8101
أحاديث رمضان 1419 - موضوعات إسلامية عامة - الدرس ( 20 - 26 ) : الابتلاء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-01-07
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سوئل مرة أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فلان مكّن في الأرض ، أي أعطي مال - قوة - وسامة.. فلان مبتلى بمرض - بفقر - بضيق - بهم - بحزن.. فسوئل الإمام الشافعي أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال رحمه اله تعالى: لن تمكّن قبل أن تبتلى ‍ فحياة المؤمن والله أعلم لا بد من أن تثير في مراحل ثلاث: مرحلة التأديب ، ومرحلة الابتلاء ، ومرحلة التكريم ، فالتأديب مع المخالفات ، والابتلاء مع الاستقامة ، والتكريم مع الصدق ، الإنسان إذا خالف يؤدب ، فإذا استقام ولم يكن صادقاً على الابتلاء لا ينجح ، أما إذا ابتلي فصبر ، وبقي ثابتاً الآن يكرم ، فحياة المؤمن بين التأديب والابتلاء والتكريم ، وقد تطول هذه المراحل وقد تكون متعاقبة ومتمايزة ومتداخلة.
الآن حينما يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

(سورة المؤمنون)


﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

(سورة الملك)

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)﴾

(سورة الكهف)

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾

(سورة العنكبوت)


﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾

(سورة آل عمران)

 آيات كثيرة جداً تؤكد أنه لا بد من أن تبتلى فإذا نجحت فزت ورب الكعبة ، النقطة هنا: إياك أن تتوهم أن يمكن أن تسير مصالحك المادية تماماً مع تطبيق أمر الله ، لا بد من أن تشعر أن هناك تضارب ، شيء مريح ، دخل كبير ، في شبهة ربوية ، لابد من أن يوضع الإنسان في خيار صعب ، إما أن يؤثر طاعة الله عز وجل ، وإما الدنيا ، لا يمكن أن ينجو إنسان قبل أن يبتلى.
أحياناً يخطب فتاة بارعة الجمال ليس فيها دين إطلاقاً ، وفتاة أقل جمالاً منها لكنها ديّنة، يدخل بصراع من أختار ؟ هل تؤثر الجمال على الدين ؟ أم الدين على الجمال ؟ أحياناً دخل كبير في شبهة ، ودخل محدود حلال.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 وطّن نفسك لا بد من أن تبتلى ، كل يوم في مالك في زواجك في عملك في إنفاقك ، والدتك وزوجتك هذا ابتلاء ، مصلحتك مع زوجتك ، والوالدة عبء عليك ، لا يوجد أم في الأرض تقول: الله يخفف عن هذا الابن لأرتاح منه أبداً ، الابن يقول: الله يخفف عن أمي وأبي ، يقولها الابن وإن لم يقلها بفمه يقولها بقلبه ،

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 تكلم ما شئت ، أعطي نفسك أي مكانة ، أعطي نفسك أعلى مرتبة ، لكن الله متكفل أن يضعك في حجمك الحقيقي ! بالتعبير الحديث بحجمك ، يضعك في ظرف ، أنا لا آخذ قرش حرام ، صح في مبلغ ألف أو ألفين ، أما مليون تعمل حسابك ماذا أفعل ؟ عندي أولاد أنا مثلي مثل هذه الناس كلها، سقطت بالامتحان !

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 تبتلى بكسب المال ، تبتلى بالمرأة ، تبتلى بالزوجة والأم ، تبتلى بإنفاق المال ، تبتلى أحياناً بزوجة إن أرضيتها عصيت الله ! وإن أطعت الله أغضبتها ! تختار أي هي الأسهل ؟ إنسان يعصي الله ويرضي زوجته ، سقط في الامتحان ، فيجب ان تشعر شعور ثابت أنك مبتلى دائماً ، ممتحن دائماً ، لكن أعلى أنواع الامتحان قاطبة أقول على الإطلاق امتحان سيدنا إبراهيم ، هذا الأمر غير مقبول لا عقلاً ولا فطرة إطلاقاً ابن كالزهرة في ريعان الشباب نبي كريم ابن أبو الأنبياء اذبح ابنك ! صعب تفسيرها ، أحياناً يكون الأمر الإلهي واضح ، فالإقبال على تنفيذ أمر واضح ، لك أجر ولكن أجر خفيف ، الله عز وجل يعطيك أوامر كثيرة فأكثر هذه الأوامر واضح جداً ثمراتها فإذا أقبلت على أمر واضح قطفت ثماره في الدنيا قبل الآخرة ، مستوى التعبد يضعف في هذا الأمر ، أما حينما تقبل على أمر لم تفهم حكمته أبداً ، وتقبل عليه طائعاً خاضعاً منصاعاً لأمر الله عز وجل مثل هذا الأمر يرقى بك عند الله ، لأنك حققت بهذا الأمر عبوديتك الكاملة لله عز وجل ، بالمناسبة العلماء قالوا: علة أي أمر أنه أمر ، أنا ذكرت لكم مرة أحد علماء دمشق الأفاضل وهو والله ذو باع طويل في الدعوة ذهب إلى أميركا والتقى برجل عالم أسلم حديثاً وانطرح موضوع لحم الخنزير ، فهذا الدكتور الدمشقي تحدث وأفاض ساعة وأكثر عن مضار لحم الخنزير ، والدودة الشريطية ، والعلاقة النفسية ، موضوعات طويلة تكلمها ، ماذا يأكل هذا الحيوان ؟ يأكل الجياء ، الدودة الشريطية ، نفسية آكل لحم الخنزير ، فبعد أن أطال وأفاض وأجاد وبين وفسر وعلق وأدلة ، فقال كلمة هذا الرجل الأميركي: كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرمه! الإجابة فيها تعبد عالي جداً ، أنت لاحظ نفسك أمام طبيب كبير جداً اختصاص وشهادات عليا ، وسمعة طيبة ، وتوفيق إلهي ، تدخل لعيادته يعطيك توجيهات لا يخطر ببالك ثانية تسأله عن تعليلها ، هذا ما قاله الطبيب ، بلا ملح ، والطعام بلا ملح غير مقبول ، لا يسأله ! أنت معقول أن تكون مستسلم لطبيب مع جبار السماوات والأرض سؤال وجواب ، لا تقبل أن تطبق شيء قبل أن تفهم حكمته ، إنك عندئذ تعبد ذاتك ولا تعبد الله !
مرة سمعت مقابلة مع أستاذ في الجامعة في بيروت ينام باكراً ويستيقظ باكراً ولا يدخن ، ويأكل قليلاً ويمشي كثيراً ، مستقيم وذكي جداً وجد سلامته في الدنيا أن ينام باكراً ويستيقظ باكراً وفي ترك التدخين ، وما إلى ذلك. حتى إذا اعتقد الإنسان أن الصيام صحي وصام فقط لأن الصيام صحي ما عبد الله ! مع ان الصيام فيه صحة بالغة ، لو أقبل على الصيام لأنه مفيد للجسم فقط ، هذا ما صام رمضان أبداً جعله وصفة طبية وليس عبادة ، حتى الأجانب الذين تعجبون بأخلاقهم أحياناً دقة مواعيدهم ، إتقان صنعتهم ، نوع من أنواع السلوك الذكي هم أدرى أن هذا لصالحهم ، أنا قلت مرة أن كل شيء وجدته في أميركا هو إسلامي ، لا لأنهم يعبدون الله بل لأنهم يعبدون الدولار من دون الله ! إذا كان جمع الأموال الطائلة يقتضي أن يصدقوا يصدقون ، صادقون لأنهم أغنياء فقط ، لذلك الحديث البارحة:

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لاَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

(ابن ماجة)

معنى ذلك أن كل سلوكهم الظاهري مصلحة ، يبدو أن مصلحتهم تقتضي أن يكونوا صالحين ، أما حينما يخلو بمحارم الله لا يخاف الله وحده.
 فيا أيها الأخوة: الإنسان إذا وطّن نفسه في امتحان وامتحن ونجح يشعر بسعادة كبيرة الله يمتحنك بالدخل القليل ممكن أن تمد يدك للحرام ؟ لكن لا يدوم أي امتحان ، يمتحنك ويريحك ، يمتحنك أحياناً بزوجة سيئة الله قادر على أن يصلحها لك قال تعالى:

﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

(سورة الأنبياء)

ماذا تفعل ؟ تنساق مع رغباتها الشريرة ؟ أم توقفها عند حدها ؟ يمتحنك أحياناً بشريك صعب ، أو بولد صعب تطلق له العنان ؟ أم تربيه قدر استطاعتك ؟
 فيا أيها الأخوة: وطنوا أنفسكم على أنه لابد أن نبتلى أو نمتحن ، وامتحانات ربنا عز وجل حاسمة ، يضعك في حجمك الصحيح ، قل ما شئت ، أعطي نفسك أية مكانة أردتها ، ارفع نفسك إلى أي مرتبة ، والله وحده يتولى أن يضعك في حجمك الحقيقي ، فلذلك الإنسان يكون دقيق وصادق مع نفسه ويوطن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، الله عز وجل يسعدك فيها بحكمته هو لا برأيك أنت ، لا تسعد بها كما تريد ، يتوهم الإنسان أن السعادة بالمال ، لا هذا خطأ ، قلت لكم سابقاً إذا حجب الله عنك رحمته ، وكنت في أعلى درجة من الغنى فأنت أشقى الناس ! وإذا أعطاك من رحمته لو أنك تعيش أخشن حياة أنت أسعد الناس ! هذه حقيقة.
 أخ من إخواننا الكرام قال: مفارقة بحياتي لا أنساها ما عشت ، دخلت على إنسان بالحريقة لم يذكر اسمه قال لي حجمه ست سبع آلاف مليون من أغنى أغنياء دمشق ! وفور دخولي إليه شكا لي همه وأنه يمل ومنزعج ولا يعجبه شيء لا بيته ولا أولاده ، وبلد ليس فيها البيع والشراء.. قال لي : يكتُّ قبرك من همومه ، قال: ذهبت من المحل جاءتني امرأة محجبة طالبة مساعدة ألف ليرة بالشهر ساكنة بداريا ، هو لديه اجتماع بداريا فذهب لهناك وأخبرهم أن هناك أخت وهذا عنوانها تحتاج لمساعدة ، فقالوا: فلنذهب إليها ونجري معها تحقيق قال: دخلنا لبيت تحت درج ، عبارة عن غرفة واحدة والمنافع تحت الدرج بيت متواضع جداً لكنه نظيف ، طرق الباب واستأذن سمح له بالدخول وزوجها في الداخل لكنه مريض وأولاد يرتدون ثياب نظيفة قال: شعرت إن في هذا البيت سعادة ونور ، قال له: خصص لها ألفين بالشهر ، قالت له: لا يكفيني ألف معاش زوجي يكفينا من الطعام والشراب ولكن ينقصنا أجرة البيت ! قال لي: أنا كدت أصعق ! معقول أن امرأة تسكن تحت درج مع زوجها منزل فيه نور وسعادة وسرور ! والذي يملك سبعة آلاف مليون أشقى الناس ! إذا لم يمنحك رحمته بأي وضع أنت أسعد الناس ! وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

(سورة النحل)

 بالمقابل قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

(سورة طه)

 إذا أمكن إنسان في الأرض يسعد وهو معرض فهذا القرآن ليس كلام الله مستحيل ! قال لنا

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

أحدهم سأل سؤال فضولي قال: فما بال الملوك ؟ لا مشكلة لهم أبداً ، والأغنياء ؟ فكان الجواب: ضيق القلب !
 أحياناً الإنسان يشعر بضيق يكاد ينتحر كل شيء عنده ، هو عدم وجود مشكلة بحياته أكبر مشكلة ! أن الإنسان مصمم بنيته لا نهاية ، إذا كانت أهدافه محددة كلها يمل ، أنا أكثر ما لفت نظري في بلاد الغرب الشذوذ ! لا سمح الله ولا قدر ، الشذوذ في بلاد المسلمين بالطبقة السفلى بالمجتمع ، هناك طبقة عليا حاكم ولاية ، رئيس بلدية ، صاحب معمل ضخم ، أنا أساساً قرأت بجريدة سورية يومية "تشرين" تصريح لوزير الصحة البريطاني قال: أنا شاذ جنسياً ، وزير صحة يحمل دكتوراه بالعلوم الإنسانية ، في مؤتمر صحفي قال: أنا شاذ ، ما السبب ؟ السبب هو السأم ليس له هدف كبير ، يسير في طريق مسدود ، إنسان بلا هدف وبلا قيم ، فهو شقي.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

(سورة طه)

 فيا أيها الأخوة: هذا الدرس موضوعه الابتلاء ، سيدنا إبراهيم امتحن أصعب وأكبر امتحان في تاريخ البشرية على ما أعتقد ! اذبح ابنك ! الابن غالي جداً.

﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾

(سورة الصافات)

 فنحن ليس عندنا ذبح أو غيره ولكن نرجوك أن تحضر الدرس ، وصلي الخمس أوقات ، واقرأ القرآن ، وغض بصرك ، نحن بالنسبة لنا شيء سهل جداً ، ومع ذلك يوجد تقصير ، والحمد لله رب العالمين.
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS