6119
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة الحج - الدرس ( 29 - 58 ) : خريف العمر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكِرام: من خلال التأمل في خريف العمر الذي يمرُ بِهِ كُلُ الناس يتضّح أنَّ أُناساً يعيشونَ عمراً مديداً في صحةٍ طيبة وفي مكانةٍ عليّة وفي ملكاتٍ عالية، ملكاتُهُ عالية، والصحة طيبة، ووجود قوي، وقد يتوفّى وفقَ سُنّة رسولِ الله ثلاثة أيام، يعني أحد إخواننا.. أنا كنت مسافر.. بالعيادة توفي يعني تقريباً كان عمرهُ تسعين سنة عاش بصحة طيبة جداً ومات بأيام ثلاثة وفقَ سُنّة رسولِ الله، وقد تجد إنسان يُعاني من المرض ما يعاني، يعاني من ضعفِ الذاكرة، يعاني من تخلّف العقلِ، هذا اسمهُ أرذل العمر، الحقيقة في قانون، الإنسان إذا نَشَأَ في طاعة الله وكانَ مستقيماً على أمرِ الله لَهُ مكافأةَ في الدنيا قبلَ الآخرة، مكافأتُهُ في الدنيا أنّهُ يُمتّعُ بصحَتِهِ إلى أمدٍ طويل، والإنسان إذا خَرَجَ عن منهجِ الله كأّنَ خريفَ العُمر يلُخّص شبابَ العُمر، فمن أفنى شبابَهُ في طاعة الله متّعَهُ اللهُ في خريفِ عُمُرِهِ بمكانةٍ عليّة وملكاتٍ قوية وصحةٍ طيبة وهذا شيء ثابت، يعني قد تجد أُناس صالحين عمّروا عُمر مديد، تمتّعوا بِصحتِهم وقوتِهم وسمعِهم وبصرِهم وذاكِرَتِهم، لي صديق لَهُ أب صالح فيما أعلم زُرتُهُ في العيد قالَ لي أنا أجريت تحليل البارحة وكلهُ طبيعي وعمرُهُ 96 سنة كامل التحليل، كُل النِسب طبيعية، يعني أعرف أُناس كثير عاشوا عُمر مديد والصحة طيبة وتجد أُناساً يعني عانوا من ضعف في ذاكرِتِهِم في خَرَفْ، في يعني خريف عُمر كما قالَ اللهُ عزّ وجل:

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

(سورة الحج الآية 5)

 يعني حدثني أخ لَهُ والدة قالَ لي نحنُ نقوم بتمديدها ونقوم بتربيط أرجلِها وأيديها، لماذا ؟ قال لو أُطلِقت يداها لأكلت غائِطَها وخَلَعت كُلَّ ثيابِها، أصبحَ لها على هذهِ الحالة حوالي عشر سنوات، ما من واحدٍ إلا ويتمنى أن تموت حتى أقربَ الناسِ إليها، الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)﴾

(سورة الحج)

 هذهِ من للتبعيض، هناكَ من يفقِدُ ذاكِرَتَهُ يدخُلُ عليهِ ابنُهُ يقول لَهُ من أنت، هناكَ من تضيقُ أخلاقُهُ إلى درجة لا يُحتمل، فيا أيها الأخوة الكِرام أحد العلماء عاشَ أيضاً عمراً مديداً وتمتّعَ بِقِوامٍ وصحةٍ وسمعٍ وبصرٍ فإذا سُئِل عن هذهِ الصحة يقول يا بُني حفظناها في الصِغر فَحَفِظَها اللهُ علينا في الكِبَر، هذهِ ليست قانون قطعي لكن يُستأنس بِهِ، يعني اللهُ لَهُ حِكم قد تجد إنسان صالح اللهُ ابتلاهُ بِمرض في آخر حياتِهِ، على كُلِ مالَكِ يا بُنيّتي قالت حُمى لَعَنَها الله قالَ لا تلعَنيها فو الذي نفسُ محمّدٍ بيده لا تدعُ المؤمِنَ وعليهِ من ذنب، للمؤمن جميع المصائِبِ مُكفِرات، الحديث الأثر القُدسي:

(( وعزتي وجلالي لا أقبِضُ عبدي المؤمن وأنا أُحبُ أن أرحَمَهُ إلا ابتليتُهُ بِكلِ سيئةٍ كانَ عَمِلَها سُقماً في جسده أو إقتاراً في رِزقَه أو مصيبةً في مالِهِ أو ولده حتى أبلُغَ مِنهُ مِثلَ الذرّ فإذا بقيَ عليهِ شيء شددتُ عليهِ سكراتِ الموت حتى يلقاني كيومَ ولدَتُهُ أُمه ))

 على كُلٍ المؤمن مُكرّم ولو ابتلاهُ اللهُ عزّ وجل لكن الأكمل أن تعيشَ خريفَ عمرٍ تتمتعُ بِقوتِكَ وصحتِكَ وسمعِكَ وبصَرِكَ وملكاتِك، واللهِ أيها الأخوة كُنا في تعزية في حلب فالمُعزّى لَهُ شيخ، شيخ صالح، فدعانا إلى زيارةِ شيخِهِ، واللهِ ما رأيت ملك في مُلكِهِ أهيب من هذا الشيخ عمره تسعين سنة، ملكاته، ذاكرته، طلاقة لِسانه، وجهُهُ المنير، حولهُ إخوانه، حولُهُ أولادُهُ، لم أرى عِز كهذا العِز، إنسان يُطيع الله في حياتِهِ يغُض بَصَرُهُ، يضبِط لِسانِه، يتصّدق، يُصلي، يقرأ القرآن، يُعلّم القرآن، يعني لُهُ عِندَ الله مكافأة في الدنيا قبلَ الآخرة، كثير هناك قِصص، يعني كثير هناكَ أُناس يعملون في الدعوة، قالَ لي عمري 85 سنة والحمدُ لله لا أشكو من شيء، تجد شخص في الـ 37 معطوب، في الأربعين معطوب، فإذا الإنسان حَفِظَها في الصِغر يحفَظُها اللهُ لَهُ في الكِبر، يعني في أمراض والعياذُ بالله يتمنى الموت فلا يجدُهُ.. يتمنى الموت فلا يجدُهُ.. وتجد شخص سُمعَتُهُ طيبة، صحتُهُ طيبة، ملكاتُهُ قوية، يعني من حولُهُ يُحبونَهُ، الإنسان أيام يُصاب بأهلِهِ أولاد عاقّون، والله بلاء كبير هذا، أقسمَ لي بالله رجل قالَ لي واللهِ إذا ابني يُدهس لسوف أعمل مولد، لَهُ ابن عاق لكن لا يُحتمل يُقسم بالله إذا مات في حادث ليُجري مولد ابتهاجا بِموتِهِ، تجد أولاد ذُخر للإنسان باستقامته بخدمِتِهِ لِوالِدِهِ، فالإنسان على قدر ما يُطيع الله في شبابِهِ يظهر في شيخوخَتِهِ، هذا خريف العمر كلنا سوف نمر فيهِ إجباري لا أحد سوف يهرب منهُ، لكن خريف العُمر متعلّق في شباب العُمر، بِقدر ما أنتَ في الشباب مستقيم مُطبّق للمنهج، وقّاف عِندَ كِتاب الله، تؤدي ما عليك تؤدي العبادات لَكَ عِندَ الله خريف عُمر متألق، هذا الشيء واللهِ واضح.
 يعني مرة إنسان دخل إلى بيتي قالَ لي كم تُقدّر عمري، والله أنا بحسب اجتهادي قدرّت له ستين سنة، قالَ لي 76 عمري ولا يزال حيّاً حتى الآن القصة من عشر سنوات، قالَ لي واللهِ لا أشكي من شيء أُحس بقوة كأنني حصان، قال أستطيع أن أهدم هذا الحائط، عَمِلَ في وظيفة وفي هذهِ الوظيفة ممكن أن يكون معظم دخلِهِ حرام، قالَ لي واللهِ لم آكل قرش حرام في حياتي، ولا ليرة وكنت في عون الضعيف دائماً والله متعنّي بهذهِ الصحة، لَهُ أولاد قام بتزويجهم ولَهُ أصهار طيبين ولَهُ أولاد أبرار وعايش في بحبوحة، قالَ لي أنا كان معي في الوظيفة أربعين خمسين واحد، قالَ لي مدّوا يدهم للحرام فقَصَمَهُم اللهُ عزّ وجل وماتوا في حادث، اللهُ أفعالُهُ موجودة، أفعالُهُ تشهَدُ لِكلامِهِ، أفعالُهُ تشهَدُ لِكلامِهِ أنّهُ كلامُهُ، فهذهِ كلمة " يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ".
 سمعت عن إنسان قلبُهُ قاسي جداً.. جداً لا يلين، كان هوَ طبيب نسائي وحيد.. هذه القصة منذ ثمانين سنة.. وأنا سمعت عنهُ، الوحيد كان ما في غيره، لا يخرج من بيتِهِ إلا بعربة وليرة ذهب، فامرأة فقيرة، تموت.. أبداً.. يبيعون أيام فِراشها من تحتِها يُقدمون لَهُ الليرة الذهب والعربة، لا يلين قلبُهُ أبداً وهوَ كان الطبيب الوحيد، قام بتشييد بناية في شارع نوري باشا وهي أول بناية في المنطقة أُشيدت والآن أنا أعرِفُها البناية حجر مُزخرّف، لها إطلالة على الشام كُلّها، بعد أن سكنها بفترة بسيطة أُصيب بِشلل كامل، فزوجتُهُ خلال أسبوعين ثلاث أعطت أمر بوضعِهِ في القبو لصعوبة وضعِهِ وكانت تغيبُ عنهُ الأيام الطِوال وتُرسل الصانعة مع الطعام لَهُ وكانت قاسية جداً لدرجة بعد حين نقلتهُ إلى بيت آخر بعيد لكي لا تصدر رائِحَتُهُ وعاش ثماني سنوات على هذهِ الحالة، يعني اللهُ عزّ وجل لَهُ أفعال عجيبة، على قدرِ ما تستطيع في شبابك استقم وقُم بخدمة الناس وأطع ربك وقِفْ عِندَ حدود الله واعمل عمل صالح، وهناك آخرة طبعاً، هو الجزاء في الآخرة، وهناك أيضاً جزاء مُعجّل في الدنيا في خريف العمر، جزاء مُعجّل في الدنيا أولاً دائماً هذهِ الآية الكريمة واللهِ أيها الأخوة إذا الواحد قرأها واستوعبها وتملأُ القلبَ طمأنينةً، أنا لا آملُ من هذهِ الآية يمكن قُلتها حوالي ألف مرة:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

(سورة الجاثية)

 هذا الاستواء يتناقض مع وجود الله مستحيل وإلا هناك عبثية، إنسان مستقيم وقّاف عِندَ حدود الله يخشى الله، يُعاوِنُ الناس جميعاً، هذا تُريد أن يُعامل كما يُعامل إنسان متفلّت مسيء " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتر حوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " دعكَ من الآخرة، الآخرة يوم الدين، يوم الحق، في الدنيا قال " سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " لا محياهم ولا مماتُهم يختلفون، فلمّا الإنسان يُطبّق منهج اللهُ عزّ وجل لَهُ خريف عُمر متألّق وأنا الذي أعرِفُهُ الإنسان عندما ينضج يُصبح عطاؤُهُ كبير جداً، يقولون ( ضربة المعلّم بألف ) فإذا الإنسان الله متّعهُ بعقلِهِ، متّعهُ بملكاتِهِ، متّعهُ بصحتِهِ، وهوَ في نُضجٍ شديد يمكن في السنوات بعد الخمسين يعطي عطاء كبير جداً، هذا الذي أردتُ أن يكون من خِلال قولِهِ تعالى " وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا " فالإنسان يكون وقّاف عِندَ حدودِ الله، يضبط لسانُهُ، أحياناً يتكلّم كلمة قوية يدفع ثمنُها باهظ، يضبط لِسانُهُ، يضبط دخلُهُ، يضبط إنفاقُهُ، بيتُهُ، أُسرَتُهُ، أولادُهُ، واللهُ عزّ وجل يتكفّل لَكَ بأن يُعامِلَكَ معاملةً ترضى بِها عن الله.
 قال يا ربي هل أنتَ راضٍ عني، إنسان يطوف حولَ الكعبة، فكانَ وراءه الإمام الشافعي فيما يُروى، قالَ لَهُ يا هذا هل أنتَ راضٍ عن الله حتى يرضى عنك، قالَ يا سبحانَ الله كيفَ أرضى عنهُ وأنت أتمنى رِضاه، قالَ لَهُ: إذا كانَ سرورُكَ بالنِقمة كسرورِكَ بالنعمةِ فقد رضيتَ عن الله، هوَ:

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

(سورة التوبة الآية 100)

 والبارحة:

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾

(سورة الليل)

 يعني أنت عندما تُصلّي صلاة مُتقنة يأتيكَ الخير من الله عزّ وجل سوفَ ترضىَ عن الله، هذهِ واحدة، النقطة الثانية إخواننا الكِرام دقيقة جداً من أجل توضيح الآية لابُدَ من مثل، إذا قُلنا في مساحة هذهِ المساحة كُل ما فيها يعصي الله، وفي مساحة ثانية للطائعين، فربنا عزّ وجل يسوق مصيبة لينقُلَ الإنسان من أرض المعصية إلى أرض الطاعة هذهِ مصائب تأديب، الآن دخل إلى أرض الطاعة لكن أين موقِعَهُ، أرض الطاعة لها مواقع كثيرة، في موقع قريب من حدود المعصية يعني أقل إغراء أو أقل ضغط " يفرط "، هو انتقل من منطقة المعصية إلى الطاعة لكن قد يكون مكانُهُ على الحد فأيّ إغراء أو أي شِدّة ينتكث يعود إلى ما كانَ عليه، في إنسان مقامُهُ بعد بمتر، بعد بمترين، بعد بثلاث، أرض الطاعة عريضة وبعدين متصاعدة، واحد وصل إلى الأعماق وإلى الارتفاعات العالية، لا ضغط لا سياط الجلادين اللاذعة ولا سبائك الذهب اللامعة تؤثر فيه، ففي مصائب لِنقلَك من المعصية إلى الطاعة، وفي مصائب لِنقلَك من موقع إلى موقع في الطاعة، يعني واحد مثلاً يَظُنُ نفسَهُ خيراً وفعلاً صالح لكن مقاومتِهِ " لو فرضنا نأخُذها قضية مالية " جاءهُ عرض بِمبلغ حرام يرفُضَهُ، هو رافض الألف والألفين والثلاث والخمسة والعشرة والمائة ألف رافضهم، فجاءه عرض بمليونين، فماذا يحصل معَهُ ؟ يجوز بهذا المبلغ يلين مع أنّهُ كانَ يظُنُ نفسَهُ بحجم أكثر بكثير فالله حجّمَهُ، في مصائب الابتلاء غير مصائب التطهير، إنسان مُقيم على معصية عِندَهُ مصائب خاصة، كُل معصية لَها مُصيبة، من أجل أن ينقُلَكَ الله من منطقة المعاصي إلى الطاعات، الأن دخلت في الطاعات، في عندك عندك ابتلاء، الابتلاء لَهُ هدفين: التعريف بموقِعك، والحث للانتقال لموقع آخر، عرّفك أنتَ أين، أعطاك دفع تنتقل لموقع آخر، لذلك هذا معنى قولِهِ تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾

(سورة الحج الآية 11)

 هو أطاعَ الله واصطلح معهُ لكن موقِعَهُ على حرف حدود المعصية، الذي يقف هُنا لا يحتمل أي ضغط، أي ضغط ينتكث، أو أي إغراء ينتكث، يعني فتاةٌ تصرِفُهُ عن دينِهِ كُلِهِ، أما هو:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

(سورة الأحزاب)

 عاهدنا رسولَ الله على السمعِ والطاعة في المنشَط والمكره، تجد شخص مثلاً في جامع أحد أركان المسجد، يعني هذا عاهد الله عزّ وجل، تأتيهِ ظروف صعبة، يَقِل دخلُهُ كثيراً، في عندهُ مشكلة في البيت يمرض أحد أولادِهِ، مثلاً يفتقر، يُهدد أحياناً، يخاف، لا يُغيّر.. عاهد الله.. هذا رُكن من أركان الدين، وفي شخص على الرخاء الشديد متألّق أي ضغط، أي إغراء انتهى، هذا على الحرف، فربنا عزّ وجل لكي لا يغُشنا، يعني بالدنيا في مهمة يجب أن تعرف موقِعك في الدين، أنا لا آكل قرش حرام، كلام طيب، على أي مبلغ تبقى ثابت مثلاً، يجوز على مبالغ ضئيلة تبقى ثابت، أما مبلغ كبير تقول والله أنا عندي أولاد يا أخي، اختلف الوضع يقول لكَ البلوى عامة، إن شاء الله برقبَتِهِ، مباشرةً يُغيّر كُل مبادِئِهِ لأنَّ المبلغ كان كبير شاهدهُ يحل كُل مشاكِلَهُ، فربنا عزّ وجل قام بامتحانه فَسَقَطَ في الامتحان، عَرَّهُ بِموقِعِهِ، موقِعُكَ هُنا يا عبدي أنتَ توهِم حالَك هُنا وأنتَ هُنا انتقل إلى موقع ثاني، فدائماً مصائب التأديب مصائب نقل من معصية للطاعة، لكن مصائب الابتلاء من نوع ثاني، مصائب نقل من موقع إلى موقع في الطاعة نفسَها، من موقع قريب للخطر موقع فيهِ انزلاقات إلى موقع آمن، لذلك المؤمن في الأعماق، يعني واللهِ يا عم لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أترُكَ هذا الأمر ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ أو أهلِكَ دونَهُ، هذا الموقف:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)﴾

(سورة الحج)

 بالمناسبة: وطّن نفسك في عندك بحياة أي مؤمن ثلاث مراحل مرحلة التأديب، ومرحلة الابتلاء، ومرحلة التكريم، هذهِ المراحل قد تكون متمايزة وقد تكون متداخلة، يعني في مصيبة تأديب وفي معصية لها مصيبة، الآن مستقيم استقامة تامّة، في مصائب الامتحان لكي تعرف موقِعَك، حتى الإنسان لا يدّعي موقع غيرَ موقِعِهِ، تأتي مصيبة مُحجِّمة، أنتَ هُنا، انظر على إغراء بسيط تركت الصلاة، على إغراء بسيط تكلمت كلام خِلاف قناعَتُكَ، على خوف بسيط أدليت بِكلام لا يتناسب مع عقيدَتُكَ، عرّفك موقعك الجديد الآن انتقل إلى موقع آخر، إذا أنتَ نجحت في الامتحان الثاني الآن تدخل مرحلة التكريم واللهُ أعلم.
الآية الثالثة في هذهِ الجلسة، يقولُ اللهُ عزّ وجل:

﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)﴾

(سورة الحج)

 العلماء في هذهِ الآية لهم تفسيرات شتى، أبسط تفسير أنَّ اليائس من رحمة الله كافر موتُهُ كحياتِهِ، التفسير الثاني أنَّ الإنسان إلى عادى الحق هل معاداة الحق تمنع أهلُ الحق أن يُكرِّمهُم اللهُ عزّ وجل، الله عزّ وجل إن أرادَ أن يُكرِّمَ مؤمناً لا ينتظر أي شهادة من أحد لَهُ هوَ يعرِفُهُ، يعني رغمَ أنفِ خصومِهِ، ورغمَ أنفِ حُسادِهِ، ورغمَ أنفِ العاطلين عن العمل، يعني بالمناسبة كنت أقول دائماً في إنسان لا يُخطئ دائماً هوَ رسول الله معصوم لكن في معهُ واحد ثاني لا يغلط هوَ الذي لا يعمل، كُل إنسان لا يعمل شيء مرتاح يقوم بالتنظير والنقد والطعن بالآخرين هذا إنسان سيئ جداً لأنّهُ لا يعمل، الذي يعمل يُخطئ، فهذا الذي يحسُدُ أهلَ الحق، والآية عن رسول الله " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ " لهذا النبي " فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " كَرِهَ النبي وكَرِهَ دعوتَهُ وينتَظِرُ بِهِ المصائب:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾

(سورة آل عمران الآية 120)

 هذا يروي غليلُهُ أن يُصابَ النبي بإحباط، بِمرض، بانهيار، بهزيمة، قال: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ " ليقطع عنهُ الوحي، ليقطع عنهُ تأييدَ اللهِ عزّ وجل هذا المعنى الثاني، المعنى الثالث هو أقرب معنى لنا أيام يقول لكَ واحد أنا ليسَ لي حظ في هذهِ الدنيا أينما توجهت مسدودة، أضربها يمين تأتي يسار، يعني تاجرنا بالأكفان لم يمت أحد، ( يتكلموها العوام كثيراً ) تجده أينما يعمل مسدودة ما في حركة، هذا وضع غير صحيح، يقولُ اللهُ عزَّ وجل " مَنْ كَانَ يَظُنُّ " يعني من كانَ يتوّهم " أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ " لن يوفِقَهُ، لن يُؤيِدَهُ،.. وهم.. " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ " ليعمل عملاً خالصاً للهِ عزّ وجل ثمَّ ليقطع كُل معصية وكُل مخالفة ثم لينظر كيفَ انَّ معاملة الله تتبدّل تبدلاً جذريّاً، لا تيئس إذا أنتَ عندك وهم أنَّ الأمور كُلّها ضدك كلما طرقتَ باباً أُغلِق، كلما سلكتَ سبيلاً سُدَّ أمامَك، هذهِ يقولُها أُناسٌ كثيرون، يقولون ( وين ما تحركت مسدودة )، الحل اعمل عمل صالح لِوجه الله ثم ابحث عن الحركة اليومية هل هناكَ مخالفات شرعية، هل هناك مخالفات في البيت، في العمل، في كسب المال، في الحواس ثمَّ " فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ " هذا وهم شيطاني سيزول لأنَّ اللهَ سيوفِقُهُ واللهُ عزّ وجل من كَرَمِهِ العظيم إذا أنتَ تحرّكت نحوَهُ حركة:

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً ))

 بمجرّد أن تتحرك نحوَ الله سوفَ تجد استجابة وانشراح صدر وتوفيق بالعمل، اللهُ عزّ وجل رب كريم ومربي حكيم، إذا أنتَ تقرّبت هوَ يقترب مِنكَ أضعاف، فهذا المعنى الثالث أوضح معنى يناسبنا جميعاً " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " في عنده طريقة يعمل عمل صالح مبني على استقامة " ثُمَّ لِيَقْطَعْ " في المنكر " فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ " في عندهُ حالة غيظ هوَ، عندهُ إحباط، عندَهُ شعور بالإخفاق، فإذا عَمِلَ عمل صالح واستقام اللهُ يُبدّل لَهُ كلَّ معامَلَتِهِ.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS