19950
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة التوبة - الدرس ( 18 - 58 ) : رضا الله.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-17
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، من سورة التوبة قوله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 الآن بالأرض في ستة آلاف مليون إنسان، لو أن ستة آلاف مليون إنسان رضوا عنك، ومجدوك، ومدحوك، ورفعوك، وأثنوا عليك، وقدسوك، ولم يكن الله راضياً عنك، أنت أشد الخاسرين، ولو أن إنساناً ذمه أهل الأرض، ورضي الله عنه، فهو أول الرابحين، فالعبرة أن يرضى عنك من إليه المصير، من سوف ستكون في جنته إلى أبد الآبدين، العبرة أن يرضى الله عنك.
بالمناسبة أيها الإخوة، يعني أولاً لا تفرح بمديح الناس لك، الناس لهم الظاهر وقد تكون ذكاءً اجتماعياً، فيبدو منك كل كلام طيب، وكل عمل طيب، وأنت لست كذلك:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

[ سورة البقرة ]

 فالإنسان الله أتاه قدرات عالية جداً، فبإمكانه أن يمثل، وبإمكانه أن ينتزع إعجاب الناس، وبإمكانه أن يستحوذ عليهم، وبإمكانه أن يظهر بأعلى مرتبة، فلو أن الناس جميعاً مدحوك، وأثنوا عليك، ومجدوك، وقدسوك، ولم يكن الله راضياً عنك، لم تستفد شيئاً، وأنت أول الخاسرين، وإذا أهملك الناس، وعتموا عليك، ولم يأبهوا لك، وكنت راضياً لله عز وجل فأنت أول الرابحين.
دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من فقراء الصحابة، فهش له وبش وقال النبي الكريم:

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، أنت خاملٌ في الأرض، علمٌ في السماء ))

 ابتغوا العزة عند الله، ابتغوا الرفعة عند الله، الله عز وجل الطريق إليه سالك بمعنى العلاقة معه واضحة، لمجرد أن تستقيم على أمره، وأن تخلص له، قربك.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 13 ]

 ليس في الإسلام طبقية، ولا في كهنوت، ولا في طبقة رجال دين:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

 فحينما تخلص لله عز وجل، وتستقيم على أمره، وتنفع عباده، قربك الله، فإذا كنت مع الله من يستطيع أن يكون عليك؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟.
يعني أنا أريد من هذه الكلمة، الإنسان بذكاءٍ شديد قد ينتزع إعجاب الناس، وقد يثنون عليه، العبرة أن يرضى الله عنه، العبرة أن يكون على منهج الله مطبقاً، وعلى صراط الله المستقيم سالكاً، هذه العبرة، العبرة أن تكون في طاعة الله، وأن تكون هذه الطاعة خالصةً له، فإن حصلت هاتين الطاعة، والإخلاص ما فاتك من الدنيا شيء أمدحك الناس أم ذموك أرفعك الناس أو وضعوك، هذا شيءٌ ليس من شأنك من شأن الله، لكن الله عز وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح ]

 مستحيل أن تخطب وده وأن لا يرفع ذكرك، يرفع ذكرك بين الناس، ويجعلك من المقربين.

﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾

 المعول عليه أن يرضى الله عنك، المعول عليه أن تكون مطيعاً لله، أما الناس ماذا يفعل الناس؟ لو استحق الإنسان عقاباً من الله مؤلماً، ماذا يفعل الناس لو أذهب الله للإنسان عقله؟ أقرب الناس إليه يسعى لوضعه في مستشفى المجانين، أقرب الناس إليه، ماذا يفعل الناس لو أن الإنسان انقلب إلى حسابٍ عسيرٍ مع الله عز وجل؟.
إذاً من هذه الآية نستنبط لا تعبأ بنظرة الناس إليك، اعبأ بأن يكون عملك مطابقاً لشرع الله عز وجل، وأن تكون مخلصاً لله عز وجل، هذه واحدة.
 بالمناسبة أيها الإخوة: ذكرت اليوم في درس الجمعة، يعني هناك نعمتان كبيرتان جداً، النعمة الأولى: أن الله جعل لك باطناً، وظاهراً، أنت قد تقف وتصلي، قد تدخل المسجد وتصلي، الظاهر إنسان مؤمن، وصالح، والباطن قد يكون عكس ذلك، من رحمة الله بنا أنه حجب عن الناس باطننا، لا أحد يعلم ما في نفسك إلا الله وأنت، ومن نعمة الله أيضاً أنه مضطلعٌ على بواطننا، لا تخفى عليه خافية، لو أن الناس تكاشفوا لما تدافنوا، لو تكاشف الناس، يعني الإنسان أيام يتكلم كلمة قاسية، تؤدي إلى قطيعةٍ مدتها خمسٌ وعشرون سنة أيام من كلمة واحدة، لو أن الناس تكاشفوا، وكل إنسان اطلع على باطن الآخر، وجد في حسد وجد في حقد، وجد في، تفاضح الناس، وتقاطعوا، وتدابروا، لكن الله سبحانه وتعالى رحمةً منه يظهر للناس الحسن، ويخفي القبيح.
 سيدنا الصديق لما مُدح قال: اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، وحقق فيّ ما يقولون الترتيب هكذا، اللهم حقق فيَّ ما يقولون، واجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
أرأيت إلى هذا الكلام الدقيق جداً؟ إذاً أنت لك باطن، ولك ظاهر، الباطن محجوب عن الخلق، وهذه رحمة الله بنا، الظاهر ظاهر للخلق، والنبي علمنا أن نحكم بالظاهر وأن الله وحده يتولى السرائر.
ضربت مثل: أنه إنسان ذهب إلى بلد غربي، ودخل مركز إسلامي وبصحبته فتاة، عقد عليها عقده الشرعي الصحيح، إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدان، هذا العقد شرهي مئة بالمئة، وليس في الأرض كلها إنسان يستطيع أن يأخذ عليه شيئاً، باطن هذا الإنسان أنني حينما أنهي دراستي سوف أطلقها، وأتزوج من الشام بفتاةٍ مسلمةٍ، رائعةٍ، من أسرةٍ راقية عند الإمام الأوزاعيّ إن لم يصحب عقد القران نية التأبيد فهو زنا، باطنه من يعرفه؟ الله جل جلاله، فالله عز وجل كلفنا أن نأخذ بالظاهر، وهو وحده يتولى السرائر، لكن الله حينما أخبرنا أنه مطلعٌ على سرائرنا، هذا أكبر رادع لنا، عن أن نكنّ الحقد للآخرين، أخبرنا أنه لا تخفى عليه خافية أخبرنا بأنه:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه ]

 إذاً حينما أخبرنا أنه مطلعٌ علينا، هذا رحمةٌ بنا أيضاً، كي نستقيم على أمره وكي نخاف منه، فأنت مكشوف عند الله، مستور عن الخلق لو أخطأت مع الله تتوب، والناس لا يعرفوا شيء، لو أخطأت مع الله في باطنك، ثم تبت مما أخطأت به، الناس لا يعرفون شيئاً لكن الله يعفو، أما الإنسان لا يعفو.
 فإذاً نحن في رحمتين: رحمة أن الله مطلعٌ على سرائرنا، ورحمة أن الله حجب بواطننا عن الناس، ولكن لكرامة المؤمن عند الله أعطاه فراسة، فالمؤمن عنده فراسة:

(( اتَّقُوا فِراسَةَ المؤمن، فإِنه يَنظُرُ بنورِ اللّه ))

[أخرجه الترمذي، عن: أبو سعيد الخدري ]

 والإنسان إذا لم يطهر باطنه، وأوهم الناس بشيء، وأخفى شيء، وأراد أن يجعل هذا مبدأً ثابتاً، الله يفضحه، يفضحه في شر عمله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 179 ]

هذه آية.
 أيها الإخوة، هؤلاء الذين:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾

[ سورة التوبة]

 الإنسان إذا استمر على المعصية أمداً طويلاً قسا قلبه، لذلك المؤمن الصادق يتوب من قريب، يعني لمجرد أن يقع في مخالفةٍ يتوب منها سريعاً، ومعنى قول النبي:

(( المؤمن مذنب تواب ))

 يعني كثير التوبة، وتوبته دائماً تلي الذنب، أما إذا طال أمد المعصية، قسا قلب الإنسان، في مرض بين المسلمين مستشري، وصف في هذه الآية:

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 81 ]

 يعني بالإسلام في أشياء فيها وجاهة، فيها مكاسب، فإذا كان في دعوة لا أحد يتخلف، إذا في عمل لا أحد يأتي، يعني دائماً المكاسب سهلة، الإنسان يريد وجاهة، يريد احتفال، يريد أن يدعى إلى ولائم، أما أن تقدم شيء من جهدك، من وقتك، من مالك، تجد في تلكؤ، فسهل جداً أن تكون في الصف الأول في كل احتفال، لكن ليس من السهل أن تكون في الخندق الأول في كل قتال، فرق كبير، فالعبرة أن تكون من الباذلين، لا أن تكون من المنتفعين.
 الإنسان لا ينبغي أن يقيس الأمور بمقياس دنيوي فقط، هذه نصيحة لوجه الله، إن أردت أن توازن بين اثنين، أو بين بلدين، أو بين أمتين، أو بين جهتين، ضم الآخرة للدنيا، ثم وازن فإذا ذهبت إلى بلد في غنى، وثراء، وكل شيء على ما يرام، غنى ما بعده غنى، أناقة تزيينات، بيوت، طرقات، جامعات، ضم الآخرة إلى ذلك:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 44 ]

 بطولتك لا أن تقيس في الدنيا فقط، إن قست في الدنيا فقط في مشكلة، يختل توازنك، يجب أن تضم الآخرة إلى الدنيا، ثم وازن بين الجهتين، بين الرجلين، بين الأمتين بين المدينتين، بين الجماعتين.

﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 85 ]

 توجيهٌ إلهي، إذا إنسان فاسق، فاجر، باني ماله من الحرام، غير منضبط، لا يرعوي، لا يتجه إلى الله أبداً، دخلت إلى بيته فدهشت، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 يعني مرةً ثالثة ورابعة: الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير:

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ أخرجه الطبراني، عن: عبد الله بن جعفر ]

(( بادِرُوا بالصدقة، فإنَ البلاء لا يتخطَّاها ))

[ خرجه زيادات رزين، عن: علي بن أبي طالب ]

 الله يسترضى بالمال، واحد أخطأ، وأراد أن يرمم هذا الخطأ، أن يقترب من الله ما في غير طريق، أن تدفع مالاً من كسبك الحلال تسترضي به الله عز وجل، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة التوبة ]

 من رحمته بنا إذا ابتعدنا عنه بمعصية جعل لك سبب لترميم هذه المعصية جعل لك سبباً للقرب منه،

﴿ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾.

في هذه حالة لكن خاصة، هذه للسابقين السابقين، قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 111 ]

 هذا أنت بعت بيع قطعي، واحد باع بيت، قبض ثمنه بالتمام والكمال، الذي اشترى البيت أراد أن يلغي حائط بين غرفتين، لك أن تعترض عليه؟ يقول لك: ليس لك دخل ما بعتني أنت، طيب وسع هذا المثل، أنت ما بعت نفسك لله عز وجل، يعني رفعك، خفضك أعطاك، منعك، لفت نظر الناس إليك، أغفلك، دخلك محدود، غير محدود، أنجبت، لم تنجب ما دمت بعت بيع حقيقي، ليس لك أن تعترض.
هذه مرتبة السابقين السابقين، الذين باعوا أنفسهم لله:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى ﴾

 شراء قطعي، ما في نكول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

 ، خلص انتهى الأمر، ما دام بعت، والبيع قطعي، والشاري هو الله، والثمن معروف وقبضت منه دفعة على الحساب، هذه جنة القرب، دفعات على الحساب، أما الجنة الحقيقية في الآخرة:

﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة ]

 من هؤلاء الذين باعوا أنفسهم؟

﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 في سؤال، هؤلاء:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 118 ]

 تاب الله عليهم، وانتهى الأمر، طيب ما الذنب الذي اقترفه النبي حتى تاب الله عليه؟ هكذا الآية:

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية: 117-118 ]

 هذا أدب رفيع، يعني جبراً لخاطر هؤلاء الثلاثة، تاب الله على النبي جبراً لخاطرهم أنت لا تدع الإنسان يستوحش، لما جماعة من أصحاب النبي صلوا الظهر، وتناولوا طعام الغداء مع النبي، ثم دخل وقت العصر، وينبغي أن يصلوا العصر، كلهم متوضئون، يبدو أن أحدهم انتقض وضوءه بريحٍ، فالنبي من شدة كماله، وستراً لحاله، قال:

(( كل من أكل لحم جزور فليتوضأ، قالوا: كلنا أكلنا، قال: كلكم فليتوضأ ))

 يعني ستر حاله، هذا أدب يعلمنا الله عز وجل، لا تدع إنسان هكذا، تحرجه تحمر له وجهه، تضعه في زاوية ضيقة، تضيق عليه، خلي الأمر عام، كان عليه الصلاة والسلام لا يواجه أحداً بما يكره، كان يقول: يكون إنسان أخطأ خطيئة، يقول على المنبر: ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا، أقوام، عمم، هذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان يحمر وجه أحد ما كان يخجل أحد، ما كان يضيق على أحد، ما كان يحرج أحد، فالله عز وجل هكذا علم النبي:

(( أدبني ربي، فأحسن تأديبي ))

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﴾

 لم يفعل شيء النبي، لكن قال: توبة الله على النبي جبراً لخاطر هؤلاء الذين قصروا:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾

 الرحلة في طلب العلم في هذه الآية:

﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 هذه الرحلة في طلب العلم، النبي عليه الصلاة والسلام عرف نفسه للعالمين نبياً مرسلاً يتبع ما يوحى إليه، أعداء الدين شاءوا أن يطرحوه على الناس بوصفٍ آخر، عبقري مصلح كبير، قائد فذ، هو نبيٌ مرسل، يتبع ما يوحى إليه، الذي جاء به ليس من ثقافته، ولا من خبرته، ولا من اجتهاده، ولا من بيئته، الذي جاء به وحيٌ من السماء.

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم ]

 بل شاءت حكمة الله أن يجعل النبيّ أمياً، الأمية في حقه منتهى الكمال، لأن الله تولى تعليمه، معنى أنه أميّ، أن وعائه نظيفٌ من كل ثقافةٍ أرضية، لئلا يختلط وحي السماء بثقافة الأرض، لئلا يُسأل كل مرةٍ، يا رسول الله: هذا الكلام من عند الله أم من عندك؟.

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت ]

 فأمية النبي وسام شرفٍ له، لأن الله تولى تعليمه، وهذه حكمة بالغة، لكن أميتنا وصمة عارٍ بحقنا، الشخص العادي الله عز وجل لا يعلمه مباشرةً، النبي قال:

(( إنما العلم بالتعلم ))

[ أخرجه الطبراني، عن: معاوية ]

 نحن إن لم نطلب العلم من بعضنا بقينا جهلاء، فأميتنا وصمة عارٍ بحقنا، وأمية النبي وسام شرفٌ له، لذلك الطرح الإلهي:

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة يونس ]

 هذه هوية النبي اللهم صلي عليه، نبيٌّ، مرسلٌ، يتلقى الوحي من السماء، ويتبع ما يوحى إليه:

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى ﴾

[ سورة يونس الآية: 24 ]

 يعني أينما ذهبت الآن في العالم زينةٌ ما بعدها زينة، أناقةٌ ما بعدها أناقة، جمال ما بعده جمال، يعني البيوت مزينة، المحلات مزينة، المركبات مزينة، الطائرات مزينة أناقة عالية جداً:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا ﴾

[ سورة يونس الآية: 24 ]

 قال علماء التفسير: بعض:

﴿ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ ﴾

[ سورة يونس الآية: 24 ]

 هذا شيء نراه بأعيننا كل يوم، يعني أي بقعة في العالم تحت مرمى مراصد الأقوياء، وأقمارهم الصناعية، على مستوى رجل مستلقي على الأرض، مصور على الأقمار الصناعية، وأي بقعةٍ في الأرض تحت مرمى صواريخهم، الحرب البرية انتهت الآن، ما في غير ضرب البنية التحتية، قصف إلى أن يدمر كل شيء، جندي واحد ما في، فأي بقعةٍ تحت مرمى مراصدهم الفلكية وأي بقعةٍ في الأرض تحت مرمى صواريخهم التي تحكم إصابتها إلى درجة مذهلة، بالمدخنة تنزل قنبلة، في غرفة النوم بالضبط، كلها حسابات دقيقة جداً تطور بالحرب مذهل، قنبلة عطلت الكهرباء في حرب البلقان، لم يعد هناك كهرباء، قنبلة واحدة:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾

﴿ أَتَاهَا ﴾

﴿ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

[ سورة يونس الآية:24-25 ]

 كأننا في آخر الزمان، من عدة أيام أنطرح موضوع قوانين الله عز وجل، قلنا في قانون للعداوة والبغضاء:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 14 ]

 في عندنا للتيسير قانون:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل ]

 الآن في عندنا قانون العزة والذلة، دققوا:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾

[ سورة يونس الآية: 26 ]

 الجنة:

﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس الآية: 26 ]

 النظر إلى وجه الله الكريم:

﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

 إذا الإنسان أحسن عمله، واستقام، وكان صادق، وأمين، وواضح، وما نافق ولا دلس، ولا خدع، إذا كان مستيقم تجده عزيز النفس، أول مكافأة من الله للمستقيم أنه يجعله عزيزاً:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

 في أقوالهم، وأفعالهم، وحرفهم، وبيوتهم، مطلقة:

﴿ الْحُسْنَة ﴾

 الجنة

﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾

 النظر إلى وجه الله الكريم:

﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

 أنت إذا أحسنت في عملك، وفي قولك، وفي إدارتك، وفي تجارتك، وفي تربيتك وفي بيتك أعزك الله، وإن أخطأت أذلك الله، قضية العز والذل هذه قانونها.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS