4359
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة طه - الدرس ( 28 - 58 ) : الساعة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكِرام: في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

(سورة طه الآية 15)

 الساعة خبر أما الدنيا واقع، الدنيا محسوسة والآخرة مستنبطة لأنَّ الدنيا محسوسة أمامك طعامٌ نفيس، أمامك قصرٌ منيف، أمامك امرأة جميلة، أمامك بستانٌ وارف الظِلال، الدنيا محسوسة والآخرة موعودة خبر في القرآن، في وقت للجنة وما فيها من نعيمٍ مقيم، هذا الذي يُحكِمُ عقلَهُ ويُصدَّقُ رَبّهُ ويُؤثر ما عِندَ اللهِ عزّ وجل على الدنيا الفانية يسعَد إلى أبد الآبدين، وهذا الذي يُعطِل عقلَهُ ويعيشُ واقِعَهُ، يعيش اللذائذ والمباهج التي بين يديه ولا يُفكر في المستقبل هذا يشقى إلى أبد الآبدين، أمثلة كثيرة جداً " إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا " كيفَ أنَّ الله جلَّ جلاله قبلَ يومين قال:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

(سورة النحل الآية 1)

 فعل ماضي أتى وانتهى، قال: " فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ " لم يأتِ بعد فالشيء الذي وَعَدَ بِهِ اللهُ واقعٌ لا محالة فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

(سورة طه)

 الساعة تحتاج إلى إيمان، تحتاج إلى طلب عِلم، تحتاج إلى قراءة القرآن، تحتاج إلى قراءة حديث النبي العدنان، كي نؤمن بِها، أما الدنيا تحتَ سمعِنا وبصرِنا، فالانغماس في الدنيا لا يحتاج إلى إرادة، لا يحتاج إلى تبصّر، لا يحتاج إلى إدراك عميق، يكفي أن ينساقَ الإنسان مع رغباتِهِ فهوَ من أهلِ الدنيا، أمّا الإيمان بالآخرة يحتاج إلى زُهد، إلى طلب عِلم، إلى معرفة الحقائق.
 يعني في قصة سيدنا موسى أنّهُ طفل صغير وُضِع في صندوق وأُلقي في النهر، كيف أنَّ اللهَ جلَّ جلاله سيّرَ هذا الصندوق إلى شاطئ قصر فِرعون، وكيفَ أنَّ امرأة فِرعون أُلِهمت أن تنزل إلى شاطئ النهر فإذا ترى هذا الصندوق تفتحُهُ، كيفَ أنَّ اللهَ ألقى محبة هذا الطفل الصغير في قلب امرأة فِرعون، لا تقتلوه عسى أن ينفَعَنا أو نتخذه ولداً، هذا فِعل الله، فإذا كان صندوق خشبي يتحرك بأمر الله فما بالك فوق ذلك، حينما تؤمن أنّهُ لا إلهَ إلا الله تتجه _إليهِ وحدَهُ وتُطيعُهُ وحدَهُ.
 نحنا في النظام التعليمي الليسانس أربع سنوات في بلاد أخرى للطالب المتفوق جداً بإمكانهُ أن يُنهيه بثلاث سنوات لكن ما في بنظامنا التعليمي إنسان يأخذ الليسانس بدقيقة واحدة، هذا في الدين موجود نسميه حرق المراحل، سحرة فِرعون جاءوا لِيُحبِطوا فِعلَ سيدنا موسى، هُم سحرة أو هُم يملِكون أساليب ماهرة جداً في خِداع الناس، فهو إمّا سحر معاونة من الشياطين أو خِفّة يد، الأعمال التي فوقَ طاقة البشر إمّا أنها تدريب عالي جداً أو أنها معاونة من الشيطان، هُم أتوا بأنابيب ولوّنوها كالأفاعي وضعوا فيها زئبق ووضعوها على سطح ساخن، الزئبق تمدد تحركت، أمّا حينما رأوا الثعبان الحقيقي يلتقم ما صنعوا قالوا هذا ليسَ بِسحر آمنوا، موقف سحرة فِرعون أيها الأخوة موقف مذهل:

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)﴾

(سورة طه)

 أيها الأخوة: والله في بالأرض أدلّة وشواهد شيء لا يُصدّق لكنَّ الناس شهواتهم أعمتهُم هؤلاء كانوا صادقين:

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71)﴾

(سورة طه)

 لا تظنوا هذا كلام سهل، الأشياء إذا ابتعدت عنّا كثيراً قد نُقلّل من قيمتها، لكن فِرعون الطغاة مخيفون قتلُ الإنسان عندهم لا يزيدُ عن قتلِ نملة "

قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى "
 اسمعوا إلى جواب السحرة يواجِهونَ أكبرَ طاغيةٍ في العالم، يواجِهونَ من ذبّحَ أبناءَ بني إسرائيل واستحيا نِسائهم، يواجِهونَ إنساناً قالَ أنا ربُكم الأعلى، يواجِهونَ إنساناً يقول ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري، يواجِهونَ إنساناً كُلُّ من حولَهُ يعملُ من أجلِهِ بِلا مقابل نظام السُخرة، الأهرامات قليلة، الأهرامات جيء بأحجارِها من الجنوب من صعيد مِصر وكل حجر يساوي نصف هذا الجامع، كيفَ حملوه، كيفَ نقلوه، كيفَ وضعوه ؟

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾

(سورة طه)

 يعني بالتعبير الدارج " يدك وما تعطي " هل تملِكُ أكثر من أن تقتُلَنا، أقصى شيء عند الإنسان أن يقتل:

﴿ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75)﴾

(سورة طه)

 أيها الأخوة: واللهِ الذي لا إله إلا هوَ لا يليقُ بالإنسان أن يكونَ لغيرِ الله، أنتَ مخلوق لله عزّ وجل فإذا كُنتَ لِغير الله فقد احتقرتَ نفسك جعلت نفسك ندب، أنتَ لله ولا ترضى إلا أن تكونَ ولياً لله واللهُ معك، قالوا: " إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا*وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا " هذا موقف والآيات دالّة ورسائل الله عزّ وجل كثيرة جداً والآيات واضحة جداً، وأفعال الله صارخة، والقرآن واضح والسُنّة واضحة، وأفعال الله كُلُها تُؤكدُ أقوالَهُ وأقوالَ نبيِهِ، ما علينا إلا أن نتعّظ وأن نتحرك.
أيها الأخوة: في أشياء إذا أعرضتَ عنها لا تخسر قد يفوتُكَ شيء، أما في أشياء لو أعرضتَ عنها في أثر مستقبلي كبير جداً، يقولُ اللهُ عزَّ وجل من أعرضَ عنهُ أعرَضَ عن هذا الكِتاب:

﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً (101)﴾

(سورة طه)

 يحمل حِمل لا طاقةَ لَهُ بِهِ، يعني إذا الإنسان في ساعة حُمق وطيش وغفلة وغباء خانَ وطَنَهُ ثُمَّ كُشِف وسيقَ للمحاكمة وحُكِمَ عليهِ بالإعدام، وصل إلى طريق مسدود أينَ عقلُهُ، أينَ وطنيَتُهُ، أينَ حِرصُهُ على أبناءِ أُمتِهِ، هذا إنسان عطّلَ عقلُهُ، فلمّا كُشِف حمل ثِقل، ثِقل أنّهُ فُضِح، وثِقل أنّهُ سيُحاكم، وثِقل أنّهُ سيفقِدُ أهلَهُ وأولادَهُ، وثِقل أنّهُ سيُشنق، أنا أضرِب لكم أمثلة، هذا حمل شيء لا يُطيقَهُ، أيام إنسان يرتكب مخالفة خطيرة يُكشَفُ أمرُهُ تُكفُ يدُهُ، يُساقُ للمحكمة، يودع في السجن، يُفتضح أمام الناس كلها، تجده يُصيبُ قلبَهُ من الألم ما لا يُحتمل هنا " مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا*خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا "، ربنا عزّ وجل تعجّب قال:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

(سورة البقرة)

 ما أصبرهم على النار ؟ أيها الأخوة من الآيات الدقيقةِ جداً قالَ تعالى:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

(سورة طه)

 لا يضِلُ عقلُهُ ولا تشقى نفسُهُ،

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

(سورة طه)

العالم بينَ أيديكم، الناس من حولكم ائتوني بواحد أعرضَ عن الله وسَعِدَ في حياتِهِ، وائتوني بواحد استقامَ على أمر الله وشَقِيَ في حياتِهِ
 لا يضِلُ عقلُهُ ولا تشقى نفسُه " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى "، في سؤال قد يسألُهُ سائل أنّهُ هذا الإنسان الكافر الفاسق الماجن الفاجر الذي يجمع الأموال الحرام وينغمس في الشهوات بِما لا يقسِمُهُ اللهُ عزّ وجل في نظام، كالنظام التعليمي في امتحان في 5 حزيران طيب هذا الطالب الذي لم يداوم ولا يوم لماذا يرسبوه في نصف السنة ؟ نظام النجاح عقِب الامتحان يعني:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾

(سورة طه الآية 129)

 هذه الكلمة أنَّ الله سبحانه وتعالى أعطانا حرية الإختيار أنتَ مُخيّر وفي امتحان، أمّا اللهُ عزّ وجل لا يُعامِل الناسَ بِعِلمِهِ، يُعامِلُهم بأفعالِهم:

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾

(سورة الأنفال الآية 42)

 لو أنّهُ إنسان معروف عِندَ الأستاذ أنّهُ كسول ولن ينجح فقالَ لَهُ أنتَ سأُرسِبُكَ، الآن قمت بترسيبك، قد يدّعي هذا الطالب أنّهُ أنا قوي بالرياضيات أنتَ ظلمتني دعني أُقدّم امتحان، فّإذا قام بترسيبِهِ بعدَ تقديم الامتحان بعد أن أخَذّ الصفر هذا الرسوب عن بيّنة، أمّا لو رسّبَهُ بِعلمِهِ هذا الرسوب يُثيرُ الجدل، فربنا عزّ وجل لا يُهلِك من يُهلِكُهُ إلا عن بيّنة ولا يرحم من يرحَمُهُ إلا عن بيّنة " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة "، إذاَ ولولا كلمةٌ سبقت أنَّ الإنسان مُخيّر وهُناك يوم للحِساب لكانَ لِزاماً وأجلٌ مُسمّى، لِزاماً إهلاكُهُم، لِزاماً تدميرُهُم، أمّا في كلمتين، كلمةٌ سبقت من ربِكَ أنَّ الإنسان مُخيّر، وفي لهُ أجل مُسمّى لا يُقرّب، فلذلك:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

(سورة يونس الآية46)

 يعني حتى النبي الكريم قد لا يُكحِلُ عينيه بامرأة الفجرة وهُم ساقطون، أنتَ عليكَ أن تُطيعَ اللهَ عزّ وجل واللهُ يتولى أمرَ العِباد، في ملمح لطيف:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)﴾

(سورة طه)

 لعلَّ اللهَ يعطيكَ عطاءً ترضى عنه، هوَ الإنسان إذا نسيَ الآخرة الدنيا مُتعبة تغرُ وتمرُ وتضر، لا تستقيم لأحد إن جاءت من زاوية هربت من زاوية، إن أعجبَكَ منها شيء أقلَقَكَ منها أشياء، نظام الحياة الدنيا لا تستقِرُ على حال ولا تدومُ على حال وكُلُ حالٍ يزول والحياة مشحونة بالمتاعب شاءَ اللهُ لها ذلك كي لا نتعلّقُ بِها وننسى الآخرة، فلذلك قال أنت صلِّ صلاة متقنة، وسبّح ربّك واذكر الله لعلّكَ ترضى عن الله بعطاءٍ أبديٍ سرمدي، عطاءُ الدنيا محدود في قلق أيها الأخوة قلق عميق، هؤلاء الناجحون في الحياة الدنيا بعدَ أن نجحوا وامتلكوا وأنشئوا ما يُعجِبُهُم في حياتِهم عِندهم قلق عميق هوَ الموت، الموت يُنهي كُلَّ دُنياهُم، ويُنهي كُلَّ مكاسِبِهم، ويُنهي كُلَّ ما حققوهُ في زمنٍ طويل، فكُل إنسان نَسِيَ الآخرة في عندهُ قلق ساحق، أما الذي يعمل للآخرة لا يوجد عندهُ قلق يتحرك حركة طبيعية وخطُهُ البياني صاعد، هذا معنى قولِهِ تعالى: " لَعَلَّكَ تَرْضَى ":

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾

(سورة طه الآية 132)

 في ملمح لطيف ثاني " لا نسألُكَ رِزقاً " يعني البيت الذي فيهِ صلاة فيهِ حِجاب فيهِ قراءة قرآن فيهِ تقوى لله عزّ وجل هذا بيت مرزوق، أما البيت الذي فيهِ الفجور والتفلّت والتكشّف والاختلاط وترك الصلاة والأغاني تصدح مِثلُ هذا البيت بعيد عن أن يكون مرزوقاً رِزقاَ طيباً حلالاً، هذا معنى قولِهِ تعالى: " وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ".
 آخر موضوع أتمنى أن يكون عندكم واضحاً تماماً سأوضِحُهُ بِمَثل: إنسان عليهِ زكاةُ مال، قصة وقعت رويتُها كثيراً " تحملوها مرة ثانية معليش " إنسان في عليه زكاة مال 11560 ليرة، لَهُ زوجة يعني ضغطت عليه كي يُنفق هذا المبلغ في ترميم البيت وتحسينِهِ ودهانِهِ وشراء طقم، استجابَ لَها واشترى الطقم وقام بتدهين البيت، ضُرِبت سيارَتُهُ وبقدرة قادر ذهبَ ليُصلِحَهَا التجليس والبخ وقطع الغيار كلّفت 11560 هل تُعد هذهِ رسالة من الله ؟ هنا سؤالي هذه رسالة هذه ؟ اللهُ لم يُنزّل وحي ولم ينصَحُهُ أحد ولكن توافق بالضبط رقم الزكاة مع رقم كُلفة حادث السيارة هذا التوافق الدقيق رسالة من الله.
 طيب زلزال وقع في تركيا 7.2 ريختر، في مركز الزلزال جامع قائم كما هوَ ومعهد شرعي بجانبه وما حولَ هذا المسجد أنقاض لا تزيد عن 30 سم كلهُ أنقاض، أليسَ بقاءُ هذا المسجد رسالة من الله.. رسالة..، يعني ما كُل رسالة شفهية، ما كُل رسالة بيانية، في رسائل فعلية، هذهِ رسالة، وهناك أشخاص يُعامِلونَ بعضَهُم بعضاً لا بالكلام بل بالمواقف، الآن دقق في هذهِ الآية:

﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾

(سورة طه)

 يعني أنا كنت أضرب مثل أنه ابن في صف السابع قال لوالده لا أريد المدرسة فأجابه الوالد: بدونها، كلمة واحدة قالها له: بدونها، الابن وجد نفسه مرتاح لم يعد هناك دوام والاستيقاظ الساعة السابعة، ينام حتى الظهر ويذهب مع أصدقائِهِ إلى السينما ويسهر... لم يعد عنده شيء... وطعام عنده في البيت وشرب، عندما كبر كل أصدقائه إما تُجّار أو مدرسين أو أطباء أو مهندسين متزوجين.... وبيوت وسيارات.... وهو لا شهادة ولا حرفة ولا بيت ولا زواج، فَنَقَمَ على والِدِهِ، نقم نقمة شديدة فقال لِوالِدِهِ: عندما قُلت لكَ أنني لا أريد الدراسة لماذا لم تضربني، لماذا لم تزجُرَني، لماذا لم تُحطمني، لماذا سكتت، الآن لو كان أمة أو شعب أو مدينة عايشة في بحبوحة ورخاء وسياحة وانحراف وإباحية وزِنى وخمور وملاهي ولم تأتي ولا مصيبة يعتبون على الله يوم القيامة، يعتبونَ عليه يا رب لِمَ لم تُنبِهُنا، لِمَ لم تلفت نَظَرَنا، لِمَ لم تُضيّق علينا، فربنا عزّ وجل يقول " وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا " فهنا كلمة رسول معناها واسع وليسَ معناها أنّه جاء إنسان وقامَ بتبليغِهم، المصائب رِسالة، الآن شُحُ السماء ما في برد إطلاقاً ولا في مطر سماء صافية وشمس ساطعة ونحنا في كانون الأول والأرض عطشى هذهِ رسالة من الله، أيام الإنسان يستقيم في بيعِهِ وشِرائِهِ فيوفّق، هذهِ رسالة من الله.. مكافأة.. يعني يا عبدي أنا اطلعت على استقامتك وكافأتُكَ، أيام يغُش الإنسان فالله يُرسل لَهُ مصيبة، فالبطولة أن تفهَمَ رسائِلَ الله.
 اللهُ لَهُ رسائل كثيرة وليسَ كُل رسالة شفهي أو بيانية، اللهُ عزّ وجل رسائِلُهُ بأفعالِهِ، أفعال ورسائل، ولاحظ أنت، واللهِ ما في واحد من الحاضرين ومن غير الحاضرين إلا ومتلقّي آلاف الرسائل من الله عزّ وجل، يدعو الله فيستجب لَهُ، يصدُق فيرفع شأنُهُ، يُحرر دخلَهُ يُبارَك لَهُ في دخلِهِ، يكذب فيفضَحُهُ، يأكل مال حرام فيتلِفُهُ اللهُ عزّ وجل، هذهِ رسائل كُلها، تعاملوا مع الله بالرسائل اللهُ عزّ وجل لَهُ رسائل فهنا " وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى " اللهُ أرسلَ إليهم رسائل وأهلَكُهم وضيّقَ عليهم، الله في عِندَهُ عدّة رسائل، عِندَهُ رسائل الفيضانات، ورسائل الزلازل، ورسائل الفقر، والحروب الأهلية، هذهِ كُلّها رسائل، رسائل من الله على مستوى أُمم وشعوب وجماعات وعلى مستوى أفراد، وكُل واحد منا لو كان صافي الذهن ومُخلص وتأمُلُهُ عميق يتعامل مع الله برسائِلِهِ، الله لَهُ رسائل، تتصدّق فيُضاعف لَكَ دخلَكَ وأنتَ لا تشعر، تدفع مبلغ لِوجه الله، الله يُكافِئُكَ عليه أضعاف مضاعفة.. يسمح لَكَ أن تتصل بِهِ.. تؤدي العبادات في وقتِها المناسب، اللهُ عزّ وجل يُبارِك لَكَ في وقتِك، في بحبوحة بالوقت تُنجز أعمال كثيرة بأوقات قصيرة، وهذهِ طبعاً الآية الأخيرة مهمة جداً أتمنى على كُل أخ كريم أن يتعامل مع الله في رسائِلِهِ، صحيح اللهُ عزّ وجل لا يُسمِعُكَ كلاماً ولكن أفعال ورسائل، الآن تطابق فاتورة تصليح السيارة مع رقم الزكاة بالضبط أليست برسالة هذهِ؟ وهناك آلاف الرسائل.
 أخ من إخواننا عندهُ معمل ألبسة يبدو في أخ ثاني عَرَفَ أنّهُ عِندَهُ معمل فذهب لِعندَهُ وقال لَهُ أريد أربع قطع لأولادي، قال لي انزعجت كثير أنا أبيع جملة أبيع 300 / 400 دزينة، أبيع قطعتين أو ثلاث ؟؟؟ فأجابَهُ هذا محل جملة، فقال لا تؤاخذنا، قال لي 33 يوم لم يدخل زبون للمعمل، أليست برسالة هذهِ، رسائل كُلّها هذهِ، أنتَ فقط أصغِ إلى رسائل الله عزّ وجل والله تجدُها كُلَّ يوم وفي كل ساعة وأفعالُ الله دقيقة جداً، أفعالُهُ تُؤيدُ كلامَهُ.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع