7131
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة هود - الدرس ( 20 - 58 ) : الرزق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين .
أيها الأخوة الكرام ... في هذه السورة الكريمة آياتٌ بليغة، من هذه الآيات أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَار﴾

( سورة هود: من آية: "6 " )

نقرأ هذه الآية وما ندقق في دِقَّةِ نَظْمِها، الله عزَّ وجل ذكر الدابة نكرةً، والنكرة تفيد الشمول، وجاء بـ (مِن) تفيد استغراق أفراد النوع، وجاء النفي مع الاستثناء ليفيد القصر، وجاءت (على) مع لفظ الجلالة لتفيد الإلزام، فأيُّ تعديلٍ في هذه الصيغة ليست قرآناً، لو أن أحدكم قرأ هذه الآية: " وما من دابةٍ في الأرض إلا الله يرزقها " . ليست قرآناً، ذهب معنى الإلزام الذاتي الذي ألزم الله به نفسه في رزق العباد .
لو ألغينا الاستفهام والنفي لذهب معنى القصر والحصر، لو عرفنا الدابة لانتفى معنى الشمول، لو ألغينا كلمة (مِن) لانتفى معنى استغراق أفراد النوع . نظم القرآن مُعْجِز ..

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

أيها الأخوة ... الإنسان على نموذجين، النموذج الأول:

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)﴾

أيْ أن الله عزَّ وجل أعطى، والله عزَّ وجل أخذ، والذي أخذ يعطي مرةً ثانية، فإذا أخذ الله منك شيئاً تيئس، وهذا مرض ..

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)﴾

وإذا أمده الله بشيءٍ من الدنيا، يظن أن هذا الإمداد معناه أن الله راضٍ عنه، هذا الاستنباط غير صحيح، لأن الله يعطي الدنيا لمَن يحب ولمَن لا يحب، فإذا جاءت مصيبةٌ ينبغي ألا تيئس، وإن جاء رخاءٌ ينبغي ألا تطمع، والمؤمن وقَّافٌ عند كِتاب الله، الدنيا ولو أقبلت لا يغتر بها، ولو أدبرت لا يحزن عليها، وقد قيل عن أبي بكر رضي الله عنه أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قَط .
وأن الإنسان إذا صلّى صلاةً فبكى في الصلاة أسفاً على شيءٍ فاته من الدنيا بطلت صلاته .
الإنسان مخير بشكلٍ واضحٍ جداً ..

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)﴾

اطلب ما شئت، إن أردت الدنيا تأتيك الدنيا، إن أردت الآخرة تأتيك الآخرة، إن أردت السلامة في الدنيا والسعادة في الآخرة يأتيك ذلك، أنت مخيَّر، فبالتعبير الدارج ـ اعرف انتقي فقط ـ أنت مخير، والله عزَّ وجل يؤتينا سؤلنا ..

﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)﴾

( سورة الإسراء )

الإنسان أحياناً يدخل إلى المسجد، يجد أخوة كرام لكنَّهم فقراء، فإذا هو غني، أو من طبقة عالية اجتماعياً، يشعر أنه ليس هنا مكانته، وهذا الشعور شيطاني، هذا الذي تزدري أن تجلس إلى جانبه قد يكون أفضل منك بمليون مرة ..

﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾

( سورة هود: من آية: "27 " )

طبعاً معنى (أراذلنا) في هذه الآية أي فقراؤنا ..

﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)﴾

هؤلاء الأقوياء والأغنياء يترفَّعون عن أن يجلسوا مع الضُعفاء والفقراء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب المساكين، وقال:

(( اللهمَّ احشرني مع المساكين ))

النبي الكريم يقول:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... ))

( من الأذكار النووية: عن " أنس " *

أثنى النبي على المؤمن القوي، والقوة كما تعلمون ؛ قوة المال، أو قوة العِلم، أو قوة المَنْصِب . الذي في منصب حسَّاس قوي، والذي يملك مال وافر قوي، والذي على عِلْمٍ عالٍ قوي، والنبي يقول:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... ))

( *من الأذكار النووية: عن " أنس)

السبب أن المؤمن القوي أمامه خيارات واسعة جداً، بإمكانه أن يعمل أعمال كبيرة جداً، بإمكانه أن يرتقي بسرعةٍ فائقة .
ولكن ينبغي أن تكون قوياً إذا كان طريق القوة مُتاحاً لك وفق منهج الله، كن طموحاً، ينبغي أن تكون في أعلى درجة من العِلم، إذا كان طريق العلم مُتاحاً لك، ينبغي أن تكون غنياً كي تنفق من مالِك إذا كان طريق الغنى متاحاً لك .
أما إذا كان طريق القوة، أو طريق الغنى ينبغي أن تعصي الله من أجله، الآن يعدُّ الفقر وسام شرفٍ لك، ويعد الضَعْفُ وسام شرف، العبرة أن تبقى محافظاً على طاعة الله، فإن استطعت أن تطيع الله، وأن تبلغ الغنى، أو القوة، أو العِلم فهذا قوةٌ للمسلمين، أما إذا كان طريق القوة الوحيد أن تعصي الله عزَّ وجل نقول لك: الضعف وسام شرف، والفقر وسام شرف . وبهذا التفسير نفهم كيف نَجمع بين الأحاديث، الأحاديث التي يمدح النبي بها المساكين والفقراء، والأحاديث التي يمدح النبي بها الأغنياء والأقوياء .
فإذا إنسان مبلغ علمه الدنيا، لا يعرف من الدنيا إلا الطعام، والشراب، والبيوت، والنُزُهات ... ألخ، وقضية الاتصال بالله، معرفة الله غائبة عنه، فهو ليس له حق ينكر على أهل الإيمان ..

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة هود: من آية: "28 " )

والله أيها الأخوة وأنا أقسم أن المؤمن يشعر بحال، وبسعادة، وبأمن، واستقرار، وتفاؤل، وقوة نفس، ما لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم .
أنا عندي قول لإبراهيم بن الأدهم، هذا كان ملكاً، ثم ترك المُلك وأصبح عارفاً بالله، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف "..

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة هود: من آية: "28 " )

أنتم ما رأيتموها (عميت عليكم ) الآن إذا إنسان هَمُّه الطعام والشراب، فالعالِم وهو يكشف بعض القضايا الدقيقة في العلم في سعادةٍ لا توصف، سعادة الكشف العلمي لا يعرفها الجاهل، سعادة الاتصال بالله لا يعرفها المنقطع، سعادة الطاعة لله لا يعرفها العاصي . فالقضية دقيقة .

﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾

أنت مخيَّر، فالإنسان ليس له حق يعتبر معلوماته، وثقافته، واطلاعه هو الأصل، لا، فقد يغيب عنك شيء ..

قـل لمن يدعي في العلم فلســـفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
* * *


في استنباط لطيف من قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)﴾

فهذا تقديس للأبوة، سيدنا نوح أب، فلما غرق ابنه، الله عزَّ وجل لم يشأ أن يُري نوحاً كيف يغرق ابنه ..

﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)﴾

أيْ لا ينبغي أن يُقْتَل الابن أمام أبيه ولو كان مستحقاً للقتل، لو ارتكب جريمة، واستحق عليها الإعدام، استنباطاً من هذه الآية لا ينبغي أن يُقتل الابن أمام أبيه، هذا رحمةً بالأب ولو كان الابن يستحق القتل، لا ينبغي أن يُعذَّب الابن أمام أبيه، هذا شيءٌ لا يُحتمل، فهذا الاستنباط دقيق ..

﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)﴾

الآية الدقيقة:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

فهذا المعنى يملأ القلب طمأنينةً، الأقوياء في الأرض، الأشرار في الأرض، الجبَّارون في الأرض، الطُغاة في الأرض، هؤلاء بيد الله، لو أن الله أطلقهم لظلمنا، هم بيده ..

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

فهذا القوي إذا كنت مُستحقاً أن تؤدَّب، أُرخي له الحبل فوصل إليك، وإن كنت غير مُستحقٍ للتأديب، شُدَّ الحبل فأبعده عنك، علاقتك مع مَن ؟ مع الله وحده، في أقوياء، في طغاة، في أشرار، في وحوش كاسرة، في حشرات قاتلة، الأرض كلها أخطار، قد تركب مركبة، وهذا الذي ساق قد يكون نائم، فينهي حياة الإنسان، أو يصيبه بشلل نصفي، فكل شيء بيد الله، هذا شيء مطمئن، لو الله أعطى الناس قوة وتركهم، يكون ظلم عباده .

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

فأنت لا تخافنَّ إلا ذنبك، ولا تَرْجون إلا ربك، لأنك إن أذنبت أُرخي الحبل لهذا القوي المعتدي فوصل إليك، وإن كنت مستقيماً شُدَّ الحبل فأبعده الله عنك، والقضية بميزان دقيق جداً، إيَّاك أن تظن أن في قضية عبث، العبثية تتناقض مع وجود الله، العبثية ؛ أن يخلق الله أُناساً أقوياء وأناساً ضعفاء، أناساً أغنياء وأناساً فقراء، أناساً أصحاء وأناساً مرضى، ويدعهم وشأنهم .
فهل من الممكن أب تحت سمعه وبصره يقوم أحد أولاده فيعتدي على أخوته والأب ينظر إليهم هكذا ؟ هذا مستحيل، أيّ أب لا يرضى بهذا .

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

﴿ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

( سورة طه )

الشعور أن الله معك، وأنك مع الله، الشعور أن الأمر بيد الله، الشعور أن قلوب العباد بين أُصبعين من أصابع الرحمن، الشعور أنه لا يمكن أن يحدث شيء إلا بمشيئة الله،هذا شعور مطمئن، والآية واضحة جداً .
في آية كريمة:

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

( سورة هود: من آية: "86 " )

أيْ أيُّ شهوة أودعها الله بالإنسان، ممكن تتحرك فيها مئة وثمانين درجة، يبدو أنه فيها ستين درجة شرعية والباقي ممنوع، علاقة الإنسان بالمرأة الزواج مسموح به، فممكن من خلال زاوية معينة تتزوج، أما هناك ممارسات أخرى هذه غير مشروعة، الله عزَّ وجل سمَّى الزاوية المسموح بها (بقية) بقي لك من النساء زوجتك، وبقي لك من المال الدخل الحلال، وبقي لك من العلو في الأرض أن تعلو بعِلْمِك وبأخلاقك لا بجريمتك وإفسادك، فالنطاق مائة وثمانين درجة، أما المسموح به ستين درجة، فما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ..

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

أيْ أن الشيء المسموح به شرعاً خيرٌ لكم . وقد يكون مَثَل يعرفه معظم الأخوة الحاضرون، إنسان متزوج، وعقب لقاء زوجي قام وصلى قيام الليل، قد يبكي في الصلاة لأنه ما فعل شيئاً خلاف منهج الله، أما لو أطلق الإنسان بصره فيما لا يحل له يُحجب عن الله، لماذا؟ إطلاق البصر يحجب، واللقاء الزوجي لا يحجب ؟! لأن هذا وفق منهج الله، أما هذا خلاف منهج الله عزَّ وجل، إذاً:

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

في وهم عند بعض المسلمين ؛ أن هذا الدين شيء صعب، وهذا للأنبياء، لا، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، الأنبياء لهم مقام عالي جداً، ولكن أنت وإيَّاهم مأمور بأمر واحد .
لو جاء ممرض يحمل شهادة متوسطة، وأراد أن يحقن مريض حقنة، يجب عليه أن يعقم الإبرة، ويغليها، ويعقم مكان ضربها، ويعقم رأس الإبرة، ولو جاء أعلى طبيب في العالم وأراد عمل حقنة لمريض يستخدم نفس التعليمات، فالتعليمات واحدة، مقام الأنبياء مقام عالٍ جداً، أما أنت مأمور أن تفعل ما أُمِرَ به الأنبياء، هذا المعنى استنبطه النبي من قوله تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

( سورة هود: من آية: "112 " )

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

هذه قضية نفسية، إذا أنت أحببت إنسان كافر، بعيد، منقطع،تأتيك أحوال لا تحتمل، دَجَر، ضيق، ضيقه انعكس عليك، وضياعه انتقل إليك، وحيرته فَتَنَتْك، وانحرافه وعذابه النفسي انتقل إليك ..

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:

(( اللهمَّ لا تجعل لي خيراً على يد كافر ))

فالكافر، المنقطع، البعيد، الفاجر، الفاسق، لا تركن له، لا تقِم معه علاقة حميمة، تسرِ إليك أحواله، يسرِ إليك بُعده عن الله، لذلك كن مع المؤمنين، لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي، المؤمنين يأخذ بعضهم بيد بعض، فهذا المؤمن متألق، التقى مع مؤمن منطفئ، فأعطاه من تألّقه فنهض به، هذا المؤمن موصول، التقى مع مؤمن فاسق، فوصله أثَّر في فتوره فتألَّق معه، لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾

( سورة التوبة )

من أجل أن تتقوا الله يجب أن تكونوا مع الصادقين .
والآية الواضحة التي لا شكَّ فيها:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

يجب أن تؤمن أن الله خلقنا ليرحمنها، وليسعدنا في الدنيا والآخرة، هذه آية صريحة، مرة ذكرت من أربع أو خمس دروس أن هذا الكأس من الماء، أنت قد تستنبط منه أشياء كثيرة، أما إذا قال لك صاحب البيت الذي في بيته هذا الكأس: هذا الماء غير طاهر . تصريحه يُلغي كل استنباطاتك، فأنت مهما بدا لك من استنباطات، مع قول الله عزَّ وجل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

إذاً خُلِقْنا للرحمة، وللسعادة، فإذا كان في انحراف، واقتضت رحمة الله أن يعالجنا، هذا موضوع استثنائي، أما الأصل أننا مخلوقون للسعادة .
في آية لطيفة جداً، في شهر المولد أحياناً، إنسان يدعو أناس إلى بيته، يسمعهم كلمةً من عالم جليل حول شمائل النبي، حول فضائله، حول منهجه الصحيح، هناك من يقول لك: هذه بدعة، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

أيْ إذا كان قلب النبي عليه أتم الصلاة والتسليم يزداد ثبوتاً بتلاوة قصة نبي دونه، فكيف بمؤمنٍ مُقَصِّرٍ في آخر الزمان يصغي إلى سيرة النبي ؟! فإذا قلت: المولد عبادة . فهو بدعة، أنا مع هؤلاء، إذا عددته عبادة فهو بدعة، أما إذا جمع الإنسان الناس ليعرفهم برسول الله، فلا شيء عليه، هذا من الدين، أراد أن يعرفهم برسول الله، والدليل:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون: من آية: "69 " )

﴿ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ: من آية: "46 " )

فالتفكر في دعوة النبي، والتفكر في منهج النبي، والتفكر في خُلُق النبي، والتفكر في شمائل النبي هذا من الدين، وأن نقصَّ على الناس سيرة النبي لأن سيرته مَنْهَج، دون أن نقول: هذا الذي فعلناه عبادة، هذا نشاط إسلامي عام، ضمن أوامر الله عزَّ وجل، هذا موقف معتدل، ويمكن أن تجمع الناس لا في شهر ربيع الأول، بل في كل شهور العام، لأنك مأمورٌ أن تعرِّف الأنام بسيِّد الأنام في كل العام . فإذاً تعريف الناس برسول الله جزءٌ من الدين، وهذه الآية دليل:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

فنحن حينما نستمع إلى سيرة النبي نزداد إيماناً، ويقيناً، وتألُّقاً.
آخر آية:

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود: من آية: "123 " )

أيْ ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS