3894
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة الأعراف والأنفال - الدرس ( 16 - 58 ) : الدعاء والتفكر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين .
 أيها الأخوة المؤمنون ... موضوعٌ سأطرحه عليكم قبل أن أصل إلى الآيات، الله جل جلاله ثبَّت أشياء كثيرة ـ كما ذكرت البارحة ـ وحَرَّكَ أشياء، فالذي ثبَّته استقرار النظام في الأرض ؛ ثبَّت الدوران، وثبَّت خصائص المواد، وثبت أشياء كثيرة، وحرَّك الرزق، ثبَّت الذي ثبَّت استقراراً للنظام، وحرَّك الذي حرك تأديباً للأنام .
 كلكم يعلم أن بلدنا يعاني من شُحٍ في الأمطار، لدرجة أن المياه الجوفية هبطت إلى مستوىً خطر، بدرجة أن البلاد مهددة بالجفاف والتَصَحُّر، وفي العام الماضي دعاةٌ كثيرون كانوا يقولون: لو أننا صلَّينا صلاة الاستسقاء ودعونا ربنا مخلصين، لأمطرنا الله عزَّ وجل، وهذا كلامٌ طيبٌ وصحيح، وكلما ازداد إيماننا، وازدادت استقامتنا، وخرجنا من المَظالم، وأقمنا الإسلام في بيوتنا وفي أعمالنا، يستجيب الله لنا أكثر .
 أما في هذا العام فقد أقيمت صلاة الاستسقاء، أنا كنت مسافراً، وأخٌ كريم أرسل لي رسالةً بتفصيل ما جرى، الصلاة كانت رائعة، والدُعاء كان بليغ، وإقبال الناس على حضور هذه الصلاة كان مُنْقَطع النظير، بل إن بعض الأخوة الكرام أراد أن يشارك فلم يكن له مكانٌ إلا في نصف سوق الحميدية . هذا كلام طيب، أما العام الماضي القضية سهلة، لو أننا صلينا صلاة الاستسقاء لأُمطرنا، الآن صلينا، ولكن من الذي سيشمت بنا ؟ الطرف الآخر، يا رب عادينا أعداءك فيك فلا تشمتهم بنا بتقصيرنا في حقك .
أنا كنت أظن أنه ما من مؤمنٍ صادقٍ منذ أن أقيمت صلاة الاستسقاء وحتى هذه الأيام وهو يتمنى على الله عزَّ وجل ألا يُخْزِيَنا، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾

( سورة التحريم: من آية " 8 " )

 هذه الآية عشتها مرةً بشكلٍ دقيق، كنت مسافراً في بلدٍ خليجي، فكنت أركب في مركبة أحد الأخوة، حدثني حديثاً طيباً جداً عن الشُرْطَة هناك، أنهم مؤَدَّبون جداً ؛ يقفون بعيدين عن السائق مسافةً جيدة، ويحيونه تحيةً نظامية، ويتقدَّمون إليه بأدبٍ جَمّ، ويبلِّغونه مخالفته، كلام طيب، فإذا بهذا الأخ يوقِفه شرطيٌ هناك ويقسو عليه قسوةً لا حدود لها ؛ لم يحييه، ولم يتأدب معه، بل قسا عليه، نظرت إلى هذا الأخ فإذا وجهه كلون التوت من شدة الخَجَل مني، لأنه منذ قليل تكلم كلام، وأثنى ثناء، ومدح مديح، فإذا هذا الشرطي قد أخزاه وسلك سلوكاً على خلاف ما قال لي . وكنت أعلم أن المخالفة خمسمائة درهم، أي سبعة آلاف ليرة، أنا كنت موقناً أنه لم يتأثر لحجم المخالفة بل تأثر لتناقضه، فطبعاً سُقْتُ هذه القصة للتوضيح .
فما من مسلمٍ إلاَّ ويتمنى من أعماق أعماق أعماقه أن يستجيب الله، وأن يمطرنا لئلا يشمت بنا الطرف الآخر .
والله عزَّ وجل ـ كما قلت قبل قليل ـ لو أن العبادَ أقاموا القرآن لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ..

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 96 " )

 ما موقف الدعاة من الله في هذين الأسبوعين اللذين تليا صلاة الاستسقاء ؟ أنا كنت أقول: أن الله عزَّ وجل يستجيب لنا ويمطرنا إذا استقمنا على أمره، وإذا أقمنا الإسلام في بيوتنا، وإذا خرجنا من المَظالم، أما إن دعوناه بحرارة ولم نستجب له، فالأغلب أنه لا يستجيب لنا، ولكن الله عزَّ وجل استجاب لنا، إلا أن هذه الاستجابة كما أتصوَّرها استجابة تشجيع لا استجابة تقْدير ـ أُحدِث في مصر جائزتان للدولة: جائزة تشجيعية، وجائزة تقديريَّة، فالتشجيعية قد يكون كاتب ناشئ في عنده بذور طيبة، في عنده خامة طيبة يُعطى جائزة تشجيعية، وكاتب متفوّق جداً يعطى جائزة تقديرية ـ فالآن يوجد تفسير جديد، الله عزَّ وجل استجاب لنا .
 أخٌ كريم من أخوتكم أعطاني البارحة رسالة، قرأتها لكم عن دمشق، كنت حريصاً أنا اليوم أن آخذ نِسَب الأمطار في القُطر كله، فوجئت أن نسب الأمطار مثلاً في حماة واحد وثمانون ميليمتر، وفي الرصفة ستة وستون، وادي العيون خمسة وسبعون، مصياف ثمانية وأربعون، في مكان آخر سبعة وسبعون، وفي مكان خمسة وثلاثون، نسب عالية جداً في عشر ساعات، في حلب مثلاً أربعة وثلاثون، سبعة وثلاثون، سبعة وثلاثون، في طرطوس خمسة وأربعون، ثلاثة وثمانون، أربعة وثلاثون، خمسة وثلاثون، في اللاذقية خمسون، واحد وستون ـ أنا أقرأ لكم نماذج طبعاً ـ في أدلب ثلاثة وأربعون، خمسة وعشرون، ثمانية وعشرون، خمسة وعشرون، في حمص ثلاثون، في القُنَيْطِرَة ستة وخمسون، في درعا ثمانِ عشرة، استجاب الله لنا، هذه نِسَب عالية جداً .
 فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون الإمطار القادم إمطاراً تقديرياً لا تشجيعياً، هذا تشجيعي، لئلا يشمت بنا الطرف الآخر، لأن الدعاء يقوّي العقيدة، فأنا فيما أقرأ عن السلف الصالح أن: السماء إذا شحَّت وصلوا صلاة الاستسقاء، ما إن ينتهي الإمام من صلاة الاستسقاء حتى تُفْتَحُ السماء كأفواه القِرَب، ليعلم الناس أن هذه الأمطار ليست منخفضاً جوياً متمركزاً فوق قبرص باتجاه القطر، لا . إنها رحمة السماء، إنها رحمة الله بالأرض، فهذا التأديب، أدبنا الله عزَّ وجل .
 فنحن قبل سنوات عدَّة نقول: في منخفض جوي، الأمطار تكون غداً، أذكر هذا العام قبل أربع أعوام ـ فيما أذكر ـ تقريباً على مدار العام نقول: غداً توجد أمطار . لا توجد أمطار، ثم أضيفت إلى النشرة الجوية: هناك مطرٌ بإذن الله تعالى . وهذه الكلمة تُقال الآن، هذا تأدُّب مع الله عزَّ وجل .
إذاً نِسَب الأمطار عاليةٌ جداً في عشر ساعات تقريباً . أنا مرة قرأت عن أمطاراً هَطَلَت في " رأس الخيمة " تقدر بمائتين وخمسة وعشرون ميليمتر في ليلة واحدة، أيْ أنَّ الله عزَّ وجل عنده خزائن كل شيء ..

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

( سورة الحجر )

 فالآن نحن نرجو الله عزَّ وجل أولاً: أن نشكره، إذا كل واحد منكم في البيت صلَّى ركعتين شكراً لله على أنه لم يُخْزِنا، لو لم تنزل الأمطار والله لشمت الناس بنا، أو شمت الطرف الآخر بنا، لأننا ـ كما يقول بعضهم ـ محسوبون على الله ـ كان أحد العلماء يجري في لندن عملية جراحية، وأنا أظنّه صالحاً، فجاءته رسائل بعدد كبير جداً، واتصالات هاتفية، فالشيء يلفت النظر، فأجروا معه مقابلة سألوه: ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ ماذا يقول ؟ اعتذر عن الجواب، فلما ألحَّوا عليه قال: لأنني محسوبٌ على الله ـ فنحن لسنا صالحين ولكننا محسوبون على هذا الدين العظيم .
فأرجو الله عزَّ وجل ألا يخزينا، وأن يتابع نِعَمَهُ علينا، على أن نعاهده أن نكون عند ظنّه بنا، أن نكون مطيعين، مستقيمين، ورعين، وقَّافين عند حدود الله، أن يرحم بعضنا بعضناً .
إخواننا الكرام ... المسلمون لا يرحمون بعضَهُم بعضاً، المسلمون يُنَكِّلون ببعضهم بعضاً، إذا فعلنا هذا سقطنا من عين الله عزَّ وجل، يحبنا الله متراحمين، يحبنا متعاونين، يحبنا متكاتفين، يحبنا متناصرين، يحبنا وقد جعلنا هَمَّ المسلمين أكبر همٍ لنا .
أيها الأخوة ... في هذه الليلة المُباركة قُرأت آيات والله تحتاج إلى ساعات وساعات، ماذا نفعل ؟ نختار بعض الآيات:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

( سورة الأعراف: من آية " 180 " )

 ما معنى فادعوه بها ؟ أيْ أنَّ الله عزَّ وجل له لأنه ذاتٌ كاملة لا يقرّب أحداً من عباده إلا إذا كان كاملاً، أما أي جهة أخرى تقرِّب لها من أعلن الولاء، أيْ إنسان قوي جاءه إنسان أعلن له الولاء، ولو شكلاً، ولو كلاماً، ولو بشكلٍ أو بآخر، يقرِّبه، لكن الله سبحانه وتعالى لا يقرِّب أحداً إلا إذا كان كاملاً ..

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

 لا تستطيعون أن تدعوه إلا بها، كيف ؟ أيْ أنت ينبغي أن تتخلَّق بأخلاق الله، ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إلى الله، المعنى دقيق، ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إلى الله، ينبغي أن تشتق من رحمته رحمةً تتقرب بها إلى الله، ينبغي أن تشتق من عدله عدلاً تتقرب به إلى الله، ينبغي أن تشتق من غِناه غنىً تتقرب به إلى الله، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)﴾

 فكأن الله عزَّ وجل يريدنا أن نتعرَّف إلى رسول الله، أن نعرف هذا الإنسان القدوة ؛ الذي جعله الله قدوةً في حياتنا، وأمرنا أن نأخذ عنه أوامره، وأن ندع ما نهانا عنه، وأمرنا أن نقتديَ به، لأنه عصمه عن أن يخطئ في الأقوال والأفعال والأحوال، إذاً معرفة رسول الله جزءٌ من الدين .
لو أن واحد بعد شهرين أو ثلاثة أو أربعة دعا الناس إلى بيته، ودعا عالماً جليلاً مخلصاً، متكلماً، عالماً وألقى هذا العالم على هؤلاء الضيوف كلمة عن رسول الله ؛ عن شمائله، عن مكرماته، عن أخلاقه، عن منهجه، وأطعم هؤلاء الضيوف الطعام، فهذا الإنسان ماذا فعل هذا ؟ فعل شيئاً من صُلْب البدين، لأن الله يقول:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنين: من آية " 69 " )

 يحُضّنا الله على معرفة رسوله، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وحبيب الحق، يزداد قلبه ثبوتاً بسماع قصة نبيٍ دونه ..

﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

( سورة هود: من آية " 120 " )

 فلأن نستمع نحن إلى قصة النبي، وإلى مواقفه، وإلى كمالاته هذا من باب أولى، فمعرفة رسول الله، ومعرفة مكانته، ومنهجه، وكمالاته، جُزءٌ من الدين، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)﴾

 هناك شيءٌ آخر:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ: من آية " 46 " )

 كذلك أمر من الله عزَّ وجل .
 إخواننا الكرام ... تكثُر حالات تَلَبُّس بعض الناس بالجن، وهناك من يسأل دائماً: ماذا نعمل ؟ ليس في منهج الله، لا في كتابه ولا في سُنَّتِهِ شيءٌ من قبيل أن تذهب إلى اختصاصي ليُخْرِج هذا الجان من هذا الإنسان، ولكن يوجد بالقرآن الكريم:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 200 " )

 في عندنا استعاذة بالله بقلبٍ حاضر، وهذا ما في القرآن الكريم وما في السُنَّة النبوية من علاجٍ لمن تلبَّس به الجِن، لأن الجن موجودون، وهذا ما نعتقده، وقد يستمتع بعضهم ببعض، يستمتع الإنس بالجن والجن بالإنس، ويتعاونوا على إضلال البشر، فالحل في هذا الكتاب العظيم هو أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾

( سورة الأعراف: من آية " 201 " )

 ذكر الله والاستعاذة به بقلبٍ حاضرٍ خاشع هو علاج لكل حالةٍ تلبث فيها الإنسان بالجن .
 أيها الأخوة ... إلى أن نصل إلى مستوى أن: كل أمرٍ في القرآن الكريم ينبغي أن نطبّقه. هذا مستوى راقٍ، نحن في هذا العصر، أو مسخ الناس الدين إلى عبادات شعائرية، أما الدين منهج متكامل، يكاد يكون مائة ألف بَنْد، فأيّ أمرٍ في القرآن يقتضي التطبيق والوجوب، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 1 " )

 فأنت مأمورٌ أن تُصلح ذات بينك، أن تصلح نفسك، أيْ أن تطهِّرها من الأدران، أدران الشهوات والشبهات، أن تطهرها من كل نقصٍ في الكمال ؛ من غيبةٍ، من نميمةٍ، من حقدٍ، من كِبْرٍ، من عُنْجِهيةٍ، من استعلاءٍ، من غطرسةٍ، من أنانيةٍ مُفْرِطة، ينبغي أن تطهر هذه النفس وأن تحملها على طاعة الله، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

 هناك مستوى أرقى ؛ أن تصلح كل علاقةٍ بينك وبين الآخرين، تبدأ بأن تُصلح العلاقة مع الله، ومع أهلك، ومع أولادك، ومع جيرانك، ومع مَن تعمل، ومع مَن فوقك، ومع مَن دونك .
والشيء الثالث: أن تصلح كل علاقةٍ بين اثنين .
هذه سمات المؤمن: يصلح نفسه ؛ بتعريفها بربها، وحملها على طاعته، ويصلح علاقته مع الآخرين، ويصلح بين كل شخصين إصلاحاً كاملاً، فهذه صفة المؤمن .
فدققوا في هذه الكلمة: " الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم خيرٌ ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم " .
 قد تكون وسيط في زواج، ما الذي يحدث ؟ ما دام الزوجان متفاهمَيْن سعيدين لا تراهم أبداً، يغيبوا سنتان، ثلاث، أربع، فإذا نشأ خلاف يأتوا إليك ويقولون: أنت السبب، أنت دلتنا على هذه الإنسانة وهكذا عملت معنا . فلماذا إذاً عندما تفاهمت معها ثلاث سنوات لم أرك أبداً، ولم تشكرني ؟ لكن عندما حدثت مشكلة جئتني . من خالط الناس وصبر على أذاهم، خيرٌ ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم . فهذا أفضل، ليست السلامة مريحة دائماً، السلامة هروب .
 أنا ذكرت قبل أيام موضوع غير ديني، هناك إنسان لا يخطئ هو الذي لا يعمل، ما تورط بشيء، فهو مرتاح، أما الذي يعمل يخطئ، لذلك: " اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله " . هذا تشجيع على أن تتقوا الله وتصلحوا ذات بينكم، أصلح علاقة بين شخصين، أصلح علاقتك مع الآخرين، أصلح نفسك بتعريفها بالله .
كما قلت قبل أيام:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

( سورة إبراهيم )

 والله أيها الأخوة، والله أهل الدنيا والكفار يمكرون بالمسلمين مكر تشيب لهوله الوِلدان، تنهدُّ له الجبال، ومع ذلك آيتان، لكن حينما تعلم أن هذا كلام الله، وأن زوال الله أهون على الله من أن يقع وعده ووعيده، قال لك:

﴿ وَإِنْ تَصْبرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾

( سورة آل عمران: من آية " 120 " )

 الله ألغى لهم كل كيدهم، وهذه الآية:

﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)﴾

( سورة الأنفال )

 يُضْعِفُ كيدهم مهما كان قوياً، ولكن بشرط أن تكون أنت مؤمناً، وأن تكون صادقاً، وأن تكون طائعاً، إذا كنت كذلك أوهن كَيْد الكافرين، فيجب على الإنسان ألا يتشاءم أبداً، لا يقولوا أن: الكفار أقوياء جداً، نحن انتهينا . لا لم ننتهِ، نحن أقوياء بالله، ونحن إذا اصطلحنا مع الله يقوينا الله عليهم .
* * * * *
 هناك بشارة لكم جميعاً إن شاء الله، قلت لكم: تسعمائة مليون يعبدون البَقر، في الأعداد مخيفة، مليار وثلاثمائة مليون يعبدون آلهةً ما أنزل الله بها من سلطان، أنتم تعبدون الله، هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 23 " )

 ما دام الله قد أسمعنا، لعل الله علم فينا خيراً، وهذه بشارة، ما دام الله قد أسمعنا الحق لعله علم فينا خيراً ..

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

 عندما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)﴾

( سورة الأنفال)

 حدثني أخ من أهل الغِنى، قال لي: أنا كنت فقير جداً، وكان أبي فقير، وعندمَّا كنا نأكل، كنت أضع قطعة الخبز في الزيت وأضعها في الزعتر، إذا كبستها زيادة آخذ ـ طيارة ـ على الفور، لأنه إذا كبسها تحمل زعتر أكثر، فمرة كنت في أمريكا أأكل عند أخ فقال لي: اكبسها لا بأس اكبسها . لأنه سمع بالقصة، فمن الفقر الشديد جعله الله غني، فكل واحد منكم قد يكون كان فقير، كان ساكن في بيت صعب جداً، الله رزقه بيت، رزقه أهل، رزقه عمل، أخذ شهادة، فهذا:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾

( سورة إبراهيم: من آية " 5 " )

 فمن توفيق المؤمن أن يذكر فضل الله عليه . والله دخلت عند رجل يعمل في العلم، عنده آية قرآنية يضعها في مكتبته، والله عندما قرأتها اقشعرَّ جلدي ..

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾

( سورة النساء )

 إنسان يعرف الله، يعرف كتابه، يعرف السنة، يعرف لماذا خلقه الله ؟ يسير على منهج، مرتاح في بيته، أولاده أبرار، هذه من نعم الله الكُبرى، فالإنسان حينما يشكر ..

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾

( سورة إبراهيم: من آية " 7 " )

﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾

 حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾

( سورة الأنفال: من آية " 59 " )

 يجب أن تؤمن أن الكافر مهما بدا لك قوياً، لا يمكن أن يفعل شيئاً ما أراده الله، وحينما ترى أن الكافر يفعل ما يريد، في تفسير لطيف، هو: أن خطة الله استوعبت خطة الكافر . أيْ أن الله أراد شيء، والكافر أراد شيء، فتطابقت هذه الإرادة مع مشيئة الله فوقع الشيء الذي قال به الكافر، أما أن كافر يفعل شيء ما أراده الله ؟!!
 أنا قلت لكم: قال شخص عن بلد مسلم يعاني الأمرَّين من الحصار الاقتصادي، ويموت الأطفال منه بالآلاف كل عام، قال: والله قفز هذا البلد دينياً قفزةً لا يُمكن أن تُحَقَّق في ثلاثمائة عام، أقسم بالله أن هذا البلد المُحاصر، الفقير، المَقْهور قفز في سُلَّم الدين قفزةً لا يمكن أن تحقق في ثلاثمائة عام، فما معنى ذلك ؟ أن مشيئة الكافر استوعبتها مشيئة الله، ووظَّفتها للخير المُطْلَق . فالإنسان لا يتألَّم ولا يتشاءم لأن الله مع المؤمن إن شاء الله ..

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾

 أما الشيء المطلوب منا ..

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 60 " )

 إذاً الاستعداد للعدو واجبٌ ديني، ولكن الله رحمنا بأن كلَّفنا أن نعد القوة المتاحة لا القوة المكافئة .
 وهذا الود بين المؤمنين من خلق الله عزَّ وجل والدليل قوله تعالى:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 63 " )

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS