3780
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة الإسراء - الدرس ( 25 - 58 ) : التشريع.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة: من أبلغ أنواع التربية أن تُربّى الأمةُ بعظيمها، أضرب لكم مثلاً بسيطاً: بعد وفاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقد جيّشَ النبي جيشاً قبلَ وفاته بقيادة أسامة ابنِ زيد بعضُ أصحابِ رسولِ الله رأى أنّهُ بعدَ أن يرتدَ العربُ ونشأت فِتنٌ كبيرةٌ حولَ المدينة لا ينبغي أن يُجيّشَ هذا الجيش، أيعقلُ أن تكونَ هناكَ فِتنةٌ داخليةٌ طاحنة وأن يُرسِلَ جيشاً للفتوح، بعضُ أصحابِ النبي ارتأوا ألاّ يُسيّرَ هذا الجيش، سيدنا الصديّق بموقف إيماني عالي جداً يعني كانَ مُصرّاً على تسييرِ هذا الجيش، سيدنا عمر لِحكمةٍ بالغة نقلَ للصديّق موقِفَ الصحابة فما كانَ من هذا الخليفة الوديع، اللطيف، الرقيق، الحييّ، إلا أن أمسكَ عمر من تلابيبِهِ وقال: ثَكِلَتُكَ أُمكَ يا ابنَ الخطاب جبّارٌ في الجاهلية خوّارٌ في الإسلام، الحقيقة أنَّ سيدنا الصديّق أرادَ أن يُربيَّ الصحابة بسيّدنا عمر، ليسَ عمر هوّ المقصود، المقصود الموقف الضعيف الذي نَشَاَ عِندَ الصحابة بعدَ ارتداد العرب والمسلمين.
 الآن الخطر الأكبر الذي ينتظر المسلمين في شتى بِقاع الأرض أن يستبدلوا بِدينهم تشريعاً أرضياً أو أن يبتعدوا عن الوحي الذي هوَ تشريعُ السماء الكامل التام الذي هوَ من عِندِ الله بتشريعٍ أرضي، فماذا قالَ اللهُ عزَّ وجل:

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾

(سورة الإسراء الآية 73)

 هذهِ الفِتنة بدأت منذُ عهدِ رسولِ الله صلى الله عليهِ وسلم وإلى يومِ القيامة، نريد تشريع آخر، نريد نظام آخر، نريد منهج آخر، نريد منهج يتوافق مع الحياة المعاصرة، نريد منهج مرن، نريد منهج لا يوجد بهِ تزمّت،... هذا كُلُهُ كلام الناس... نريد منهج يتوافق مع ضرورة كسب المال، أيعقل أن تُجمّد الأموال دونَ أن نربحَ عليها، نريد منهج يصف المرأة بأنها نصف المجتمع، لأنَّ الإله الذي خَلَقَ الإنسان هُم يظنون أنَّ تشريعَهُ ناقص ولا يُساير ركبَ الحضارة، ولا يُغطي حاجات المجتمع فكُلُ هذهِ الدعاوى من عهدِ رسولِ الله وإلى يومِ القيامة أن ندعَ وحيَ السماء إلى منهجٍ أرضي بطريقةٍ أو بأخرى، تارةً بدعوى الاستجابة للضغط الاجتماعي، وتارةً بدعوى التقدم، ابتعدَ عن الدين كُليّاً وأن يبقى الدين شعائر تُؤدّى بشكلٍ أجوف.. شعائر..، فيا أيها الأخوة هذا مطبٌّ خطير يُهددُ المسلمين أن يبتعدوا عن منهجِ ربِهم، أولاً بالمنطق إله هوَ الخبير، قالَ تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

(سورة فاطر )

 هوَ الخالِق، هوَ الرب، هوَ المُسيّر، هوَ العليم، هوَ الغني، هوَ القدير، أيعقلُ أن يكونَ تشريعُهُ ناقصاً أو لا يُلبي حاجات الإنسان، يعني أنا أقول لكم هذهِ الحقيقة: الآن في بعض البلاد الغربيّة التأمين الذي يروجُ الآن تأمين تعاوني، والتأمين التعاوني تأمين شرعي بل مندوبٌ أن نفعَلَهُ، يعني مجموعة أطباء، مائة طبيب يضعونَ في صندوقٍ عام كل واحد مبلغ من المال متساوي، لو أنهُ أُقيمت دعوى على طبيب والمبلغ كبير جداً يأخذ من هذا الصندوق المبلغ الذي غُرِّمَ بِهِ، لو أنّهُ لم يُقِم أحدهم دعوى على أيَّ طبيب هذا المال لنا، هذا التأمين تعاوني، ما في مشكلة تنشأ في المجتمع إلا والشرع يُغطيها ولكن العِلّة ليسَ في إسلامِنا، بل في مسلمينا، العِلّة في المسلمين، أمّا الشيء الذي يُهددِهُم أن يستبدِلوا بدينِهم ديناً آخر، منهجاً آخر، مشكلة المسلمين الآن حياتُهُ غربيّة، طريقة تعامُلِهِ غربيّة، بيتُهُ غربيّ، عملُهُ غربيّ، علاقاتُهُ كُلُها غربيّة، لكن يُصلي، يعني لَهُ من الدين العبادات الشعائريّة فقط، أمّا الدين منهج كامل في كسب المال وفي إنفاق المال، وفي العلاقة الزوجية، وفي الأفراح وفي الأتراح، وفي السفر وفي الحضر، وفي الإقامة، منهج كامل، لذلك حينما كنتُ في سفرتي الأخيرة في حفل الختام كُلِفتُ أن أُلقي كلمة لدقيقة واحدة فاخترتُ هذهِ الآية:

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾

(سورة الإسراء)

 انتهت المشكلة، حينما تلين، حينما تتنازل، حينما تضع بعض القيود، تُسهلها، وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً،

﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74)﴾

(سورة الإسراء)

 يعني هوَ الإنسان بأعلى درجة من الإخلاص يتصوّر.. لو القضية أنا تساهلت فيها قليلاً نجلِبُهم.. هذهِ مُشكلة الدُعاة، يعني الدُعاة دونَ أن يشعروا أعطوا فتاوى استجابة لضغط الجماهير، أعطوا فتاوى أنهُ نحنُ ديننا مرن، ديننا واقعي، ديننا يُساير ركب الحضارة، كُلُ هذهِ الدعاوى كانت وراء إصدار فتاوى لم يبقَ بينَ الدينِ والحرامِ شيئاً، الرِبا مسموح، الغناء مسموح، التمثيل مسموح، لم يعُد هناكَ شيء، إلاّ أنني صِرتُ أقول لِكُلِّ معصيةٍ فتوى، لا يوجد هناك مشكلة، أن أردتَ الفتوى فالفتوى موجودة عليكَ أن تُريدَ التقوى الفتوى موجودة، وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا، اللهُ عزّ وجل ربّى الأمة بِرسولِها:

﴿ إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75)﴾

(سورة الإسراء)

 يعني هذا الدين أمانة، والوحي أمانة، والرسالة أمانة، والتبليغ أمانة، والتبيين أمانة، أوضح مثل النبيُ عليه الصلاة والسلام حينما كُسِفت الشمس لِموتِ إبراهيم، هكذا فَهِمَ الصحابة أنَّ الشمس كُسِفت لموتِ ابنِهِ، وقفَ فيهم خطيباً وقال:

(( عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ ))

 هذهِ الآية دقيقة جداً، النبيُ عليهِ الصلاة والسلام لو أنّهُ رَكَنَ إليهم شيئاً قليلاً لأذاقَهُ اللهُ ضِعفَ الحياةِ وضِعفَ الممات، فليسَ هناك مجاملة في الأحكام الشرعية، ليسَ هناك مجاملة في العقائد، أمّا دائماً الطرف الآخر يُحب أن تتخلّف ولو قليلاً عن منهجِك.
أيها الأخوة: يجب أن ننتبه، تشريعُنا تشريعُ خالِقُ الكون، تشريع كامل كمال مُطلق، لا يحتمل التبديل ولا التغيير، ولا التعديل ولا الإضافة، ولا الحذف.. لا يحتمل.. أمّا لو كان تشريع إنسان، الإنسان يبدو لهُ شيء لم يكُن بادياً من قبل، الإنسان يحكُم بقدرِ خِبرَتِهِ، فكُلما نمت خِبرَتُهُ غيّرَ حُكمَهُ، هذا شيء طبيعي، لكن ما تفعل بتشريع الله عزّ وجل خالِق الكون، لا يليقُ بِهِ البداء، البداء أن يبدوَ لَهُ شيء لم يكُن بادياً من قبل، هذا لا يليقُ بِهِ أبداً أن يبدوَ لَهُ شيء لم يكُن بادياً من قبل، إذاً نحنُ حينما نُفكّر أن نُعدّل أن نُطوّر، أن نُضيف، أن نحذف، أن نُغيّر، أن نقول هذهِ حُكم قاسي نقطعُ يد السارق معقول، اللهُ عزَّ وجل يقول:

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾

(سورة المائدة الآية 38)

 يعني في بلد غير متعلّم، غير مثقف، الأميّة تفشو فيه كانَ الصراّفون يضعونَ أموالَهم على الطريق ويصلّون، شيء لا يُصدّق أمّا في بلد الرُقي والحضارة والتقدّم في كُل ثلاثين ثانية إحصاء 65 تُرتكبُ جريمةُ قتلٍ أو سرقةٍ أو اغتصاب، في كُل ثلاثين ثانية، يعني لمّا الإله يُشرّع شيء مدهش، الإمام الشافعي سُئِل أنه " يدٌ بخمسِ مئينٍ عسجدٍ وُديّت "، لو أنها قُطعت خطأً بحادث ديّتُها خمسمائة دينار ذهبي ما بالُها قُطِعت لربعِ دينارٍ " يدٌ بخمسِ مئينٍ عسجدٍ وُديّت ما بالُها قُطعت لربعِ دينارِ " فقالَ الإمامُ الشافعي: " عِزُّ الأمانةِ أغلاها وأرخصَها ذُلُّ الأمانةِ فافهم حِكمةَ الباري "، يجب أن ننتبه هناك دعوى إلى التبديل والتغيير والتخفيف والتغيير والحذف والإضافة هذهِ الفِتنة التي تنتظر المسلمين من عهدِ النبي وإلى يومِ القيامة،

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا*وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا*إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا*.﴾

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

(سورة الإسراء)

يعني الإنسان مُكرّم ولا يليقُ بِهِ أن يعصي الذي كرّمَهُ، لا يليقُ بِهِ أن يستخدِمَ نِعمَ اللهِ في معاصي الله، واحد سأل رجل عارف بالله وكأنهُ يسألهُ أن يُعطيَهُ رخصةً في المعصية، قالَ لَهُ: خمسُ أشياء إن فعلتها فلا عليكَ أن تعصي الله، فقالَ ما هذهِ ؟ قالَ لهُ:
 1- إن أردتَ أن تعصيّهُ فلا تسكن أرضَهُ، قالَ وأينَ أسكُنُ إذاً، قال تسكُنُ أرضَهُ وتعصيه، فقالَ هاتِ الثانية، قالَ لَهُ:
 2- إن أردتَ أن تعصيّهُ فلا تأكل رِزقه، قالَ وماذا آكُلُ، قال تسكُنُ أرضَهُ وتأكُلُ رِزقَهُ وتعصيه، فقالَ هاتِ الثالثة، قالَ لَهُ:
 3- إن أردتَ أن تعصيّهُ فاعصهِ في مكانٍ لا يراكَ فيه، فقالَ هوَ معنا في كُلِّ مكان، قال له تسكُنُ أرضَهُ، وتأكُلُ رِزقَهُ، وتعصيه وهوَ يراك، فقالَ هاتِ الرابعة، قالَ لَهُ:
 4- إن أردتَ أن تعصيّهُ وجاءَكَ مَلَكُ الموت فلا تذهب مَعَهُ، قالَ لهُ لا أستطيع، قالَ لهُ تسكُنُ أرضَهُ، وتأكُلُ رِزقَهُ، وتعصيه وهوَ يراك، ولا تستطيع أن تمتنع عن مَلَكِ الموت، فقالَ هاتِ الخامسة، قالَ لَهُ:
 5- إذا أخَذَكَ الزبانيةُ إلى النار فلا تذهب معهم، فقال له لا أستطيع، فجمعهم فأصبحوا خمسة: تسكُنُ أرضَهُ، وتأكُلُ رِزقَهُ، وتعصيه وهوَ يراك، ولا تستطيع أن تمتنع عن مَلَكِ الموت ولا عن زبانيةِ جهنم، كيفَ تعصيه.
 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، يعني مرة شاهدت قلب خروف صغير فقلت في نفسي لأنظر إلى الدسامات التي يتكلّمُ عنها أطباء القلب، ففتحت فوجدت الدسام فعلاً والشريان الأبهر والبُطين والأُذين وبعدها تمَّ قليّهُ وأكلُهُ، قُلت لو كان خروف صار معهُ إحتشاء في قلبه أيأخذونَهُ إلى بريطانيا ليُجروا لَهُ عملية بمليون ليرة، يذبحونَهُ ويأكلوه وانتهت العملية، الإنسان مُكرّم أيام يدفع ملونين لتبديل شريان، تبديل صمام، الإنسان مُكرّم حتى تقدّم الطب دليل تكريم الإنسان، لأنك مُكرّم الطب متقدّم جداً، في زرع أعضاء، في عمليات معقّدة جداً تجري بوسائل مُذهلة، هذا: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا، لكن للأمانة العلمية يعني هناك بلاد يعيشون على أنقاض الشعوب تُجرى هناك عمليات تبديل شريان للكلاب، وعمليات زرع أسنان للكلاب، وعمليات تبديل مفاصل، يعني التبديل حوالي عشرة آلاف دولار تُكلّف إلى كلب، الشعوب تموت من الجوع وتُقهر وتُؤخذُ ثرواتُها، وقد تُرسم خِطة لإفناء شعب أو لتجويع شعب أمّا الكلاب عِندَهم هكذا، حتى هناك أطباء نفسّيون للكلاب، إذا كانَ هناكَ كلب معهُ كآبة لهُ طبيب نفسي، ومقابر الكلاب يعني حدائق جميلة جداً أجمل من أي حديقة صَنَعَها الإنسان.. مقابر الكلاب..، هذا من تناقُضات العصر، شعوبٌ تموتُ من الجوع وكلابٌ تُجرى لها عمليات زرع أسنان وتبديل مفاصل وتبديل شريان قلب وأطباء، حتى في محلات يعني محلات ضخمة جداً لِحاجات الكلاب، دخل واحد لا يفقهُ شيئاً وقام بتعبئة السلّة بضاعةَ كبيرة جداً وهوَ فرح لأنها كُلّها علب طعام، فلما وَصَلَ إلى دفع الثمن سألتهُ الموظفة: أعندكَ كلب ؟ قالَ لا، فقالت أرجعهُ كُلُهُ، هذا طعامُ الكِلاب، يعني هذهِ مفارقات حادّة جداً من قسوةِ قلبِ الإنسان، من قسوةِ قلبِهِ يرحمُ كلباً ويقسو على أُمة، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا، فيليق بهذا التكريم الطاعة لله عزَّ وجل، يتناسب مع التكريم الطاعة، أما المعصية مع هذا التكريم موقف شائن، في آية دقيقة:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً (53)﴾

(سورة الإسراء)

 يعني ممكن أن تتشرّد أسرة من كلمة قاسية من الزوجة فقام بتطليقها، ممكن أن تنفصل شركة من كلمة قاسية من شريك، ممكن أن تتهدّم مجتمعات من كلمة قاسية، ممكن أن تنشأ حروب، يعني الكلمة لَها أثر كبير جداً، ربنا عزّ وجل يقول: قُلْ لِعِبَادِي، هؤلاء الذين يعبدونني بالمناسبة العِباد غير العبيد، العِباد جمع عبد الشُكر، أما العبيد جمع عبد القهر، كُل إنسان مقهور، مقهور بالهواء لو مُنع عنكَ الهواء يموت الإنسان، مقهور بالماء، مقهور بقلبه لو توقف قلبُهُ مات، مقهور بدسامات قلبه، مقهور بلمعة شرايينه، مقهور بنمو خلاياه، مقهور بأكثر من مائة ألف بند في جسمه.. مقهور..، فكل واحد عبد لله عبد قهر فجمع عبد القهر عبيد:

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

(سورة فُصلّت)

 أما الإنسان إذا عَرَفَ اللهَ وأقبلَ عليه هذا عبد الشُكر، جمع عبد الشُكر عِباد:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

(سورة الفرقان الآية 63)

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾

(سورة الإسراء الآية 65)

 يعني هؤلاء الذين عرفوني، هؤلاء الذين أحبوني، هؤلاء الذين أقبلوا عليّ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، إنَّ عِبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، انظر أَحْسَنُ اسم تفضيل، هناك ألف عبارة حسنة إلى أخوك، ألف عبارة حسنة، يجب أن تختار الأحسن، سيدنا يوسف ماذا قال لأخوته:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

(سورة يوسف الآية 100

 طيب أينَ الجُبّ، الجُب أخطر الإنسان في السجن مضمونة حياته أما بالجُب يموت، لم يذكُر الجُب لِئلا يُذكرَهُم بأعمالِهم، فالإنسان كلّما ارتقى ينتقي الكلمة اللطيفة المهذبة، وفي آلاف الكلمات تُعبّر عن حاجتَكَ دونَ أن تجرَحَ أخاك، وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا، ينزغ بينهم بكلمة قاسية وآلاف القِصص، آلاف الأُسر شُرِّدت من كلمة قاسية في ساعة غضب قالَها الزوج أو قالتها الزوجة وانفصلت الأسرة، أو شركات أو مؤسسات، الآية الأخيرة:

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (58)﴾

(سورة الإسراء)

 يعني أمة عندها ثروات باطنية، غنية جداً، لا يوجد عندها مشكلة مالية أو اجتماعية ومع ذلك إذا شردت فلابُدَّ لها من تأديب، وقد تجدون بلاد تنعُم بثروات طائلة، بِغِنى، كُل شيء فيها مُيسّر، دخول كبيرة جداً وشعب قليل ومع ذلك عانوا من اجتياحٍ وعانوا من حروبٍ وعانوا من تشريدٍ، وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، إن وجدت هناك شرود عن الله في معاصي، في ِفتن، الشيء المنطقي والعملي أنَّ هذا الإنسان الشارد لابُدَّ لَهُ من تأديب فرداً كانَ أو مجتمعاً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS