21687
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة النحل - الدرس ( 24 - 58 ) : الفعل الماضي في القرآن.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة... الآية الأولى في سورة النحل، هي قوله تعالى:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾

( سورة النحل: من آية " 1 " )

 " أتى " فعل ماض، وقع في الماضي، ثم يقول الله عز وجل:

﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

( سورة النحل: من آية " 1 " )

 أي لم يأتِ بعد، يستنبط من هذا الآية أن الشيء الذي وعد الله به عباده آتٍ لا محالة، بل كأنه يأتي، بل كأنه قد أتى وانتهى، هذا وعد الله، في آية أخرى تقترب من هذا المعنى:

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)﴾

( سورة الفيل )

 هل رأيتم هذا أنتم ؟ ولا أنا، ولا أحد، يجب أن تأخذ خَبَر الله على أنك قد رأيته، مَن المُتكلم ؟ هو الله خالق الكون، فوعد الله ؛ وعد المؤمن بالجنة، وعد الكافر بالنار، وعد المؤمن بحياةٍ طيبةٍ في الدنيا، وعد الكافر بمعيشةٍ ضنك، فكل وعدٍ ووعيد من قِبَلِ المولى جل وعلا، يجب أن تعدّه وكأنه قد وقع وانتهى، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 كل متوقعٍ آت، وكل آتٍ قريب، يتضح هذا المعنى في الفصول الأربع، فهذا رمضان، كنا قبل قليل متى، الخميس الأربع، اثنا عشر يوماً، دون أن نشعر عشرين، ثم ثلاثين، انتهى، جاء العيد، انتهى العيد، عُدنا إلى أعمالنا، هكذا الوقت يمضي سريعاً، لذلك ما مضى فات، والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، لا نملك إلا هذه الساعة، من منا يضمن أن يعيش إلى غد ؟
 أحد إخواننا الكرام حدثني قال لي: صليت الفجر في جامع الشافعي، في أخ مؤمن كريم، عنده دعابة، كلما خرجنا من المسجد له طرفة يُلقيها، قال لي: في أحد الأيام صلينا معاً، وخرجنا معاً، لمحته وقت الظهر في أحد مواقف السيارات، قال: والله الذي لا إله إلا هو صليت عليه صلاة العصر، صلاة الجنازة، العصر كان تحت التُراب.
ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، المؤمَّل لا تملكه، والماضي لا جدوى من الحديث عنه، تملك هذه الساعة.
 في تركيز على كلمة " لكم "، أنت برمضان دعيت إنسان كريم له عندك مكانةٌ كبيرة، هذه الدعوة على شرفه، وهذا الطعام صنع خصيصاً له، وله صدر المائدة، وكل شيء له، وأنتم تأكلون طرق بالباب طارق، دخل، فدعوته إلى الطعام، هذا الداخل يأكل، وهذا الضيف الأول يأكل، ولكن هذا الطعام كله صنع خصيصاً للأول، هذا المعنى يستنبط من كلمة لكم..

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾

( سورة النحل: من آية " 5 " )

 مصممة، بقرة، معمل يعمل بصمت بلا ضجيج، وبلا دخان، تأكل أقل بكثير مما تعطي، تعطي أربعين إلى خمسين كيلو حليب، الغذاء الأول الكامل، الذي قال عنه النبي " اللهم زدنا منه " مشتقات الألبان يأتي أول غذاء، فهذه البقرة، هل هي تصنع الحليب ؟ الغدة الثديية على شكل قبة، فوق هذه القبة شبكة أوعية دقيقة جداً، الغدة الثديية لا أحد حتى الآن يعلم كيف تعمل، تنتقي من الدم من بين فرثٍ ودم، تنتقي المواد الأولية ؛ بروتينات، سكريات، دهنيات، معادن، فيتامينات، وتصنع غذاء كامل، وترشح من تحت نقطةً في جوف الثدي، فمن جعل هذا الحيوان الأليف، لو أنها توحشت لقتلتها.
 أحد إخواننا حدثني عن أخ في غوطة دمشق، عنده بقرة توحشت فقتلها، قتلت أول إنسان وثاني إنسان وهمت بقتل الثالث، فأطلق عليها النار وقتلها، ثمنها سبعين ألف، ما قيمة البقرة لو توحشت ؟ قال تعالى: " وذللها لكم "، عند كل كلمة في معنى، أولاً صنعت خصيصاً لكم، ثم هي مُذللة لكم، لو أن الغنم بأخلاق الضباع، من يستطيع أن يربي غنم ؟ مستحيل، الضبع مخيف، أما الغنم أليف، أخلاق الغنم، يقول: فلان مثل الغنمة ماشي معي. أخلاق الغنم تتناسب مع راحة الإنسان.

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)﴾

( سورة النحل )

 طبعاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 واحد راكب الآن سيارة فخمة جداً موديل تسعة وتسعين ثمنها أربعة وعشرين مليون، يقرأ:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 لو أن هذا كلام نبي لانتهت الآية إلى هُنا، لأن هذا حَدّ عِلْم النبي لم يكن توجد إلا الحيوانات، أما لأنه كلام الله قال:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 تركب طائرة ستمائة راكب، تركب اثنا عشر ساعة فوق البحار ضمن قوله تعالى:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 تركب سيارة فخمة، تركب قطار ماشي على ثلاثمائة وخمسين كيلو بالساعة، هذا كله تحت قوله تعالى:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 لأنه كلام الله، لأنه يعلم ما سيكون، ولكن بالمناسبة جاءني أخ من أمريكا، وحدثني أنه رأى برنامجاً عِلْمِيّاً هو أن ركوب الخيل ينفي عن الإنسان أمراض القلب والكبد والكليتين، وأن هذه المركبة المريحة، تجلب أمراض القلب والكبد والكُليتين، الإنسان مصمم على الحركة، كله مرتاح، مصعد، الآلات كلها كبس أزرار، غسالة أوتوماتيك، كله أوتوماتيك، حتى إذا ما كانت السيارة يطلع البلور لحاله، هذه صعبة، أصبح لا توجد حركة.
 حدثني طبيب، يمكن أن تعزا أكثر أمراض العصر إلى شيئين ؛ إلى الكسل العضلي والشدة النفسية، وهذا الآن متوافر بأعلى درجة، راحة، لا يوجد جهد عضلي إطلاقاً، كل أعمالنا مريحة، وشدة نفسية؛ قهر، وضغط، خوف، وقلق. وتعزا صحة أجدادنا إلى الجهد العضلي مع الراحة النفسية، الإنسان يسعد براحةٍ نفسيةٍ وجهدٍ عضليٍ عالي، فكما أن هذه المراتب مريحة جداً وفخمة جداً، لكن يقابلها أن الخيل التي صُمِّمت لنا هذه تنفي عن الإنسان أمراض القلب والكبد والكليتين.
 في بالقرآن إشارات دقيقة جداً، تلاحظ أحياناً نهدم بناء، نبدأ من السطح، نكسر، جهد جبّار، عندما هدم اليهود القنيطرة ـ قاتلهم الله ـ ماذا فعلوا ؟ أزالوا القواعد، فخر السقف من فوق البيت، انظر إلى هذه الآية ما أدقها:

﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾

( سورة النحل: من آية " 26" )

 هذه قضية هندسية، بدل أن تبذل جهد كبير في تقطيع البناء قطعة قطعة، لو ألغيت قواعده لتداعى البناء.

﴿ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)﴾

( سورة النحل )

 لو الآية وسعتها، أحياناً الإنسان يتدمر لسبب تافه، لحكمةٍ أرادها الله، ليرينا الله آياته، يتدمر إنسان كبير، أو عمل كبير، أو إنجاز كبير، لأنه بُنِيَ على معصية، بُنِي في غضب الله لسبب تافه، فحينما أرسلوا مركبةً وسمّوها المُتَحَدّي، وراجعوها مرتين أو ثلاثة عد تنازلي، بعد سبعين ثانية كانت كتلةً من اللهب.

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾

( سورة النحل: من آية " 45 " )

 هذه الزلازل، مستقر بلاد جميلة جداً، خضراء، بحار، فنادق، دخل سياحي عالي جداً، كل شيء فيها جميل، مياه غزيرة، أبنية فخمة، في بعض البلاد جيراننا الشماليين من أجمل بلاد العالم، فلما عصوا وبغوا الله عز وجل قال:

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾

( سورة النحل: من آية " 45 " )

 فالإنسان تحت رحمة الله بلحظة لو قلنا شدة الزلزال: أربعة ماشي الحال، خمسة خطر، سبعة ما في شيء، جعل الله عاليها سافلها.

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾

( سورة النحل: من آية " 51 " )

 هذه نقطة دقيقة جداً، اختر إلهاً يحميك، اختر إلهاً قوياً، معنى إله: مَنْ تعتقد أنه قوي، ليس شرطاً أن تقول: هذا إله. لا بل تقول: الله هو الإله. لكن لو اعتقدت أن إنساناً قوياً ؛ ينفعك أو يضرك، وأنه مستقلٌ بإرادته عن الله، أنت تعبده وأنت لا تدري، فإما أن تتخذ الله ولياً، وهو بيده كل شيء، وهو يحميك، أما أن تقع في حيرة.
 أحد ولاة البصرة كان عنده الحسن البصري، جاءه توجيه من يزيد، لو نفذ هذا التوجيه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذ هذا التوجيه لأغضب اليزيد، فعزله، وقع في حرج شديد، فسأل الحسن البصري: ماذا أفعل ؟ قال: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 كلام دقيق إذا واحد متخذ إلهين، طبعاً هذا الشيء حقيقةً، لكن الإعلان لا، يقول: ما في إلا الله عز وجل، هذا يقوله كل الناس، ولكن عملياً لما تعصي الله من أجل إنسان أنت اتخذته إله، رأيت إرضاءه وطاعته مغنماً كبيراً، فضَحَّيت بطاعة الله مِن أجله، اتخذته إلهاً وأنت لا تدري، فحينما تتخذ إلهين تقع في حرج شديد، وتقع في صراع، وتقع في دوَّامات، اتخذ إلهاً واحداً.

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)﴾

( سورة النحل )

" إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 الله عز وجل هو الأول، هو الآخر، مهما أوغلت في القِدَم هو الأول، إنسان خدمك، فمَن خلقه ؟ الله عز وجل، من قواه ؟ الله عز وجل، من أغناه ؟ الله عز وجل، من ألهمه ؟ الله عز وجل، من سمح له أن يعطيك ؟ الله عز وجل، إذاً تجد الله قبل كل شيء، وإنسان اغتنى بعد ذلك يموت ثم على القبر، إنسان صار في منصب رفيع جداً يموت على القبر، إنسان يدور العالم كله يموت على القبر، فماذا في القبر ؟ تصير إلى الله..

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

( سورة الغاشية)

 فإذا آمنت بأن الله هو الأول، أحببته، لأنه أصل كل نِعْمَة، وإن آمنت الله هو الآخر أطعته، لأن المصير إليه، إن آمنت بأنه الأول أحببته..

﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

( سورة النحل: من آية " 53 " )

 وإن آمنت بأنه الآخر أطعته، لأن مصيرك إليه، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)﴾

( سورة النحل )

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾

( سورة النحل: من آية " 66 " )

 في أخ كريم أطلعني على بحث علمي: أن الإنسان يتم في جسمه عمليات احتراق دقيقة جداً، نواتج هذه العملية غاز الفَحم، يطرح عن طريق الرئتين والأنف، وتتم عمليات استقلاب، نواتج هذا الاستقلاب حَمض البول، هذا موجود في الدم، وفي بالجهاز الهضمي يأخذ من المواد خواصها ويدع ما بقي، صار في عندنا فرث غازي، وفرث مائع سائل، وفرث صُلب، فهذا الدم فيه حمض بولي، وهو مؤذي يطرح عن طريق الكليتين، فهذه الخلية الغدة الثديية تختار مواد الحليب الأساسية، من بين فرثٍ ودمٍ، في فرث بالدم، في حمض بول..

﴿ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66)﴾

( سورة النحل )

 حدثني أخ قال لي: ثدي البقرة قد يتسع لعشرين أو ثلاثين كيلو أو أربعين تقريباً، هذا الوزن يدعو إلى تمزيق هذا الجدار، فمدعمة بجدار وسطي مُنَصِّف، وجدار متعامد معه منصف هكذا، جدار بجدار، وفي أربع حلمات، لو أن البقرة لأربع أشخاص، لو حلب كل واحدٍ منهم حُلْمَةً لأخذ الرُبع بالضبط، هذا الثدي حتى يتحمل هذه الكمية من الحليب مدعم بجدار داخلي منَصِّف، وجدار متعامد معه مُنَصِّف.
نحن بقضايانا اليومية نختلف، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

( سورة النحل: من آية " 90 " )

 إذا في قضية لو طبقت العدل حرمت الإنسان، ولكنك أيضاً أنت مأمور بالإحسان، هذه الآية تحل مليون مشكلة، له عندك حق محدود هذا العدل، العدل قسري، لكنك مأمور بالإحسان، ينبغي أن تعطيه حتى ترضيه، بآية الإحسان، العدل شيء والإحسان شيء، العدل قسري والإحسان طوعي، ولا تنسى أيها الأخ الكريم أن الله يأمرك بالعدل والإحسان معاً، فإذا قضية لم يسعها العدل يسعها الإحسان.
 أخي أنا متزوج زوجتي من سنة السبعين، كان نقدها ألفين ليرة، فهذه ألفين بالتمام والكمال، كان البيت ثمنه ستة آلاف، كان مهرها ثلث بيت، بيت ستة آلاف ثمنه الآن مليونين، أو يقول: أنا أريد على القانون، على القانون ألفين. ولكن والإحسان ؟ إذا قضية العدل لم يسعها، يسعها الإحسان، والله يأمرك بالإحسان.

﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾

( سورة النحل )

 حب الدنيا رأس كل خطيئة..

 إِنَّ هَؤُلاءِ ـ احتقاراً ـ

﴿ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا(27)﴾

( سورة الإنسان )

 فحب الدنيا، أيُّ حب دنيا ؟ حب الدنيا الذي يحملك على معصية الله، أما أن تحب الدنيا وتأخذ منها بالذي سمح الله لك به، هذا ليس حباً للدنيا، هذه فطرة، إنسان يحب أن يأكل، فعمل عملاً شريفاً، وكسب رزقاً حلالاً، واشترى بها طعاماً وأكل، فيقول عنه: أخي هذا حباب للدنيا. لا، لا، هذا إنسان يريد أن يأكل، شيء طبيعي جداً، هذه فطرة، فالشيء الذي تفعله وفق نهج الله ليس حباً للدنيا، حب الدنيا حينما يحملك حب الدنيا على معصية الله

﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

( سورة النور: من آية " 37" )

 معنى هم يتاجرون، ويبيعون، ولكن تجارتهم وبيعهم لم يحملهم على ترك الصلاة.

﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

( سورة النور: من آية " 37" )

 فالضابط في الموضوع بين حب الدنيا الذي ذمه الله، وبين حب الدنيا الذي يتوافق مع الفطرة، هو أن حب الدنيا إن كان وفق منهج الله، ولم يبعدك عن طاعة الله، ولا عن فريضة، ولا عن عملٍ صالحٍ، وابتغيت من الدنيا كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، انقلبت هذه المحبة إلى عبادة، لأن الدنيا مزرعة الآخرة.

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

( سورة النحل: من آية " 125 " )  الآية واضحة..

﴿ وَجَادِلْهُمْ﴾

( سورة النحل: من آية " 125 " )

 لم يقل بالحسنى، بل..

﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة النحل: من آية " 125 " )

 إذا في ألف أسلوب حَسَن يجب أن تختار الأحسن، ألف أسلوب حسن، لأنك مظنة صلاح، مظنة كمال، تمثِّل دين عظيم، تمثل القيَم الإنسانية الرفيعة، فإذا كنت قاسياً وأنا أذكركم دائماً بقوله تعالى:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 سيد الخلق، حبيب الحق، الذي يوحى إليه، والذي معه المُعجزات، والمعصوم، وأجمل خَلق الله، وأكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، صفات النبي تفوق حد الخيال، ومع كل هذه الميزات أنت يا محمد بالذات..

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 ولكن واحد لا يوجد معه وحي، ولا معه جمال، ولا يوجد معه كمال، ولا يوجد معه فصاحة، ولا يوجد معه بيان، ولا يوجد معه معجزات، ومع ذلك فهو فظٌ غليظ القلب، لماذا هذه الغلاظة ؟

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 إخواننا الكرام... في آيتين مروا:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل )

 في بالأخبار شيء اسمه موجَز، وشيء اسمه التَفْصيل، الله عز وجل بالموجَز قال:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل )

 هذا موجز، والتفاصيل، الله متى يغفر ؟

﴿ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل )

 واليوم مرت آية ثانية بهذا المعنى:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل )

 فَرِّق بين آية موجَز وآية تفصيل، إذا قلت: إن الله غفورٌ رحيم، هذه موجز، أما التفاصيل هذه التفاصيل:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة فاطر: من آية " 8 " )

 التفاصيل:

﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)﴾

( سورة الجمعة )

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107)﴾

( سورة النحل )

﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5)﴾

( سورة الصف )

 واضحة، هو يهدي ولا يهدي، لكن يهدي مَن ؟ ولا يهدي مَن ؟ في لها تفاصيل، فلا تخلط بين آية موجز وآية تفاصيل، الموجز لا يتوضَّح إلا بالتفاصيل، فالله عز وجل يقول:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل )

 حتى الإنسان لا يقع بوهم، دائماً وأبداً الحقيقة المرة خيرٌ ألف مرة من الوَهم المُريح، كن بحقيقة مرة، واحد معه شيك بمائة ألف، مليون دولار، واحد قال له: هذا الشيك مزور، ما أحب أن يعرف الحقيقة هكذا أريح له، وهو يحلم أحلام حلوة جداً، بأخذ البيت الفلاني، السيارة الفلانية، مليون دولار بجيبته، قال له واحد: هذا الشيك مزور، أنا أعتقد لو بحث عن صحة هذا الكلام، وطلع مزور لاشتغل، أما هذا الوهم المريح في معه دمار بالنهاية، كم من إنسان دُمِّر، بفكرة سمعها من إنسان: أن الله غفور رحيم. بهذه البساطة، النبي يشفع لنا يوم القيامة، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. اعمل وأكثِر، هذه أوهام، كلها أوهام، يبدد الله سيئاتهم حسنات، فكلما كانت السيئة أكبر تصبح الحسنة أكبر، إذاً كبَّرها السيئة، هكذا يفهم الإنسان أحياناً هذه كلها أوهام، كن مع الحقيقة المرة، في أدعية سمعتها مرة: اللهم لا تسألنا عن شيء أبداً.
لكن الله يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

( سورة الحجر )

 أليس هذا الدعاء سوء أدب مع الله، إله يقول لك:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

( سورة الحجر )

 ويرفع يديه: يا رب لا تسألنا عن شيء. هذا دعاء خلاف القرآن الكريم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS