8469
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة آل عمران - الدرس ( 06 - 58 ) : الأمن والخوف.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المؤمنون: قضيةُ أن يمتلأَ القلبُ أمناً وإيماناً شيءٌ خطيرٌ جداً بل هوَ أثمنُ ثمرةٍ من ثِمار الإيمان، ذلكَ أنَّ الإنسانَ حينما يمتلئُ قلبُهُ أمناً يعيشُ حياةً سعيدة، وهذا الأمن الذي في القلب ينعكِسُ صحةً في الأعضاء، كلما تقدّمَ العِلمُ الطبي ظَهَرَ من خِلالِ تقدمِهِ أنَّ أكثرَ الأمراض إن لم نقُل كُلُها مبعثُها شِدّةٌ نفسيّة، الآن الشدّة النفسية وراء كُل الأمراض، وهذا الذي نسمعُهُ إنسان توفي فجأةً بأزمةٍ قلبيةٍ ضغطُ همٍ شديد، التوحيدُ والإيمان بالله يملأُ قلبَ الإنسانِ طُمأنينةً وأمناً وغِنىً والدليل قولُ اللهِ عزّ وجل:

﴿ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

(سورة الأنعام)

 يعني القلب إمّا أن يمتلئَ خوفاً وقلقاً وحِقداً وحسداً، هذهِ المشاعر المُمِضّة وراء الأمراض كُلِّها، بل إنَّ جهاز المناعة الذي هوَ الأصلُ في مكافحة الأمراض، جهاز المناعةِ المُكتسب هوَ موكلٌ إليه ضبط نمو الخلايا ومكافحة الأمراض الجرثومية، جهاز المناعة يقوى بالأمنِ والحُب ويُضعُفُ بالخوفِ والقلق، والإيمان يملأُ قلبَ الإنسانِ أمناً ويقيناً وسعادةً، والشِركُ يملأُ قلبَ الإنسانِ خوفاً والدليل هذه الآية:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾

(سورة آل عمران)

 إذاً القلب بالإيمان يمتلئ أمن وسلام، وبالكُفرِ يمتلئ خوفاً وقلقاً الأمن والسلام يُقوّي جهاز المناعة، جهاز المناعة يُكافح كُل الأمراض، الذي هوَ عليهِ العلم الآن أنَّ إنسان قليل العناية بصحتِهِ وهذا خطأ لكن إيمانُهُ قوي، هذا أقوى على المرض من إنسان، يعتني بصحتِهِ لكن شِدّتُهُ النفسيّةُ عاليةٌ جداً، الشِدّة النفسيّة تُضعف جهاز المناعة، الآن يرتبط الإيمان بالعلم، يعني أنتَ بالتوحيد صحيح الجسم، وبالشِرك ضعيف الجسم
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
 تصوّر إنسان علاقتُهُ مع مائة جهة وهذهِ الجهات لها الظاهر وليسَ لها الباطن، قد تكونُ صادقاً فيُكذِبوك، وقد تكونُ أميناً فيُخوّنوك، ولا تملك الحُجة الكافية، لا تملك أن تُقنِعَهُم، أمّا إذا كانت علاقتُكَ مع اللهِ وحدَهُ يعلمُ كُلَّ شيء،لا يحتاج إلى قسم ولا يمين ولا حسابات ولا أي شيء، يعلمُ كُلَّ شيء لا تخفى عليهِ خافية، فأنتَ حينما تكونُ علاقتُكَ مع اللهِ وحدَهُ، جعلتَ الهمومَ همّاً واحداً فكفاكَ اللهُ الهمومَ كُلَها، عَمِلتَ لِوجهٍ واحدٍ فكفاكَ اللهُ الوجوهَ كُلَها، والتوحيد هوَ قِمّةُ الإيمان أن لا ترى مع اللهِ أحداً، أن ترى أنَّ يدَ اللهِ وراءَ كُلِّ حدث، هذا التوحيد، وإله عادل، حكيم، رحيم، أنا عليِّ أن أُطيعَهُ، انظر لهذا الموقف ما أروعُهُ، أنا عليَّ أن أُطيعَهُ وانتهى الأمر والباقي عليه، يعني لم يعُد هناك هذا الضغط النفسي، أمّا حينما تغيبُ هذهِ الحقيقةُ عن الإنسان، في عندهُ مليون مشكلة ولا يملِكُ حلاً لها، ضغط داخلي من البيت، وضغط خارجي، وضغط عام، الإنسان لَهُ أعصاب، وقالوا: ضغطُ الدم من ضغطِ الهم، كُلما ازداد ضغطُ الهم ارتفع ضغط الدم، هذا نُسميه الضغط العصبي، في ضغط وِعائي وضغط عصبي، الوعائي فيهِ تضيّق بالشرايين أمّا العصبي هم، همٌ وحدَهُ يرفعُ الضغط، يعني أنا أردت من هذهِ الآية أن أُبيّن لكم علاقة الإيمان والتوحيد بالصحة وعلاقة الشِرك والقلق بالمرض، آيةٌ ثانية: أولاً يعني أنا هذهِ الآية يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)﴾

(سورة آل عمران)

 أنتَ حينما تعتقد أنَّ كُلَّ شيءٍ أصابَكَ أو أنَّ كُلَّ شيءٍ وَقَعَ في الأرض، حروب، زلازل، فيضانات، أعاصير، جفاف، ضيق الدخل، اتساع المصروف، كُلُّ شيءٍ وَقَعَ بإذنِ الله لأنّهُ لا يُمكن أن يَقَعَ في مُلكِ اللهِ ما لم يُرِد، قد تغيبُ هذهِ الحقيقةُ عن الناس فيقعونَ في همٍ شديد: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، لِكُلِّ شيءٍ حقيقة وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يعلم أنَّ ما أصابَهُ لم يكُن ليُخطِئَهُ، وما أخطَأَهُ لم يكُن ليُصيبَهُ: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، كُلُّ شيءٍ وَقَعَ أرادّهُ الله، وكُلُ شيءٍ أرادَهُ الله وَقَع، لماذا فَعَلَ اللهُ هذا، قال: فَبِإِذْنِ اللَّهِ سَمَحَ اللهُ بِهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أنتَ في دار امتحان، أنتَ في دار ابتلاء، أنتَ مُبتلى في أُعطيت مُبتلى فيما مُنِعت، مُبتلى في كُلِّ ساعة، الابتلاء امتحان، أعطاك المال ماذا فَعَلتَ بِهِ، حَرَمَكَ مِنهُ ماذا قُلت، أعطاكَ الزواج ماذا فَعَلتَ، مَنَعَكَ من الزواج ماذا فعلت، أعطاك الصحة ماذا فَعَلتَ بِهِا، مَنَعَ عنكَ الصحة ماذا فعلتَ في المرض، فأنتَ مُبتلى وهذا سُنّةُ اللهِ في خلقِهِ:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

(سورة المؤمنون)

 لذلك:

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)﴾

(سورة آل عمران)

 نحنا في عنّا بالدين شيء اسمُهُ نسبيّة، نحنا طِباع البشر الإنسان إمّا أن تجعَلَهُ في أعلى علين أو أن تُسقِطَهُ في أسفل سافلين، لا يُوجد عندك حل وسط، إذا إنسان خالَفكَ بالرأي أهدرتَ كرامَتَهُ كُلّها، إنسان سيئ تقول، أمّا ربنا عزّ وجل: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ، يعني يوجد بين الأبيض والأسود مائة مليون لون بينهُما فأنتَ كُلما اقتربتَ للإيمان تُعطي حُكم موضوعي وحُكم مُعتدل، لا تُبالغ، لا تُهدر كرامة عدوّك لأنّهُ خالَفَكَ بالرأي، ولا تقوم بتأليه الذي تعتقدُ بِهِ، كُل إنسان أعطِهِ حقُهُ، الحُكم الموضوعي جُزء من الدين والمبالغة والانتقاص من قدر الآخرين، وتعظيمُهم فوقَ الحدِ المعقول هذا مُخالِفٌ للشرع، واحد خطب أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاءَ اللهُ وشِئت، فقالَ النبيُ الكريم: بِئسَ الخطيبُ أنت جعلتني للهِ ندّاً، قُل ما شاءَ اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن.
يعني لي سؤال عِندكُم: كُلُكم يعلم أنَّ النبي عليهِ الصلاة والسلام معصومٌ عن الخطأ بأقوالِهِ وأفعالِهِ وإقرارِهِ، عَصَمَهُ الله لِذلك أمَرنا أن نُطيعَهُ:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

(سورة المائدة الآية92)

 ولكن أنا أعتقد أنَّ هناكَ إنسان آخر لا يغلط غير النبي من يعرِفُ هذا الإنسان ؟ الذي لا يعمل شيء، جالس مرتاح لم يُقدّم شيء للمسلمين فقط ينتقد المُسلمين، لا يوجد موقف أقل في نظر الناس أقل من هذا الموقف، لا يُقدّم شيء أبداً، لا يُقدّم شيء من مالِهِ، ولا من جُهدِهِ، ولا من طاقتِهِ، ولا من علمِهِ، ولا يحمل هم أحد، أمّا جالس نقّاد لاذع، قنّاص، كُلما سَمِعَ عن إنسان يطعن، يطعن بِعلمِهِ، يطعن بأخلاقِهِ، يطعن بنزاهَتِهِ، قضية سهلة جداً هذهِ، هوَ لا يُخطئ لأنّهُ لا يعمل، من لا يعمل لا يُخطئ، لم يُقدّم شيء حتى يُخطئ، إذا الإنسان أخطأ دليل أنّهُ يعمل، أنتَ اسأل نفسُكَ هذا السؤال ماذا قدّمتَ للمسلمين، قبلَ أن تنتقد، كُنت مرة في جلسة جرى نقد.. توقفوا.. يجبُ أن نغيبُ عن بعضِنا أسبوعاً وليفعل كُلُّ منكم في هذا الأسبوع شيئاً للمسلمين وليُحدِثنا بِهِ قبلَ أن تنتقد أحد، قبلَ أن تنتقد، وقبلَ أن تُعلّق، وقبلَ أن تقتنص، أنتَ ماذا قدمت، فُلان قدّم وأخطأ، قدّم شيء ثمين وفي خطأ عنده، أنتَ ماذا قدمت، لذلك:

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)﴾

(سورة آل عمران)

 قالوا وقَعَدوا، دائماً إيّاكَ أن تشكي همّكَ لِكافر يشمتُ بِكَ، من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله،
الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
 أنتَ أقرضت إنسان مبلغ والإنسان ماطل في الدفع، تحدثت لصديق قاعد " ألم أقُل لك ليسَ لكَ مصلحة " هذهِ سهلة، سهل ألاّ تُقرض إنسان وألاّ تعاون إنسان، سهلة جداً، تبقى أنتَ فعلاً سليم، وكلمّا إنسان تورّط وبنيّة صالحة أحب أن يخدِم ووقع في مشكلة " ألم أقل لكَ لا تفعل هكذا، لم تسمع كلامي " يشمت بِهِ، هوَ لِمَ لم يُخطئ، لأنّهُ لم يفعل شيء، هوَ لم يُخاطر بشيء، ولم يُغامر بشيء، هو مرتاح، فهذا النموذج الذي لا يُقدّمُ شيئاً، ويقنُصُ الناسَ ويُخطِئُهُم، ويشمتُ بِهم، هذا إنسان ساقِطٌ من عينِ الله عزّ وجل:
الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
عندما الإمام الشافعي سُئِل: " ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين قالَ لم تُمكّنَ قبلَ أن تُبتلى "، لعلّهُ أخذها من هذهِ الآية:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

(سورة آل عمران الآية 179)

 يعني أشدُّ أنواعِ النفي في اللغة أن تقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ، لكَ أن تنفي الفعل والإرادة والرغبة، ما كانَ ليَ أن أكذب يعني أنا لا أكذب ولا أُحبُ الكذب، ولا أُقِرُّ الكذب، ولا أحفلُ بالكذب، ولا أُصدِقُ الكاذب، وأحتقِرُ الكاذب، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، الآن أنتَ أثناء العام الدراسي كُل الطلاب يرتدون لِباس موّحد ودخلوا الساعة الثامنة وخرجوا الساعة الواحدة، متشابهون لكن ما الذي يُميّزُهُم، الامتحان، يوجد هناك في العالم مدرسة بِلا امتحان هل هناك جامعة من دون امتحان، الامتحان يقوم بفرز الطلاب، ناجح وراسب، والناجحين أوائل - وسط - نجاح مقبول، والراسبين رسوب بجدارة واستحقاق ورسوب على حواف النجاح، تُفرز الناس، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، فأنتَ وطّن نفسَكَ فاللهُ يقوم بامتحانك، قُل ما شئت، اللهُ متكفّل أن يكشَفَ حقيقتَكَ للناس، تُسمى هذهِ عملية تحجيم، أنتُ قُل أنا لا يوجد أفضل مني، اللهُ عزّ وجل يَضَعُكَ في ظرفٍ دقيق جداً تُكشَفُ حقيقةُ الإنسان، قالوا المصائِبُ مِحكُ الرجال، المِحك كان إذا في قطعة ذهبية أساسُها نُحاس مطلية بالذهب يأتي بائِعُ الذهب بآلة اسمُها المِحك ويضع خط على هذهِ القطعة فإذا ظَهَرَ خط أبيض معناها نُحاس مطلي ذهب
 الآن في قُدرة عِندَ الإنسان أن يبدوَ بحجمٍ أكبَرَ من حجمِهِ، في قُدرة أن يَجُرَ الثناءَ لَهُ ولو لم يفعل شيئاً، هذا لا يخفى على الله، أنتَ ممكن أن تُقيم وليمة وتدعي الناس لها وتُظهر كرمك ومن ثُمَّ تحسِبُها على واحد آخر، ممكن، أنا سمعت عن إنسان غني كبير توفي أخوه وترك خمس أيتام، عمل طعام و دعى الناس وتصدّرَ المجلس وتفضلوا كلوا وبعد ثلاث أيام وضع على أهلِهِ 6000 ليرة وليمة، على الفقراء، على الأيتام، فأنتَ تستطيع أن تعمل عمل ويُجيّر لكَ وهوَ ليسَ من فِعلك، يعني أي عملية تُريد بِها أن تَجُرَّ الثناء لِنفسِكَ دونَ أن تفعلَ شيئاً اللهُ كاشِفُها، هذا معنى قولِهِ تعالى:

﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)﴾

(سورة آل عمران)

 كثير في أشخاص يدخلون في معمعة ويأخذ النصيب الأكبر وهوَ لم يُقدّم شيء لكن يكون ذكي جداً، يعني يقوم بإشارة إشارات لطيفة " يعني تعبنا شو بدنا نساوي وجهد مُقِل "، هذا كُلُه ليسَ عملك، هذا عمل غيرك، فيقوم بتجيير أعمال الناس لَهُ بأسلوب ذكي ويأخذ سمعة كبيرة، هذهِ اسمُها قدُرة أن تبدو بحجمٍ أكبر من حجمِك، هذهِ عِندَ الله مكشوفة، وسوفَ يُحبِطُ عملَهُ ويكشِفُ حقيقتَهُ للناس، يُقاسُ عليها إنسان يأخذ موضوع بكامِلِهِ يُجيّرُهُ لَهُ، يعني هذهِ عملية سرقة وفي أمانة علمية وفي بعض الأحكام الشرعية حتى الأعمال العلمية هذه لها مُلكية فأنتَ أن تعتدي عليها وأن تُجيَرها لِنفسِك هذا أيضاً مكشوفٌ عِندَ اللهِ عزّ وجل.
النقطة الدقيقة لعلّي ذكرتُها البارحة _أنَّ أموال الأيتام قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾

(سورة النساء الآية 5)

 يعني المال قِوام الحياة، يجب أن يُرشّد في إنفاقُهُ، وأي إنفاق يعني أنا في السفرة الأخيرة دُعيت عدة دعوات فالطعام الذي تبقّى وُضِع في عُلب وأخذهُ صاحِبُ الدعوة، يعني شعرت براحة ليسَ لها حدود أنَّ هذا طعام، تناولنا ربع الطعام، طيب ماذا نفعل بهذا الطعام، كُلُهُ مجمّع في عُلب أنيقة ويُعطى لِصاحب الدعوة معنى المال قِوام الحياة، نحنُ في عادات غير مقبولة عِندَ المسلمين أنّهُ ما زادَ من الطعام يُلقى في المُهملات هذا شيء يندى لَهُ الجبين، فالمال قِوام الحياة، عندما تُنفق خمسين ألف بدون طعمة، تسمع أيام مثلاً مليونين ورد بعقد قِران، مليونين ورد، طيب المليونين تقوم بحل مشكلة كم شاب، في إنسان يتزوّج بمائة ألف، معنى ذلك عشرين شاب قُمت بتزويجهم، عشرين إنسان أصبحَ له بيت، أخذ بيت صغير، غرفة واحدة، وأخذ سرير وأخذ خزانة ومطبخ صغير، أصبح زوج عندهُ زوجة، قُمت بجبر خاطر عشرين بنت وعشرين شاب، فقط لكي يوضع الورد ساعة ثمَ على المهملات، فموضوع المال دقيق جداً، يجب أن تعلم المؤمن الصادق لا يوجد عِندَهُ إسراف أبداً، لأنَّ الإسراف إتلاف للمال والمال قِوام الحياة، تجد إنسان بدون عمل قُم بتأمين مبلغ عشرة آلاف في الشهر أو ثمانية آلاف تجده انتعش، استأجر بيت خارج دمشق وقام بتأسيسِهِ تأسيس بسيط وصارَ لَهُ زوجة، أنتَ أحييت أُسرة، كم مبلغ من المال يُنفق هدراً بِلا فائدة، لذلك: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ، من هوَ السفيه ؟ الذي يُنفِقُ مالَهُ جُزافاً من دونِ حِكمة الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا، إنسان بدخل يفتح بيت يؤسس أسرة، يتزوّج، بدخل محدود.
في عنّا قاعدة: دخلت أنتَ إلى بيت وجدت فيه كأس ماء، أنت استنبطت أنّهُ ماءٌ طاهر أردتَ أن تشرَبَهُ، قال لكَ صاحِبُ البيت هذا ماءٌ غيرُ طاهر، أيُهُما أقوى ؟ استنباطُك أم تصريحُ صاحِبِ البيت، التصريح، في قاعدة أصولية الاستنباط يسقط بالتصريح فالإنسان يستنبط أيام عن الله شيء غير صحيح أنَّ هؤلاء الناس كُلُهم معذبين، الله لم يُعطينا، للعذاب خلقنا، يقولُ لك سبحانَ الله مخلوقين للعذاب، ماذا قال الله:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

(سورة النساء)

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾

(سورة النساء الآية 28)

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

(سورة هود الآية119)

 إذا كان إيمانُكَ بهذا القرآن حقيقي، إيمان أُصولي أنّهُ كلام الله فاللهُ يقولُ في هذا القرآن أنّهُ يُريدُ أن يتوبَ علينا: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا، هذا كلامُ اللهُ، يُريدُ أن يُبيّنَ لنا، يُريدُ أن يُخففَ عنّا، هذهِ كُلُها بالنساء في أربع أو خمس آيات وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، يُريدُ أن يغفِرَ لنا لذلك العلماء قالوا: " ما أمرنا أن ندعوه إلا ليُجيبنا، وما أمرنا أن نستعينَ بِهِ إلا ليُعيننا، وما أمرنا أن نستغفِرَهُ إلا ليغفِرَ لنا، وما أمرنا أن نتوبَ إلا ليتوبَ علينا " هكذا، فأنتَ دعكَ مما يقولُهُ الناس، والناسُ دائماً حينما يتعرّفونَ إلى الله من خلالِ أفعالِهِ هذا طريق فيهِ ألغام كثيرة جداً، ليسَ لكَ علمٌ كعلمِ الله، يعني واللهِ أنا في سفرتي الأخيرة سمعت إنسان تحدّث عن بلد إسلامي، قال واللهِ هذا البلد يعني ذاق من الآلام والمآسي ما لم يذُقهُ العالم الإسلامي في عِقدٍ من الزمن كلام مؤلم جداً، ثمَّ قال: لكنّهُ والله قَفَزَ قفزةً في دينِهِ لا يقفِزُها في ثلاثمائة عام، سبحان الله أنا شعرت أنَّ هذهِ المصائب التي تنزل بالبلاد أحياناً هي مزعجةً جداً، مؤلمة جداً، لكن قد يكون فيها الخير الكبير، مجتمع شَرَدَ عن الله شرود بعيد جداً، غارق في الخمر وفي المعاصي والآثام، فهذهِ الشّدّة الشديدة التي لا يحتملُها الإنسان وهذا معنى قولِهِ تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

(سورة البقرة الآية286)

 يعني أعلى راتب بهذا البلد الإسلامي يساوي كرتونة بيض فقط كيف يأكلون، في انحصار، كيف يشربون، الأطفال يموتون، قال شدائد نزلت بهذا البلد لم تنزل في العالم الإسلامي كُلِهِ في عِقدٍ من الزمن قال واللهِ قَفَزَ إيمانُهُ ومعرِفَتُهُ بالله ودينُهُ مالا يكونُ هذا في ثلاثمائة عام، لأنهُ في حِكمة إلهية فأنتَ عليك أن تُطيعَ الله عزّ وجل وعلى الله الباقي:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

(سورة الزُمر)

 دائماً العملية الجراحية مُتعبة، فيها تخدير، وفيها فتح بطن، وفيها ترميم، وفيها خياطة، وفيها آلام، لأنهُ في مرض شديد فإذا إنسان شَرَدَ عن الله شروداً كبيراً هناك مصائب قد لا يحتملُها سوفَ تُساقُ إليه حتى يتوب لأنّهُ أنتَ مطلوب، كُل إنسان مطلوب كائناً من كان، مهما كان شارد مطلوب للرحمة، مخلوق للجنة أنتَ ولستَ مخلوق للدُنيا، فنحنُ من ضيق أُفقُنا وقِصر نظرُنا نرى أنَّ الدُنيا إذا اهتزّت أو سُحِب من تحتِنا البِساط فقد جاءتنا مصيبةُ المصائب.. لا.. المصيبة من لم تُحدث المصيبة في نفسِهِ موعظةً فمصيبتُهُ في نفسِهِ أكبر، وهذا استنبطُهُ من قولِهِ تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، هذهِ مشيئةُ الله، فكُل ما يسوقُهُ لنا، الآن هذا الجفاف، يعني الجفاف تقنين عجز.. مستحيل، تقنين بُخل.. مستحيل، أنا قرأت في سفرة سابقة أنّهُ في سحابة اكتشفت في الفضاء يُمكن أن تملأ المحيطات كُلُها في الأرض ستون مرة في الأربع والعشرين ساعة من المياه العذبة، لا تقنين عجز ولا تقنين بُخل، تقنين تأديب، فادعوا الله عزّ وجل، أنا أُضيف للدعاء، يجب أن أُضيف إلى صلاة الاستسقاء التي كانت رائعةً جداً.. هكذا بلغني في غيبتي.. نُريد أن نُضيف مع صلاة الاستسقاء: أن نُطهِّرَ بيوتنا من المعاصي والآثام وأن نُطهِّرَ أعمالنا من المعاصي والآثام، يعني أستاذ عاقب طالب لأنّهُ كسلان فقدّمَ لهُ كتاب لطيف ورجاه ولكن بقي كسلان ولم يُصحح شيء من كسلِهِ، العبرة أن يُغيّر من سلوكِهِ، فإذا نحنا غيّرنا سلوكنا جميعاً لعلَّ اللهَ عزّ وجل يرحمُنا، والأمر واللهِ خطير جداً، واللهِ الأمر خطير جداً جداً جداً الجفاف يعني وصل لدرجة غير معقولة فادعوا اللهَ عزّ وجل وأزيلوا كُلَّ المعاصي والآثام من بيوتِكُم ومن أعمالِكُم وعلى الله الباقي.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS