17744
أحاديث رمضان 1416 - تفسير آيات - سورة البقرة - الدرس ( 35 - 50 ) : أنواع الاختلاف، ويأتي الاختلاف من نقص المعلومات.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، المسلم المخلص، الصادق يتألم أشد الألم لما يرى من اختلاف المسلمين، ومن تشرذمهم، ومن العداوات التي بينهم، فلو سألنا أنفسنا، يا ترى هل في القرآن الكريم آياتٌ تبين سبب هذا الاختلاف؟ الحقيقة أن في القرآن الكريم آيةً في سورة البقرة، تقول هذه الآية:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

[ سورة البقرة الآية 213 ]

 الناس جميعاً من جِبّلةٍ واحدة، ومن خصائص واحدة، ومن طبيعة واحدة، ومن بنية واحدة، ومن فطرة واحدة، الأصل هو الوحدة.

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 213 ]

 أول اختلافٍ بين الناس اختلافٌ طبيعي، سببه نقص المعلومات.
 كنا في العمرة، في مكة المكرمة تواردت أنباءٌ كثيرة أن في المدينة نوراً يسطع في السماء، وأنهم رأوا الكعبة في المدينة، وكلام من هذا القبيل لا ينتهي، لما انتقلت إلى المدينة، كنت أصلي صلاة المغرب في الحرم النبوي، وبين المغرب والعشاء كان هناك درس علم، فاستمعت إليه، قال العالم في نهاية الدرس: إن هذه النور الذي رأيتموه في السماء هو أشعة ليزر، يعني أريد أن يكون هناك نور يهتدي به كل من حول الحرم بخمس مئة كيلو متر، فكان هناك إشراقات، وتجليات، وأنوار ساطعة، ثم ظهر أن هذه أشعة ليزر، فلماذا اختلف الناس؟ لنقص المعلومات، فلما توضح الأمر انتهى الخلاف.
 فهناك خلافٌ طبيعيٌ بين الناس، لو أننا في يوم التاسع والعشرين، سمعنا مدفعاً ماذا نقول؟ غداً العيد، يقول لك آخر: لا، هناك شق طريقٍ في الجبل، هذه تفجيرات شق الطريق، اختلفنا، فإذا سمعنا في الإخبار أنه ثبت أن غداً أول أيام العيد انتهى الموضوع.
فأول خلافٍ بين البشر، خلاف نقص المعلومات، وهذا خلافٌ طبيعي لا شيء فيه، لا يمدح، ولا يذم، خلاف طبيعي، علاجه المعلومات الصحيح.
لذلك:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

 الأصل بنية واحدة، جِبّلة واحدة خصائص واحدة، طبيعة واحدة، فطرة واحدة، فاختلفوا:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

 الخلاف الثاني: جاء الوحي، نزل الكتاب، بعث الله النبيين، إلهٌ واحد، نبيُ واحد، كتابٌ واحد، أمور واضحة كالشمس، ومع ذلك اختلفوا، قال: هذا الاختلاف الثاني قذر اختلاف حسد، أول اختلاف اختلاف طبيعي، أما الثاني:

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 213 ]

 الخلاف الثاني خلاف الحسد، وسوء الأخلاق، والتعصب للذات، هذا الخلاف الثاني دوافعه لا أخلاقية:

﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 213

 هذا خلاف رقم ثلاثة، الآن ضمن جماعة الحق إنسان يرى أن أعظم عمل أن تؤلف القلوب، وأن تسلكهم إلى الله، إنسان يرى أن أعظم عمل أن تؤلف الكتب، إنسان يرى أن الفقه هو قوام الدين، إنسان يرى أن التفسير هو الأساس، إنسان يرى أن السيرة هي الأساس، إنسان يسلك طريق الدعوة بالطبقة العريضة من المجتمع، إنسان يختار فئةً قليلة، هذه اجتهادات كلها على العين والرأس، هذا خلاف محمود.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات ]

  إذا ضمن الحق الواحد، صار في منافسة، وكل إنسان اجتهد، ورأى الصواب فيما هو عليه، هذا خلاف محمود، صار في عندنا اختلاف طبيعي، سببه نقص المعلومات واختلاف قذر سببه الحسد، والبغضاء، والأنانية، وحب الذات، والتعصب للذات، واختلافٌ ثالث، سببه التنافس، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ لصلاة الليل يدعو، ويقول:

(( اللهم اهدني لمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإِذنِكَ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن عائشة أم المؤمنين ]

 فطبعاً الإنسان الحياة محدودة، والعمر قصير، قد يشغل نفسه بأشياء أقل جدوى من بعض الأشياء، قد يشغل نفسه بنشاطات ليس لها وزنٌ يوم القيامة، وزنٌ كبير، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن يهديه، وهو مع أهل الحق:

(( لمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإِذنِكَ ))

 فإذاً الاختلاف ثلاث أنواع، خلاف محمود خلاف التنافس، في الحق، وخلاف مذموم، اختلاف الحسد، والبغضاء، والأنانية، وحب الذات، واختلاف طبيعي سببه نقص المعلومات، أول خلاف يزول بالوحي، وثاني خلاف يزول بالتوبة، والاتصال بالله عز وجل وتهذيب النفس، والاختلاف الثالث يزول بالمدارسة، والمناقشة، فهذا ما في القرآن الكريم من موضوع الاختلاف، هناك إشارات دقيقة أخرى إلى موضوع الاختلاف، آيةٌ ثانية:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾

[ سورة البقرة ]

 يعني المحب لله، ورسوله لا يثير الاختلافات، البعيد عن الله هو الذي يكرس هذا الاختلاف، يعمقه، هو الذي يباعد ما بين الدعوات الإسلامية، هو الذي يعمق الخلاف بينها من خصائص الذي يثير قضايا الخلاف، من خصائص الذي يتعصب لجهةٍ على حساب جهات، من خصائص الذي يرفع أناساً على أنقاض الآخرين، أنه يشاقق الله ورسوله، لو أنه أحب الله ورسوله، لغلب صالح المؤمنين على صالحه الشخصي.
شيءٌ آخر في موضوع الاختلاف:

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 19 ]

 الحقيقة الإسلام واحد، الإله واحد، النبي واحد، الكتاب واحد، السنة واحدة، وتجد في العالم الإسلامي، وفي كل بلد إسلامي، وفي كل مدينة إسلامية، وفي كل حي، حتى في الجماعة الواحدة هناك أناسٌ يطعنون بأناس، وهناك أناسٌ يبخسون حق أناس، هذه أمراض نفسية، ينبغي أن نعافى منها، لا نعافى منها إلا بالإخلاص، والوعي، الوعي والإخلاص نعافى من هذه الأمراض.

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 الله جل جلاله عد هؤلاء الذين يعمقون الاختلافات بين المسلمين عد هؤلاء من الكفار:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 هؤلاء الذين يمزقون وحدة الأمة، يجعلونها أشلاء، يجعلونها فرقاً، وطوائف متعادية، متباغضة، قال:

﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

 آيةٌ أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

 يعني الله عز وجل بكل لحظة قادر أن يوضح الأمر، لكن يقسمهم، الإنسان له عند الله عمر لا ينقص، ولا يزيد، ولعل الله سبحانه وتعالى حينما يؤخر الفصل بين المختلفين يعطيهم فرصة ليتفقوا، إذا أخر الله الفصل القاطع بين المختلفين يعطيهم فرصةً ليتفقوا ليتعاونوا.
 الإمام الشافعي يقول: نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، الإمام الشافعي يقول: أنا حق، أنا على الحق، وخصمي على الباطل، وقد أكون مخطأً، وخصمي على الباطل، وأنا على الحق، وقد يكون مصيباً.
الإنسان يجب أن يتمتع بعقلٍ مفتوح، بعقلٍ يمكنه أن يفهم وجهة نظر الآخرين أما التعصب مقيت، والتعصب سبب التمزق، وسبب الضعف:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 46 ]

 الآن:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 لكن متى يحكم بينهم؟ يوم القيامة، وحينما يحكم بينهم بعد فوات الأوان، الذي على الحق إلى الجنة، والذي على الباطل إلى النار، فالعبرة أن تعرف الحق وأنت في الدنيا، لكن لابد من أن تعرف من أنت؟ وعلى أي شيءٍ أنت؟ وما تقييم عقيدتك؟ وما تقييم سلوكك؟ هذا يُعلم يوم القيامة قطعاً، لكنك عندئذٍ لا تنتفع بهذه المعلومات شيئاً، البطولة أن تعرف الحق وأنت في الحياة الدنيا.

﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة مريم ]

 هؤلاء المختلفون عند الله كفار.

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى الآية: 10 ]

 يعني الإنسان، الله عز وجل قال:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية: 59 ]

﴿ أُولِي الْأَمْرِ ﴾

  عند الإمام الشافعي هم العلماء، والأمراء، العلماء يعلمون أمر الله عز وجل، والأمراء مكلفون تنفيذه، إن اختلفتم مع هؤلاء، فالمرجعية إلى القرآن والسنة إن اختلفتم مع هؤلاء المرجعية إلى من؟ إلى الكتاب والسنة، يعني إلى الله، أي إلى قرآنه، إلى رسوله، أي إلى سنته، فالكتاب والسنة هما الحكم في كل قضية، وكل إنسان يرى شيئا مخالفاً لكتاب الله يعتقد عقيدةً، يسلك سلوكاً، يقف موقفاً، يخالف ما في الكتاب والسنة، فهذا ضالٌ مضلٌ بإجماع العلماء، وكل إنساناً يظهر له الحق، ولا يعمل به، ويأخذ به إنساناً بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء.
يقول الله عز وجل:

﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 فهؤلاء الذين يعمقون الاختلاف بين المؤمنين، مرةً جاءوا كفاراً، ومرةً جاءوا ظالمين، وهذا موضوع طويل، لكن نحن في أمس الحاجة تغليباً لمصلحة المسلمين العامة، إلى أن نلتقي، إلى أن نتعاون، إلى أن نتحابب، إلى أن يعذر بعضنا بعضاً، إلى أن نتفق على القواسم المشتركة، وأن نغض الطرف عن الخلافيات في الأمور الفرعية، أما أن نأتي بالأمور الفرعية، يعني ممكن تنشأ مشكلة كبيرة من مستوى وضع يد هنا، أم هنا معقول يعني، أعداءنا يكيدون لنا ليلاً ونهاراً، ونحن نُمزق من مكان وضع اليد، من طول الثوب مثلاً، من درجات المنبر، من كلمة تقال بعد الآذان، أيعقل أن يمزق المسلمون لهذه الأسباب؟ أيعقل أن يكون أحد العلماء الكبار عند أناسٍ سلطان العارفين، وعند أناسٍ الشيخ الأكفر، أيعقل هذا؟ أيرضي الله ورسوله هذا التمزق؟ وهذا التشرذم؟ وهذا التبعثر؟ هذه الطاقات حينما تصرف في الخلافيات تبدد طاقات الأمة، ماذا جاء في السنة؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبداً ويد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا السواد الأعظم ))

[ أخرجه الحاكم، عن: عبد الله بن عمر ]

(( لا يجمع الله أمتي على ضلالة ))

 كن مع المجموع، لا مع مجموع الناس، لا مع مجموع العلماء، في فرق كبير:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 116 ]

 لا تكن مع مجموع الناس، كن مع مجموع العلماء، كن مع الجمهور، مع الأكثرية لأنها لن تجتمع على باطل، هي مع الحق.
ويقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ في عليه إشكالٍ كثير، لكن ملخص هذا الحديث:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

 يعني اختلاف الأمة لا اختلاف تناقض، ولا اختلاف تضاد، إنما هو اختلاف تنوعٍ وغنى، إذا وجدت في القضية الواحدة مسائل كثيرة في الفقه، هذا من عظمة هذه الشريعة، لأنه في الإنسان ثوابت ومتغيرات، الثوابت تغطيها الآيات المحكمة، والمتغيرات تغطيها الآيات المتشابهة، الآيات المحكمة لا تحتمل اجتهاداً، والآيات المتشابهة مناط الاجتهاد والله سبحانه وتعالى جعل للمجتهد أجراً ولو أخطأ، وقبل أن نتعبده باجتهاد العلماء، فإذا الإنسان اجتهد وأخطأ له أجر، لا تنكر عليه، وأي اجتهاد غير يقيني، ظني الاجتهاد، فلذلك إن:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

بمعنى أنك إذا رأيت في القضية الواحدة مذاهب عديدة، آراء كثيرة، وكل إنسان معه دليل، والدليل قد يكون قوي، فهذا من غنى هذه الشريعة.
 يعني واحد مثلاً ساكن بريف مصر، سيدنا الشافعي سكن بريف مصر، أجاز أن تدفع الزكاة عيناً، والإمام أبو حنيفة سكن في البصرة، رأى أن تدفع الزكاة نقداً، طيب أنت الآن لو أعطيت إنسان في دمشق كيس قمح، كزكاة للمال، ماذا يفعل به؟ ساكن بقبو في أحد أحياء دمشق، أين سيغسله؟ وأين سينشره؟ وأين سيطحنه؟ وعند من سيخبزه؟ عبأ كبير، إن أعطيت هذا الكيس لإنسان يعيش في الريف، التنور أمامه، والطاحونة أمامه، هذا الكيس مونته خلال عام تقريباً، فلذلك فرقٌ كبير، أنت الآن ممكن تعطي إنسان قريب لست واثقاً من حكمته في الإنفاق، قد يدخن، وقد يشرب، إلى آخره، وله أطفال جياع، لك أن تعطيه زكاة مالك عيناً رز، وسكر، وحاجات أساسية، فالإسلام واسع، لو أنه ما غير دفع الزكاة نقداً، لهلك الناس الآن في كثير من إخوانا الأسواق واقفة كثيراً، يدفع زكاة ماله من بضاعته، إن كانت بضاعته أساسيةً عند الفقير، بضاعة أساسية تقبل زكاة ماله بضاعةً، عنده قماش، عنده أشياء، هذا الاختلاف اختلاف غنى، ليس اختلاف تناقض، ليس اختلاف ضعف، اختلاف غناً، وتنوع بينما الاختلاف المذموم، هو اختلاف التناقض، والتشرذم، إذاً:

(( اختلاف أمتي رحمة ))

 قال:

(( إنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قبلكم باختلافهم في الكتاب ))

[ أخرجه مسلم، عن: عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 حتى القرآن الكريم:

(( اقْرَءوا القرآن مَا اْئتَلَفتْ عليه قُلُوبُكُم، فإذَا اْختلَفْتُمْ فَقُومُوا عنه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم، عن: جندب بن عبد الله ]

 النبي قال لك:

(( صلِ وراء كل برٍ وفاجر ))

 إمامٌ تعلم علم اليقين أنه ليس مستقيماً، ليس لك حق أبداً في الشرع أن ترفض الصلاة وراءه، من أجل ماذا؟ من أجل وحدة المسلمين، قال النبي الكريم:

(( الصومُ يومَ تصومون ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 من أجل ماذا؟ من أجل وحدة المسلمين، هذا الشك، لا صيامنا صح، لا ما صح هذا ليس شغلك، أنت في بلد مسلم، في قاضي شرعي، في أناس مكلفون بتقصي الهلال وقالوا لك: أن يوم العيد يوم كذا، انتهى الأمر، عندنا كل سنة عي مرتين، أول يوم برمضان وأول يوم العيد، لا صح صيامنا، لا ما صح، السعودية فطرت، لا ما فطرت، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً:

(( الصومُ يومَ تصومون ))

 أحاديث كثيرة جداً، أراد النبي منها لم الشمل، ووحدة الأمة، والحفاظ على تماسكها يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ذروني ما تركتُكم، وَإِنَّمَا أهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم ))

[ أخرجه مسلم والنسائي، عن: أبو هريرة ]

 في أناس عندهم رغبة جامحة، أن يأتي إلى قضية صغيرة في الدين, يجعلها مناط الخلاف، ويسأل، أيام طالب علم، يحضر مجلس علم، يسمع فكرة، يأتي إلى عالم آخر ما قولك في هذا الموضوع؟ يعطيه جواب، قال فلان عكس ما قلت، أثار حفيظته، وقد يكون فهمه غلط فالإنسان يكون همزة وصل، لا همزة قطع، في عندنا همزة وصل، وعندنا همزة قطع، المؤمن الصادق همزة وصل بين العلماء، يعني في أناس كثيرون جزاهم الله خيراً مهمتهم توفيقية، يقربون وجهات النظر، يؤلفون بين الدعاة، هذا عمل أساسه الإخلاص، أساسه محبة الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ذروني ما تركتُكم، وَإِنَّمَا أهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم، فإذا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ فائتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نهيتُكُمْ عن شيء فاجتنبوه ))

[ أخرجه مسلم والنسائي، عن: أبو هريرة ]

(( فإذا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ ))

 من الأعمال الصالحة طبعاً، ليس العبادات:

(( فائتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نهيتُكُمْ عن شيء فاجتنبوه ))

الله عز وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء رحمةً بنا.
 كان سيدنا عمر مع أصحابه في سفر، فرأوا بركة ماء، طبعاً هم بأمس الحاجة إليها، فقال أحدهم لرجل إلى جانبها: يا صاحب هذه البركة، هل ترد السباع هذه البركة؟ فقال سيدنا عمر: يا صاحب هذه البركة، لا تخبرنا.
يعني ما لك مكلف، أنت تبيع صحون، أنت الصحون ماذا ستفعل بها؟ ليس عملك، يريد أن يفعل مشكلة، هذا صحن، يوضع فيه طعام يوضع فيه لحم خنزير أيضاً، لست مكلف أن تحقق مع الناس، أما إذا كان بضاعة بالأصل محرمة حرام أن تبيعها، أما بالأساس هي مباحة، تبيع صحن، كأس، فتدخل محقق، تعمل وصي على الناس، تعمل فرقة، لذلك العلماء إلك قريب له دخلٌ حلال، ودخلٌ حرام، وزرته بالعيد، قدم لك فنجان قهوة، الآن في أناس متشددون لدرجة منفرون، أخي هذا الفنجان لا أشربه أنا، لماذا؟ أنا ما لي ثقة من دخلك يمكن يطردك، ما دام الدخل مشترك معفو عن ذلك، أما إذا كان أكل مال حرام أمامك، الحرام الصرف، قال لك: كل، لا آكل، أما واحد له دخل، بعض دخله حلال، وبعضه في شبهة، أنت لست وصياً عليه، ولو ضيفك لك أن تأكل لتقريب وجهات النظر، للتعاون، أما لو رفضت أن تأكل عنده، وعرف السبب، صار في تمزق بالأسرة، أنت زوره، واقبل ضيافته، وانصحه بالتسلسل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ستكون أحداثٌ، وفتنٌ، وفرقةٌ، واختلاف))

 هذا من إخبار الله له:

(( فإن استطعت أن تكون المظلوم لا الظالم فافعل ))

 يعني الإنسان إذا ذهب شيء من حقه، لكن ما ظلم الناس هو الأفضل:

(( ستكون أحداثٌ، وفتنٌ، وفرقةٌ، واختلاف، فإن استطعت أن تكون المظلوم لا الظالم فافعل ))

ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ، فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد ))

[ أخرجه ابن ماجه والحاكم، عن: العرباض بن سارية ]

 المؤمن المخلص، المحب لله ورسوله يؤثر مصلحة المسلمين عامةً على صالحه الشخصي، لذلك يسدد، ويقارب، يألف، ويؤلف، هذا الموقف المرن من المؤمن هو الذي يسبب اقتراب وجهات النظر، ووحدة الأمة، لكن إياكم أن تظنوا أن تكون مرناً على حساب دينك هذا ما أردته أبداً، أن تكون مرناً على حساب عقيدتك، أن تكون مرناً على حساب منهج الله عز وجل، العقيدة الصحيحة قبل كل شيء، والاستقامة على منهج الله قبل كل شيء، وبعد ذلك يمكن أن نكون مرنين فيما لا يقدم ولا يؤخر، يعني ممكن أن تنشب معارك بشرق آسيا معارك بين المسلمين لطريقة رفع اليد أثناء الصلاة، معقول هذا الكلام؟! هذا ضيق أفق، وهذا حمق، وهذا من فعل الشيطان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الشيطان قد يَئِسَ أن يَعْبُدَهُ المصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ))

[ أخرجه مسلم، عن: جابر بن عبد الله ]

 فالإنسان المؤمن ينتمي لا إلى جامع محدد، لا ينتمي إلى مجموع المؤمنين:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10 ]

 انتمائك لا إلى مسجد، تحضر أنت في مسجد، وتحب إخوة هذا المسجد، وترتاح إلى هذا المسجد، وتطمئن إلى ما يقال في هذا المسجد، ولك ثقةٌ بورع من في المسجد، هذا كله على العين والرأس، لكن انتمائك لا إلى هذا المسجد، انتمائك إلى مجموع المؤمنين، نحن في أمس الحاجة إلى هذه الأفكار، لا إلى أفكار تعمق الخلافات، وتثير الحفيظة، هذه أفكار من عمل الشيطان.

﴿ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

[ سورة القصص ]

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 91 ]

 هذا كلامٌ واضحٌ كالشمس:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾

 فالمؤمن سليم الصدر لكل المؤمنين، بصلي في أي مسجد، ووراء أي إمام وينتمي إلى مجموع المؤمنين، ولا يفرق بين مؤمنٍ وآخر، إلا إذا في معصية طبعاً، إذا في عقيدة زائغة لا يسكت، هذا جزءٌ من إخلاصه لله، إذا في سلوك منحرف لا يسكت، أما العقيدة صحيحة والسلوك مستقيم، لكن ليس من جماعتنا هذا، خير إن شاء الله، أنت وصي أنت، لست وصي أنت، هذا الكلام يجب أن يكون عاماً، ونحن الآن في أمس الحاجة إلى هذه الأفكار التي تقرب، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من فرق ))

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الشورى الآية: 14 ]

 في آية أدق:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 159 ]

 أنت بريءٌ منهم يا محمد، بريءٌ من:

﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً ﴾

 يعني المؤمن يوالي كل المؤمنين، وينتمي لمجموع المؤمنين، ويحب كل المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، والمؤمن يتعلق بالجوهر لا بالشكل، نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، الصحابة وهو قيم المؤمنين، فيما بينهم اختلفوا اختلافات بالفروع، الإمام الغزالي بالإحياء أثبت أن للصحابة آراء متضاربة أحياناً في بعض القضايا، فهذا لا يضيق.
يعمي مرة النبي الكريم كان في سفر مع أصحابه في أيام الصيف، فبعضهم صام، وبعضهم أفطر في رمضان، فالذين صاموا ما أنكروا على الذين أفطروا.
 الآن إذا واحد صام نصف شعبان يصرع الدنيا، أخي صائم بنصف شعبان، أنت صمت اسكت، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر بعضهم على بعض، لا أنكر الصائمون على من أفطر، ولا أنكر المفطرون على من صام بعضهم تابع صيامه، وبعضهم أفطر، والنبي معهم، لكن المفطرين يعني حينما تعب الصائمون أراحوهم، ونصبوا الخيام وأضرموا النار، وطبخوا الطعام، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ))

[ أخرجه مسلم وابن خزيمة، عن: أنس بن مالك ]

يعني كل إنسان له نيته، هذا أفطر، وخدم أخوه، الثاني صام، معقول الصائم مرتاح، جالس يقوموا بخدمته، ينكر على المفطر كذلك، رخصة هذه، بعضهم أخذ بها وبعضهم لم يأخذ بها.
 فلذلك الصحابة هكذا تعاملوا، تعاملوا بالتسامح، كل واحد له، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، سبعين مرة ألتمس له عذر، لعلك مخطئٌ وهو المصيب، فما في قاعدة قطعية ثابتة، لذلك كل إنسان يأخذ قضية فرعية يجعلها أصل في الدين، ويقيمها مناط اختلافٍ كبير هذا إنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

  النبي يتبرأ منهم، فالإنسان إذا كان محباً لله ورسوله لا يعمق الخلافات بين العلماء إطلاقاً، بالعكس يقرب وجهات النظر.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS