر له الحق، ولا يعمل به، ويأخذ به إنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء.

ضرورة التعاون و التحابب تغليباً لمصلحة المسلمين :

 و يقول الله عز وجل:

﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة مريم : 37 ]

 هؤلاء الذين يعمقون الاختلاف بين المؤمنين، مرةً جاؤوا كفاراً، ومرةً جاؤوا ظالمين، وهذا موضوع طويل، لكن نحن في أمس الحاجة تغليباً لمصلحة المسلمين العامة، إلى أن نلتقي، إلى أن نتعاون، إلى أن نتحابب، إلى أن يعذر بعضنا بعضاً، إلى أن نتفق على القواسم المشتركة، وأن نغض الطرف عن الخلافيات في الأمور الفرعية، أما أن نأتي بالأمور الفرعية فمن الممكن أن تنشأ مشكلة كبيرة من مستوى وضع اليد هنا أو هنا، أعداؤنا يكيدون لنا ليلاً ونهاراً، ونحن نُمزق من مكان وضع اليد، من طول الثوب مثلاً، من درجات المنبر، من كلمة تقال بعد الأذان، أيعقل أن يمزق المسلمون لهذه الأسباب؟ أيعقل أن يكون أحد العلماء الكبار عند أناسٍ سلطان العارفين وعند أناسٍ الشيخ الأكفر؟ أيعقل هذا؟ أيرضي الله ورسوله هذا التمزق؟ وهذا التشرذم؟ وهذا التبعثر؟ هذه الطاقات حينما تصرف في الخلافيات تبدد طاقات الأمة، ماذا جاء في السنة؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا السواد الأعظم ))

[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]

(( لا يجمع الله أمتي على ضلالة ))

 كن مع المجموع، لا مع مجموع الناس، بل مع مجموع العلماء، يوجد فرق كبير:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 116 ]

 لا تكن مع مجموع الناس، كن مع مجموع العلماء، كن مع الجمهور، مع الأكثرية لأنها لن تجتمع على باطل، هي مع الحق.

اختلاف الأمة اختلاف تنوع و غنى :

 ويقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ عليه إشكالٍ كبير، لكن ملخص هذا الحديث:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

 أي اختلاف الأمة لا اختلاف تناقض، ولا اختلاف تضاد، إنما هو اختلاف تنوعٍ وغنى، إذا وجدت في القضية الواحدة مسائل كثيرة في الفقه، هذا من عظمة هذه الشريعة، لأن في الإنسان ثوابت ومتغيرات، الثوابت تغطيها الآيات المحكمة، والمتغيرات تغطيها الآيات المتشابهة، الآيات المحكمة لا تحتمل اجتهاداً، والآيات المتشابهة مناط الاجتهاد، والله سبحانه وتعالى جعل للمجتهد أجراً ولو أخطأ، فإذا الإنسان اجتهد وأخطأ له أجر، لا تنكر عليه، وأي اجتهاد غير يقيني، ظني الاجتهاد، فلذلك إن:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

 بمعنى أنك إذا رأيت في القضية الواحدة مذاهب عديدة، آراء كثيرة، وكل إنسان معه دليل، والدليل قد يكون قوياً فهذا من غنى هذه الشريعة.
 شخص مثلاً يسكن بريف مصر، سيدنا الشافعي سكن بريف مصر، أجاز أن تدفع الزكاة عيناً، والإمام أبو حنيفة سكن في البصرة، رأى أن تدفع الزكاة نقداً، إذاً أنت الآن لو أعطيت إنساناً في دمشق كيس قمح كزكاة للمال ماذا يفعل به؟ ساكن بقبو في أحد أحياء دمشق، أين سيغسله؟ وأين سينشره؟ وأين سيطحنه؟ وعند من سيخبزه؟ عبء كبير، إن أعطيت هذا الكيس لإنسان يعيش في الريف، التنور أمامه، والطاحونة أمامه، هذا الكيس مؤونته خلال عام تقريباً، فلذلك فرقٌ كبير، أنت الآن ممكن أن تعطي إنساناً قريباً لست واثقاً من حكمته في الإنفاق، قد يدخن، وقد يشرب، إلى آخره، وله أطفال جياع، لك أن تعطيه زكاة مالك عيناً، رز وسكر وحاجات أساسية، فالإسلام واسع، لو أنه ما غير دفع الزكاة نقداً لهلك الناس، الآن كثير من أخواننا الأسواق واقفة كثيراً، يدفع زكاة ماله من بضاعته، إن كانت بضاعته أساسية عند الفقير، بضاعة أساسية تقبل زكاة ماله بضاعةً، عنده قماش، عنده أشياء، هذا الاختلاف اختلاف غنى، ليس اختلاف تناقض، ليس اختلاف ضعف، اختلاف غنى وتنوع، بينما الاختلاف المذموم هو اختلاف التناقض والتشرذم، إذاً:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

الحفاظ على وحدة المسلمين و تماسكهم :

 وقال:

(( إنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قبلكم باختلافهم في الكتاب ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 حتى القرآن الكريم:

(( اقْرَؤوا القرآن مَا اْئتَلَفتْ عليه قُلُوبُكُم، فإذَا اْختلَفْتُمْ فَقُومُوا عنه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ]

 النبي قال لك:

(( صلّ وراء كل برٍ وفاجر ))

 إمامٌ تعلم علم اليقين أنه ليس مستقيماً، ليس لك حق أبداً في الشرع أن ترفض الصلاة وراءه، من أجل ماذا؟ من أجل وحدة المسلمين، قال النبي الكريم:

(( الصومُ يومَ تصومون ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 من أجل ماذا؟ من أجل وحدة المسلمين، هذا الشك، صيامنا صحيح، لا ليس صحيحاً، هذا ليس عملك، أنت في بلد مسلم، يوجد قاض شرعي، وأناس مكلفون بتقصي الهلال، وقالوا لك: أن يوم العيد يوم كذا، انتهى الأمر، عندنا كل سنة جدال مرتين، أول يوم رمضان، وأول يوم العيد، صيامنا صحيح، لا ليس صحيحاً، السعودية فطرت، لا لم تفطر، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً:

(( الصومُ يومَ تصومون ))

 أحاديث كثيرة جداً، أراد النبي منها لمّ الشمل، ووحدة الأمة، والحفاظ على تماسكها.

التآلف بين الناس عمل أساسه الإخلاص و محبة الله :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ذروني ما تركتُكم، وَإِنَّمَا أهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم ))

[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]

 هناك أناس عندهم رغبة جامحة أن يأتي إلى قضية صغيرة في الدين, يجعلها مناط الخلاف، ويسأل، أحياناً طالب علم، يحضر مجلس علم، يسمع فكرة، يأتي إلى عالم آخر ما قولك في هذا الموضوع؟ يعطيه جواباً، يقول: فلان عكس ما قلت، أثار حفيظته، وقد يكون فهمه خاطئاً، فالإنسان يكون همزة وصل، لا همزة قطع، عندنا همزة وصل، وعندنا همزة قطع، المؤمن الصادق همزة وصل بين العلماء، أي يوجد أناس كثيرون جزاهم الله خيراً مهمتهم توفيقية، يقربون وجهات النظر، يؤلفون بين الدعاة، هذا عمل أساسه الإخلاص، أساسه محبة الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ذروني ما تركتُكم، وَإِنَّمَا أهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم، فإذا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ فائتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نهيتُكُمْ عن شيء فاجتنبوه ))

[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]

(( فإذا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ ))

 من الأعمال الصالحة طبعاً، ليس العبادات:

(( فائتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نهيتُكُمْ عن شيء فاجتنبوه ))

 الله عز وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء رحمةً بنا.
 كان سيدنا عمر مع أصحابه في سفر، فرأوا بركة ماء، طبعاً هم بأمس الحاجة إليها، فقال أحدهم لرجل إلى جانبها: يا صاحب هذه البركة، هل ترد السباع هذه البركة؟ فقال سيدنا عمر: يا صاحب هذه البركة لا تخبرنا.
 أي أنت لست مكلفاً، أنت تبيع صحوناً، الصحون ماذا ستفعل بها؟ هذا ليس عملك، يريد أن يفعل مشكلة، هذا صحن، يوضع فيه طعام، يوضع فيه لحم خنزير أيضاً، لست مكلفاً أن تحقق مع الناس، أما إذا كان البضاعة بالأصل محرمة فحرام أن تبيعها، أما بالأساس هي مباحة، تبيع صحناً، كأساً، فتدخل محققاً، تعمل وصياً على الناس، تعمل فرقة، لك قريب له دخلٌ حلال، ودخلٌ حرام، وزرته بالعيد، قدم لك فنجان قهوة، الآن يوجد أناس متشددون لدرجة منفرة، أخي هذا الفنجان أنا لا أشربه، لماذا؟ أنا لا أثق بدخلك، يمكن أن يطردك، ما دام الدخل مشتركاً فأنت معفو من ذلك، أما إذا أكل مالاً حراماً أمامك، الحرام الصرف، قال لك: كُلْ، تقول له: لا آكل، أما شخص له دخل، بعض دخله حلال، وبعضه فيه شبهة، أنت لست وصياً عليه، ولو ضيفك لك أن تأكل لتقريب وجهات النظر، للتعاون، أما لو رفضت أن تأكل عنده، وعرف السبب، صار هناك تمزق بالأسرة، أنت زره، واقبل ضيافته، وانصحه بالتسلسل.

المؤمن المخلص يؤثر مصلحة المسلمين على صالحه الشخصي :

 كما يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ستكون أحداثٌ، وفتنٌ، وفرقةٌ، واختلاف))

 هذا من إخبار الله له:

(( فإن استطعت أن تكون المظلوم لا الظالم فافعل ))

 أي الإنسان إذا ذهب شيء من حقه، لكن لم يظلم الناس فهو الأفضل:

(( ستكون أحداثٌ، وفتنٌ، وفرقةٌ، واختلاف، فإن استطعت أن تكون المظلوم لا الظالم فافعل ))

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإن كان عبداً حبشياً عضوا عليها بالنواجذ، فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد ))

[ أخرجه ابن ماجه والحاكم عن العرباض بن سارية ]

 المؤمن المخلص المحب لله ورسوله يؤثر مصلحة المسلمين عامةً على صالحه الشخصي، لذلك يسدد، ويقارب، يألف، ويؤلف، هذا الموقف المرن من المؤمن هو الذي يسبب اقتراب وجهات النظر، ووحدة الأمة، لكن إياكم أن تظنوا أن تكون مرناً على حساب دينك، هذا ما أردته أبداً، أن تكون مرناً على حساب عقيدتك، أن تكون مرناً على حساب منهج الله عز وجل، العقيدة الصحيحة قبل كل شيء، والاستقامة على منهج الله قبل كل شيء، وبعد ذلك يمكن أن نكون مرنين فيما لا يقدم ولا يؤخر، أي ممكن أن تنشب معارك بشرق آسيا، معارك بين المسلمين لطريقة رفع اليد أثناء الصلاة، معقول هذا الكلام؟! هذا ضيق أفق، وهذا حمق، وهذا من فعل الشيطان.

الانتماء إلى مجموع المؤمنين :

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الشيطان قد يَئِسَ أن يَعْبُدَهُ المصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ))

[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 فالإنسان المؤمن ينتمي لا إلى جامع محدد، لا ينتمي إلى مجموع المؤمنين:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات : 10 ]

 انتماؤك لا إلى مسجد، تحضر أنت في مسجد، وتحب أخوة هذا المسجد، وترتاح إلى هذا المسجد، وتطمئن إلى ما يقال في هذا المسجد، ولك ثقةٌ بورع من في المسجد، هذا كله على العين والرأس، لكن انتماءك لا إلى هذا المسجد، بل إلى مجموع المؤمنين، نحن في أمس الحاجة إلى هذه الأفكار، لا إلى أفكار تعمق الخلافات، وتثير الحفيظة، هذه أفكار من عمل الشيطان.

﴿ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

[ سورة القصص : 15 ]

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾

[ سورة المائدة : 91 ]

 هذا كلامٌ واضحٌ كالشمس:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾

  فالمؤمن سليم الصدر لكل المؤمنين، يصلي في أي مسجد، ووراء أي إمام، وينتمي إلى مجموع المؤمنين، ولا يفرق بين مؤمنٍ وآخر، إلا إذا كان هناك معصية طبعاً، إذا كان هناك عقيدة زائغة لا يسكت، هذا جزءٌ من إخلاصه لله، إذا كان هناك سلوك منحرف لا يسكت، أما العقيدة صحيحة والسلوك مستقيم، لكن هذا ليس من جماعتنا فخير إن شاء الله، هل أنت وصي؟ أنت لست وصياً، هذا الكلام يجب أن يكون عاماً، ونحن الآن في أمس الحاجة إلى هذه الأفكار التي تقرب، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من فرق ))

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الشورى : 14 ]

 وهناك آية أدق:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 159 ]

 أنت بريءٌ منهم يا محمد، بريءٌ من

﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً ﴾

 أي المؤمن يوالي كل المؤمنين، وينتمي لمجموع المؤمنين، ويحب كل المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، والمؤمن يتعلق بالجوهر لا بالشكل، نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، الصحابة وهم قمم المؤمنين فيما بينهم اختلفوا اختلافات بالفروع، الإمام الغزالي بالإحياء أثبت أن للصحابة آراء متضاربة أحياناً في بعض القضايا، فهذا لا يضيق.
 مرة النبي الكريم كان في سفر مع أصحابه في أيام الصيف، فبعضهم صام، وبعضهم أفطر في رمضان، فالذين صاموا ما أنكروا على الذين أفطروا.
 الآن إذا شخص صام نصف شعبان يصرع الدنيا، أخي صائم بنصف شعبان، أنت صمت اسكت، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر بعضهم على بعض، لا أنكر الصائمون على من أفطر، ولا أنكر المفطرون على من صام، بعضهم تابع صيامه، وبعضهم أفطر، والنبي معهم، لكن المفطرين حينما تعب الصائمون أراحوهم، ونصبوا الخيام، وأضرموا النار، وطبخوا الطعام، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ))

[ أخرجه مسلم وابن خزيمة عن أنس بن مالك ]

 أي كل إنسان له نيته، هذا أفطر، وخدم أخاه، الثاني صام، معقول الصائم مرتاح، جالس، يقومون بخدمته، ينكر على المفطر؟ هذه أيضاً رخصة، بعضهم أخذ بها وبعضهم لم يأخذ بها.
 لذلك الصحابة هكذا تعاملوا، تعاملوا بالتسامح، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، لعلك مخطئٌ وهو المصيب، فلا يوجد قاعدة قطعية ثابتة، لذلك كل إنسان يأخذ قضية فرعية يجعلها أصلاً في الدين، ويقيمها مناط اختلافٍ كبير، هذا إنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

  النبي يتبرأ منهم، فالإنسان إذا كان محباً لله ورسوله لا يعمق الخلافات بين العلماء إطلاقاً، بالعكس يقرب وجهات النظر.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS