4765
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة التوبة - الدرس ( 17 - 58 ) : التناقض بالحب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام... آيةٌ في سورة التوبة قرأت البارحة، ولكن لأهميتها البالغة أقف عندها قليلاً، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾

( سورة التوبة: آية " 24 " )

 الأصول..

﴿ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾

 الفروع..

﴿ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾

 الموازون..

﴿ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾

 قرابة النَسَب..

﴿ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾

 العشيرة، القبيلة، الأسرة..

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 طبعاً
 لو سألت أيّ إنسان: أتحب الله أم البيت ؟ يقول لك: أحب الله. فلا يوجد مسلم على وجه الأرض يقول عكس ذلك. لكن ما معنى الآية ؟
 الآية معناها: أنه حينما تؤثر بيتاً على طاعة الله عز وجل، بقوة القانون تملك بيت، تسكنه، تدفع أجرته مبلغاً يسيراً، لكن عندك بيتٌ آخر، وبإمكانك أن تعطي هذا البيت لأصحابه، لكنه بيت واسع مريح، أجرته رمزية، عقده قبل عام السبعين، فآثرت هذا البيت على طاعة الله.
أو أن تجارةً رابحةً جداً لكن فيها شبهة، إما أن البضاعة محرّمة، أو أن طريقة التعامل محرّمة، لكن دخل كبير مريح، فآثرت هذه التجارة على طاعة الله.
أو أن الزوجة تعجبك وقد ضغطت عليك في موضوعٍ ما، فآثرت السلامة معها على طاعة الله.
 كلُّ هذه الفقرات في هذه الآية عن التعارض، من دون تعارض لا يوجد إنسان في رأسه ذرة عقل يقول لك: أنا أحب زوجتي أكثر من الله. مستحيل هذا الكلام، أما في الواقع، حينما تؤثر إرضاء مخلوق على طاعة الرحمان، حينما تؤثر تجارةً مشبوهةً في أرباحها، أو في موادّها على طاعة الله، أو حينما تؤثر بيتاً مريحاً على طاعة الله، فأنت الآن عند التعارض آثرت هذا الشيء على طاعة الله. هذا معنى:

﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾

 أي في قرآنه..

﴿ وَرَسُولِهِ﴾

 في سُنَّته، إذا كنت كذلك فالطريق إلى الله ليس سالكاً، حقيقة مُرَّة، قد تُصلّي، وقد تصوم، وقد تحُج، وقد تعتمر كل عام، لكن الطريق إلى الله غير سالك، لأنك آثرت شيئاً من الدنيا على طاعة الله، آثرت شهوةً على طاعة الله، آثرت بيتاً على طاعة الله، آثرت تجارةً على طاعة الله، آثرت رضى أبٍ على طاعة الله، هناك آباء كثيرون شاردون عن الله يحملون أبناءهم على معصية الله، إن في التجارة، وإن في العلاقات الاجتماعية، فالأب يُصر أحياناً أن لا يُعبأ بحدود الشرع ؛ الاختلاط، هكذا ربينا، ما عجبك هذا، فليس لك شيء عندي.
فهناك آباء كثيرون يحمل ابنه على معصية، فالابن أحيانا يقوم بعمل موازنة ؛ والله لن أغضب أبي، ولا أريد أن أحرم نفسي من هذه الميزات الضخمة التي سأنالها من أبي..

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾

 أي إذا حملك الأب على معصية، وهو غني جداً، وله عطاء كبير لك، فأنت إذا آثرت هذه الدخل الكبير في ظل رضى الأب على طاعة الله..

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾

 الأم ضاغطة، والابن منحرف، وأنت تريد السلامة مع زوجتك، فسرت معه فيما يريد

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾

 الذين حولك..

﴿ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾

 امرأة طلبت من زوجها، وزوجها كان صحابياً جليلاً شيئاً لم يكن عليه رسول الله، قال: " اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلّت إحداهُنّ على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضَحّي بك من أجلهن أهون من أن أُضحّي بهن من أجلك".
أم سيدنا سعد قالت له: " إما أن تكفر بمحمد، وإما أن أدع الطعام حتى أموت ".
قال: " يا أمي لو أن لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد، فكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي ".
 هذه آية خطيرة جداً، ودائماً الشيء الخطير تقرأهُ وتستوعبه، فتبدأ متاعبك، أما الشيء التافه ؛ نَصّ قصّة تقرأه وتتثاءب وتنام، فهنا حينما تتعارض نصوص الشرع ؛ القرآن والسُنّة مع المصالح، هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام قد أشار إليه، قال:

(( ثلاثٌ من كُنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ))

( من الجامع الصغير: عن " أنس " )

فرقٌ شاسعٌ جداً بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان، حقائق الإيمان معلومات ؛ قد تقرؤها، قد تسمعها، قد تعتقد بها، لكنها حقائق وليست حلاوة.
 فأنت عندما تشاهد خارطة قصر، وغرفة الجلوس فيها ثمانية أمتار في ستة أمتار، والشرفة بمساحة بيت، تعجب به، ولكن هذا على الورق، لكن حلاوة الإيمان أن تسكن هذا القصر، حقائق الإيمان أن تستوعب هذه المساحات إدراكاً، أما حلاوة الإيمان أن تسكن هذا القصر.
حقائق الإيمان أن تقتني كتالوج سيارات ؛ أنظر ؛ هذه أكبر، هذه أجمل، هذه لها أربع أبواب، هذه أحدث موديل. لكن هذا كتالوج من الورق، أما حلاوة الإيمان أن تركب هذه السيارة، فلذلك..

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 أيْ أن النصوص تعارضت مع المصالح، النص هو القرآن والسنة، والمصلح ؛ بيت، زوجة، تجارة، مال، رضى أب، رضى ابن، رضى أخ، رضى زوجة، رضى عشيرة. قال:

﴿ فَتَرَبَّصُوا﴾

 مكانك تحمدي أو تستريحي

﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 أيْ إذا حملتك محبّتك لأبيك على أن تعصي الله ؛ أو لأمك، أو لزوجك، أو لابنك، أو لأخيك، أو من أجل مالٍ أو تجارةٍ أو مسكنٍ، فاعلم أن الطريق ليس سالكاً إلى الله عز وجل، هذه الآية كما أشار النبي إلى معناها في حديثٍ صحيح، قال:

(( ثلاثةٌ من كُنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُلقى في النار ))

( من الجامع الصغير: عن " أنس " )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

( سورة التوبة: آية " 28 " )

 وفي الآية دقةٌ بالغة، لم يقل: المشركون نجسون. الشيء النَجس يطهُر بالتنظيف، أيْ أن إناء أصابته نجاسة، فغسلناه سبع مرّات، فصار طاهراً، أما عين النجاسة هل تُطَهَّر ؟

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

 إن عاملتهم، إن شاركتهم، إن سافرت معهم، إن خالطَّهم، إن زرته، إن زارك..

﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 وعندما صدَّر المشركون لنا ثقافتهم دمَّروا حياتنا ؛ بهذه الفضائيّات، أو هذه المجلاّت، أو تلك المبادئ، دُمِّرت حيالة المسلمين، عندما صار تواصل، يقول لك: العالم قرية. فهل أنت فرحاً بهذا الشيء ؟ أو الآن العالم غُرفة، لكن الفساد صار فيه تواصل، لم تعد هناك حواجز، فالتواصل عمم الفساد في الأرض، فقد تجد في قرية نائية فساد لا يقل عن المدينة، وذلك بسبب هذا التواصل الإعلامي.

﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 طبعاً عندا تريد أنت أن تمنع الاختلاط بالكافر والمشرك، سوف يقل دخلك بالطبع، فلم يعد هناك تجارة السياحة، هذه التجارة الرائجة جداً توقَّفت..

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ﴾

 حينما تأخذ قراراً بطولياً لابد أن تدفع ثمنه، لكن حينما تمتحن وتنجح في الامتحان بعد حين..

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 فالوعد على سوف ؛ شخص يبيع دخان، ومحصلة البيع عشرة آلاف باليوم، وعندما ألغى بيع الدخان، صار دخله ثلاث آلاف فقط، الله قادر أن يجعل حصيلة البيع عشرة آلاف، لكن عندئذٍ لم يدفع من هذا القرار، لكن بعد حين سييسر الله له تجارة أخرى تعود عليه بالخير العميم، فهو قد امتحن، فنجح، ثم كوفئ، هذه..

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

إخواننا الكرام... هؤلاء الذين آتاهم الله المال، نهما كان حجم هذا المال، لو كان رقماً فلكياً، إذا دُفعت زكاته فهو ليس بكنز، والسبعة آلاف التي هي نصاب الفضة إن لم تدفع زكاتها فهي كنز، وسوف يحمى عليها في نار جهنّم.
 ونحن في رمضان، الزكاة أيها الأخوة تُطَهِّرُ نفس الغني من الُشح، ونفس الفقير من الحقد، تطهِّر المال من تعلُّق حق الغير به، تُنمي نفس الغني فيرى أثر عمله. فهو بعمله هذا رأب الصدع، لَمّ الشمل، أدخل الفرح على قلب إنسان، مسح الدمع من وجه يتيم، فعندما يدفع الإنسان زكاة ماله، ويرى نتائج عمله ؛ كم إنسان زوّج، كم بيت اشترى، كم مشكلة حل، يرى حاله خطير ؛ إنسان عظيم مهم، هذا هو النمو.
 لكن هناك إنسان حقير، ضعيف النفس، تافه، فعندما يكسب إنسان مال حلال، وتنقلب الزكاة إلى زواج، إلى شراء بيت، إلى معالجة مريض، إلى جَبْر خاطر، يرى آثار عمله، فأنا دائماً والله أحب أن يرى المُحسن آثار عمله، فأنت انظر إلى هذا البيت وأن هذا الإنسان تزوج بمساعدة منك، فتراه هو وأولاده وزوجته كلهم في صحيفتك، هكذا أسرة متواضعة سعيدة في صحيفتك، فالزكاة تنمّي نفس الغني.
وتنمي نفس الفقير، فالفقير يتوهم نفسه مُهان، فإذا رأى من يهتم به، ويساعده، ويقلق لدخله، تجده يشعر بانتعاش. فهي تني نفس الغني، وتنمي دخل الفقير، وتنمّي المال، أنت حينما تؤمن بالقرآن..

﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾

( سورة سبأ: من آية " 39 " )

 وأضعاف مضاعفة، حدثني أخ في صحن المسجد فقال لي: لي ابن عم توي في مرض عضال، وهو أستاذ جامعي. قال لي: ذهبت إلى بيت المتوفي فسألت أولاده: على والدكم دين ؟ قالوا: نعم. ولكنه خجل أن يسألهم: كم ؟ فوضع رقماً في ذهنه: ثلاثون أو أربعون ألف. ولكنه عندما جاء لدفع الدين قالوا له: مائة وثلاثون ألف. فدفعهم.
قال لي: بالأسواق كساد ـ وهو صاحب معمل ـ أقسم لي بالله أن الذي باعه في يومٍ واحد، كانت حصة من الربح مائة وثلاثين ألف في يوم واحد..

﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ﴾

 هذا مثل ليس له بل أي إنسان، أنت كريم والله أكرم..

﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾

 انظر ؛ يعلم، ويخلف، فلذلك المال الذي تؤدّى زكاته ليس بكنز بلغ ما بلغ، سبعة آلاف وهذا أقل نصاب للفضة، أما الذهب أربعون ألف، والسبعة آلاف إن لم تدفع زكاتها فهي كنز.
توجد آية فيها عتاب ولكنه مؤثِّر جداً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾

( سورة التوبة: من آية " 38 " )

 أحيانا ترى في العمرة أو الحج أكثر الناس يرغبون المكوث في الفندق فهو ؛ مكيَّف، مريح، يتابع بعض البرامج. فأنت جئت لتعتمر، أنت جئت إلى هذه البلاد من أجل أن تكون في بيت الله الحرام، فيؤثر غرفته بالفندق على أن يطوف، أو أن يسعى، وهذا بالطبع مثل خاص، وكذلك تجد كثير من الأشخاص يؤثر المكوث في بيته على الحضور إلى درس علم، يؤثر سهر ممتعة على مجلس فيه خير..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾

 أيْ كم سنة تنتهي بالموت، هذه ترضيك ؟ انظروا ؛ إذا كان إنساناً يعمل بالتجارة أو بالصناعة، أو بالثقافة، أو بالخدمات العالية، إلى أن يكون له بيت متواضع، أو يركب مركبة صغيرة، تجده تجاوز الأربعينات من العمر أو الخمسينات، وكما ورد في الحديث الشريف..

(( معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين ))

( من الجامع الصغير: عن " ابي هريرة " )

 معنى ذلك أن أربعين سنة إعداد، وعشرين سنة استمتاع، والعشرين سنة فيهم متاعب، وهموم، وأشباح أمراض ما لا يعلمه إلا الله، فهذه الحياة القصيرة التي لا تزيد عن عشرين سنة، هذا إذا كان الإنسان كان مِن الفائزين، ولكنك تسمع عن شخص جاءته أزمة قلبية ومات وهو بالسبعة والثلاثون، كثيراً ما نسمع ذلك، فقد كانت أمور الإصابة بالقلب تبدأ في الستين من العمر، أما الآن تجد عشرات الحوادث كل أسبوع، مات في السابع والثلاثون أو في الخامسة والعشرون لسبب أزمة قلبية جاءته..

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾

 من رحمة الله بنا..

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾

 الله عز وجل مُربّي..

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾

 وإذا أصررتم، وركبتم رؤوسكم..

﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾

وفي المثل الشعبي: " يرح الزاهد فيأتي العاشق ". أيْ إذا كنت غير متاح في طاعتك لله يستغني عنك، وقد يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه.
 أنا أقول لكم هذه الكلمة: لا تقلق على هذا الدين، ولكن اقلق على نفسك، هل سمح الله لك أن تنصره أم لم يسمح ؟ هل سمح الله لك أن تحمل هموم المسلمين ؟ هل أكرمك الله بأن أجرى على يدك الخير ؟ فإذا اعتذرت أو تأففت بقول: قد تعبت , غداً سيأتي عشرات آخرين مكانك عندهم حماس أشد، ورغبة أشد، وعندهم بذل أشد.
 فأنا لا أنسى قصة أذكرها كثيراً وهي عن: أخ توفي رحمه الله، قدَّم بيت لجمعية خيرية، وكان ثمنه في هذا الوقت ثمان ملايين، ليكون مركزاً للتدريب المهني. هذا عمل طيِّب، وأقيم له حفل تكريم، كل الذين تكلموا أثنوا على هذا المُحسن الكريم إلا أحد إخواننا، فقد تكلَّم كلاماً واقعياً، لكنه ترك فيهم أثراً بليغاً، فقال: أيها الُحسن، كان من الممكن أن تقف في طابور طويل كي تأخذ ثلاثمائة ليرة، وتوقيع، وبصمة، لكن الله كرَّمك بأن تعطي.
فأنت وذكاءك، أنت الآن تعطي، ولكن من الممكن أن تتسوّل، أو تنقِّب بالحاوية، ألا تلاحظون شخص ينقب بالحاوية، فماذا سيجد بالحاوية غير الطعام الفاسد، أو بقايا من الخضراوات الفاسدة، فهناك من يأكلها.
 فعلى قدر ما كنت ذكياً أو قوياً، فمن الممكن لله عز وجل أن يجعلك تحتاج إلى إنسان لئيم، قال سيدنا علي: " والله والله مرتين، لحفر بئرٍ بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وعسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين " فالذل الحقيقي أن تحتاج إلى لئيم، ثم يرُدُّك.
فإذا الله عز وجل كرَّم أحد الناس فهذه نِعْمَةٌ كُبرى أنعمها عليه، ولو شاء الله لكان العكس، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾

 فمن ألطف المعاني التي قرأتها عن هذه الآية:

﴿ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾

( سورة التوبة: من آية " 41 " )

 تجد الشاب خفيف، يصعد الدرج قفزاً كل ثلاث درجات معاً، وينزل كل خمسة معاً، أما في عمر السبعين تجده يصعد درجة درجة، صار بالحركة ثِقَل، أما أنت مكلَّف أن تجاهد وأنت شاب وكذلك وأنت شيخ.
سيدنا أبو أيَّوب الأنصاري جاهد في الثمانين، وسيدنا أسامة في السابع عشر.

﴿ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾

أيْ عليك أن تجاهد نفسك وهواك، وأن تجاهد الجهاد الدعوي أو القتالي في أيّ سِن، لأن الجهاد ذروة سنام الإسلام.
 في نقطة دقيقة أيها الأخوة... تجد شخص له نمط مثبِّط، فإن أردت سمع بمشروع خيري تجده يقول لك: ماذا تريد من وجع الرأس، فالناس لا يخدموا. وإن أردت دفع مبلغاً من المال قال لك: هذا كذاب لا تصدقه، هذا دجال وأغنى منك. فكلما حاولت أن تعمل عمل كأن يكون هذا العمل تأليف كتاب، أو عمل مشروع خيري، أو تأسيس جمعية لإيواء الأيتام. نمطه مثبِّط، هذا المنافق.
 فذات مرة قدم أخ من بلد بعيد، وأراد خدمة المسلمين، وله اختاصاص نادر جداً بالطب، فالتقى هنا مع أحد الأطباء ـ وقد سمعت الطرف الثاني يثبط عزيمته، فهذا جاء ليخدم المسلمين، ومعه اختصاص نادر جداً، ومن الممكن نهيئ له حالات صعبة جداً في هذه السنة، يأتي ليحلها ـ لكنه لم يتركه، قطع عزمه بقوله: ماذا تريد من وجع الرأس، وبعد ذلك سيحاسبك.
فإذا دخلت لأحد الجوامع أخذوا اسمك، دائماً مثبِّط، يقطع حيل الناس..

﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾

( سورة التوبة: آية " 47 " )

سمعت !! لأن له ابن خالة، شارد عن الله، فاسق، فاجر، فأخافه. وكم من إنسان ترك الإنفاق في سبيل الله لأن له قريب ثبَّط له عزيمته.
 فأجمل كلمة سمعتها في حفل لجمع التبرُّعات، فأحد علماء دمشق قال: أنا والدي رحمه الله علمني درس هو ؛ أن كلما أردت أن تنفق مبلغاً من المال، ونازعتك نفسك، فعاقبها، فقال له: وكيف أعاقبها يا أبتِ ؟ قال: ادفع الضعف، عاقبها بدفع الضعف.
 إخواننا الكرام... أتمنى عليكم أن يكون المقياس دقيق بين أيدكم، فإذا أنت مؤمن، وأخوك اغتنى، وأنت فقير، فيجب عليك أن تفرح له، أنت مؤمن وأخوك نال شهادة الدكتوراه، وأنت لم تأخذ شهادة الكفاءة بعد، فيجب أن تفرح له، علامة إيمانك أنك تفرح ؛ فهذا مكسب للمؤمنين.
 فنحن عندنا قاعدة: " الواحد للكل، والكل لواحد " . مجتمع المؤمنين مجتمع أُسرة، فكيف أن الأسرة تجد فيها ؛ الأب يعمل بالمكتب، والأم تطبخ، والبنت تمسح البيت، والابن أحضر حاجياتهم من السوق، ثم قعدوا على ظهراً على مائدة واحدة، كل واحد ساهم. هذا هو الإيمان، مجتمع الإيمان مجتمع أسرة ؛ كل واحد له دور، فإذا أخوك أخذ دكتوراه، أو أخوك اشترى بيتاً، أو وفِّق في تجارته، علامة إيمانك أن تفرح، راقب نفسك.
أما إذا أصبت بالضيق وقلت: هذا مشكلته قد حُلَّت، واشترى بيت، وأنا لا أملك بيت، لا حولا الله. فإذا تضايقت فهذا علامة النفاق، لا تراعي نفسك، لا تجاملها..

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

( سورة التوبة: من آية " 50 " )

 تسؤ مَنْ ؟ المنافقين..

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾

 أيْ إذا علم مؤمن عملاً صالحاً، وجاءته بعض المتاعب من ورائه، فقلت: أنا منبه لهذه النقطة. في الحقيقة أنت لم تعمل شيء، فأنت قعدت مع القاعدين، أما هذا عمل، وبالطبع مع العمل تجد متاعب، فلا تجد إنسان يعمل عمل إلا ويجد متاعب بسببه، فأنت عندما آثرت السلامة لم تكن أفهم منه ولا أذكى، ولكنه عندما تحرَّك صار لديه متاعب..

﴿ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

 وهذه بشارة..

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

 اطمئنوا إذا كنتم على طاعة الله فالمستقبل مشرق، فليس هناك مفاجأة أبداً، خطَّك البياني صاعد..

﴿ هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾

 أيْ إذا رأى الإنسان بيت فخم جداً، وكل شيء موجود بداخله، لكن ليس فيه دين، قال:

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)﴾

 آخر آية:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾

 يرضوه " بضمير المفرد، معناها إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وإرضاء الله عز وجل عين إرضاء رسول الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS