4930
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة الأعراف - الدرس ( 15 - 58 ) : رحمة الله.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-16
بسم الله الرحمن الرحيم


 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام... ربنا جل جلاله يُخاطبنا بطريقةٍ نفهما، فقال:

﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾

( سورة البقرة: من آية " 156 " )

 الله عزَّ وجل لا يَكْتُب، والكتابة من صفات البَشر، ولكن لأن الإنسان حينما يكون في حالةٍ صعبةٍ ومعه عقد مكتوب يطمئن، فالكتابة هذه لغتنا، نحن إذا اتفقنا اتفاقاً شفهياً، ثم ثبَّتناه كتابةً، هذا التثبيت يطمئننا، فربنا عزَّ وجل طمأننا أن رحمته كتبها للذين آمنوا، ومن هذا القبيل آياتٌ كثيرة، مثلاً:

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)﴾

( سورة يس )

 كن فيكون في ثلاث ثوان، بينما بين الأمر وتنفيذه الزمن معدوم، أيضاً (كن فيكون) تقريبٌ لنا، فربنا عزَّ وطل يطمئن عباده: أن هذا الذي يتقي، ويستقيم كُتِبَت له الرحمة، ومعنى كُتِبَت أنها ثابتةٌ له، من دون شك.
شيءٌ آخر: الشهوات قيود أغلال، والإنسان إما أن يكون عبداً أو أن يكون حراً، فـ.

(( تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم ـ وتعس عبد البطن ـ وعبد الخميصة ـ أي الثياب ـ ))

( من الدر المنثور: عن " أبي هريرة " )

 طبعاً بالمقابل سَعِدَ عبد الله عزَّ وجل، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 157 " )

 وهذه الحقيقة لا يعرفُها إلا من ذاقَها، إلا من كان مُثْقَلاً في الجاهلية بشهواتٍ تُقَيِّدُهُ، فلما اصطلح مع الله عزَّ وجل شعر بحريةٍ ما بعدها حرية، شعر بخفةٍ، كل هذه القيود تخلَّص منها، والمؤمن ميزته أنه حُر لا توجد شهوة تقيِّده، هو خاضعٌ لأمر الله عزَّ وجل، فهذا الشعور أنه ليس مقيداً بغُلٍ يقيّد حركته هو مع الله دائماً..

﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)﴾

 الاستسقاء شيء قديم، سيدنا موسى استسقى ربه، استسقاه ربه فاستسقى ربه، أي طلب السُقيَ من الله، ورد ببعض الآثار أن هذا النبي الكريم عندما استسقى ربه قال: " يا موسى إن فيكم عاصياً ". فالمعصية تمنع رحمة الله عزَّ وجل. فقال موسى: " من كان عاصياً لله فليغادرنا " ثم نزلت الأمطار كأفواه القُرَب ولم يُغادر أحد، هكذا يروي الأثر القدسي أن " يا رب من هذا الذي كان يعصيك ؟ " فقال الله له: " عجبت لك يا موسى أستره عاصياً وأفضحه تائباً ".
 يبدو أنه قد تاب، وهذا درسٌ بليغٌ لنا، إن أردنا رحمة الله عزَّ وجل لا ينبغي أن نكتفي بالدُعاء، لا. كما ورد في الدعوة إلى صلاة الاستسقاء: ينبغي أن نرد المظالم إلى أهلها، ينبغي أن نزيل المُنكرات من بيوتنا، ينبغي أن نطبِّق شرع الله في أعمالنا، فالدعاء وحده لا يكفي، لكي لا يفاجأ الإنسان أن دعونا ولم يستجب لنا، لابدَّ من أن يرافق الدعاء استجابةٌ لله عزَّ وجل، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

( سورة غافر: من آية " 60 " )

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

( سورة البقرة )

 إلى الدُعاء المُستجاب

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

 فالموضوع دقيق. الله عزَّ وجل ثبَّت أشياء كثيرة وحرَّك أشياء كثيرة، فهناك ملايين الأمور مثبَّتة، كدورة الأفلاك، نحن لا يوجد لدينا دعاء شروق، أن يوم من الأيام لا توجد شمس، يا رب نريد الشمس، الشمس ثابتة، ثبتناها لك، القمر ثابت، نظام الليل والنهار ثابت، الشمس والقمر ثابتان، خصائص المواد ثابتة، آلاف الأشياء كله مثبت، لكنه حرَّك الرزق، وإن كان المطر مبنية على علم دقيق جداً لكن مفتاح التشغيل بيد الله عزَّ وجل، فقد يسوق مطراً إلى أُناسٍ فيموتون غَرَقاً، وقد يحجبها عن أناس فيموتون عطشاً، فالرزق ؛ رزق محرَّك، فالذي ثبته لاستقرار النظام في الأرض، والذي حركه لتربية الناس، فنحن نُرَبَّى بالرزق، والدليل:

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

( سورة الجن )

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 96 " )

 وقد يُحرم المرء بعضَ الرزق بالمعصية، فالرزق ليس ثابتاً بل هو مُحَرَّك، يحرِّكه الله كيف يشاء، لعله يجعله أحياناً أداة عقاب، أو أداة مكافأة.
 هناك مقولة بين الناس شائعة ليس لها أصل أن: " الرحمة خاصة والبلاء يَعُمّ ". البلاء يعم هذا الشيء يتنافى مع قوله تعالى:

﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

( سورة الأنعام: من آية " 164 " )

 ليس من العدل أن يساق الناس جميعاً بعقابٍ واحد إذا كان فيهم طائعٌ، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾

 الآية واضحة، الذي ينهى عن السوء يُنَجِّيه الله عزَّ وجل، والذي وقع في الحرام يؤخذ بعذابٍ بئيس، أما أن يكون البلاء هكذا يعم ؟ لعل المعنى مقصود من قوله تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾

( سورة الأنفال: من آية " 25 " )

 هذا المعنى دقيق، الذين ظلموا منكم خاصة أي الإنسان إذا عرف الحق ولم يأمر به، هو مستقيم لكن ما أمر بالمعروف، ولا نهى عن المُنكر، هذا ذنبه، لذلك:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)﴾

( سورة هود )

الصالحون يُهْلَكون، أما المصلحون ينجّيهم الله عزَّ وجل، فكل إنسان يكتفي بنفسه فقط عطَّل الفريضة السادسة، في عندنا خمس فرائض والسادسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 أيضاً أنت في دار ابتلاء، وأنت ممتحنٌ مع الله عزَّ وجل، ومواد الامتحان ما نِلْتَهُ وما حُرمته، ألا يوجد في الجامعة مقررات ؟ لو أنها أثنى عشرَ مادة، ما دام أنت في امتحان فمواد الامتحان هي كما يلي. كل حظٍ من حظوظ الدنيا نِلْتَهُ من الله فهو أكبر مادة امتحانك، مادة امتحان، أردت المال فنلته، تمتحن بالمال، طلبت الصحة فنلتها، ممتحن بالصحة، طلبت الزوجة فنلتها، ممتحن بالزوجة.

 الآن طلبت المال فحرمته، ممتحن بحرمان المال، طلبت الصحة فلم توفَّق إليها، ممتحن بالمرض. فأنت ممتحنٌ فيما آتاك وممتحنٌ فيما زوي عنك، وهذا معنى الدعاء الشريف:

(( .اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم وما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما))

( من الجامع الصغير: عن "عبد الله بن يزيد الخطمي " )

 في بالإسلام سلوك مريح، عبادات شكلية ؛ نصلي، نصوم، نعمل عمرة، نحج، أما الانضباط في كسب المال، والانضباط في إنفاق المال هذا يحتاج إلى إرادة قوية، الانضباط في العلاقة مع المرأة يحتاج إلى إرادة قوية، فهناك أناس يأخذون من الدين ما كان عليهم سهلاً..

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾

( سورة مريم: من آية " 59 " )

 ورثوا هذا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: سيغفر لنا. هذا حال معظم المسلمين، يقول لك: الله لا يمتحننا، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، كلنا مذنبين يا أخي، لا تسعنا إلا رحمة الله. هذا الكلام قاله من سبقنا وقد أُوخذوا به، لأن الإنسان ينتقي من الدين ما هو سهل وما يعجبه، ويدع ما لا يعجبه، هذا صار دين انتقائي، هذا الدين فُصِّل تفصيلاً..

﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً(52)﴾

( سورة المدثر )

 أي الذي يريد دين على قدّه ـ على مقاسه ـ تفصيل، الذي يعجبه يأخذه، والذي لا يعجبه لا يأخذه، فالدين منهج كامل، وإن كانت كلمة لعلها تبدو قاسية: إما أن تأخذه بكل تفصيلاته، وإما لا تقطف ثماره، إن أخذت ببعضه لا تقطف ثماره.
فيبدو أن من أعظم الأعمال عند الله ـ من دون استثناء ـ هؤلاء الذين يمسِّكون بالكتاب، أيْ يحملون الناس على الاستقامة، يحملونهم على الطاعة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)﴾

 يمسكون الناس بالكتاب عن طريق التوضيح، والتبيين، والمعاونة، والإقناع، والتيسير، والإحسان، المُحَصِّلة أن ينتهي به مقام الدعوة إلى أن يستقيم الناس على أمر الله، يمسّكون بالكتاب، الكتاب بين أيدينا، لكن بين أن نقرأها وبين أن نطبِّقه مسافة كبيرة جداً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS