13717
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة الأعراف - الدرس ( 14 - 58 ) : الكبر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-15
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، هذه الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 40 ]

 كأن في هذه الآية شرطاً تعجيزياً:

﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ ﴾

 أي يدخل:

﴿ الْجَمَلُ ﴾

 اثنين طن،

﴿ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾

معناها ما في أمل.
 لكن أهل القلوب يفهمون الآية فهماً آخر، أن الكبر يتناقض مع العبودية لله، كيف أنك إذا جاءك ضيوف، وعندك كيلو لبن، قد تزيده خمس أضعاف من الماء، وتجعله شراباً طيباً، بارداً، فاللبن قبل خمس أضعاف ماء، لكن لا يحتمل قطرة كاز واحدة، قطرة واحدة تلقيه في المهملات.
 إذاً الكبر يتناقض مع العبودية، فما دام الكافر مستكبراً، فطريق الجنة مغلق، إلى أن تعود هذه النفس المستعلية، المستكبرة، التي هي كالجمل تصغر وتصغر وتصغر، حتى تصبح بحجمٍ يدخل من:

﴿ سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾

 ، عندئذٍ تفتح أبواب الجنة، هذا ليس شرطاً تعجيزياً لكن منهج إلهي:

(( لا يدخل الجنة من كان في قلبه حبة من كبر ))

[ أخرجه ابن حبان، والحاكم، عن: عبد الله بن مسعود ]

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ ))

[ أخرجه ابن ماجه، عن: عبد الله بن عباس ]

 الآن في عندنا قاعدة ذهبية: أنت كلما خضعت لله أعزك الله، وكلما استكبرت أذلك الله، أبداً، إن أردت عز وجل الدنيا والآخرة فتذلل لله عز وجل، أما أهل الدنيا أمام من هو أقوى منهم صغار، خنوعين، أمام من هو أضعف منهم متجبرين، متغطرسين، المؤمن ليس كذلك، المؤمن متواضع لله، يخضع لمؤمنٍ:

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 54 ]

 فهذه الآية منهج، وليست تعجيزاً، ما دام هناك كبر، تعالي، تأله، فالطريق إلى الجنة مغلق،

﴿ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ ﴾

 بحجمه الكبير يصغر ويصغر تواضعاً لله عز وجل، فإذا صار في حجمٍ بحجم:

﴿ سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾

 فتحت أبواب الجنة لصاحبها، فهذا الدين العظيم لا يقبل كبراً، ولا غطرسةً، ولا استعلاءً، ولا تعالياً، ولا تألهاً، بقدر طاعتك لله، وعبوديتك لله تنال كل خير، هذه واحدة.
في نقطة ثانية: الحقيقة في آيات كثيرة جداً تقول:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل]

 واضحة، وفي حديثٍ صحيحٍ في الصحيحين:

(( لا يُدْخِلُ أحداً منكم عملُهُ الجنَّةَ، قالوا: يا رسول الله، ولا أنتَ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ))

[ أخرجه مسلم، عن: جابر بن عبد الله ]

 فكيف نجمع بين النصين وهما متناقضان؟ في حديثٍ صحيحٍ والنبي لا ينطق عن الهوى:

(( لا يُدْخِلُ أحداً منكم عملُهُ الجنَّةَ ))

 وفي آيةٍ قطعية الدلالة:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

  العلماء قالوا: الجنة لها ثمن، ولها سبب، كأن ترى بيتاً في أرقى أحياء دمشق، ثمنه خمسين مليون، له ثمن خمسين مليون، وله سبب، ثمن مفتاحه ستة عشر ليرة، فكل عملك الصالح في الدنيا هو ثمن المفتاح، الباء باء السببية، بعملك الصالح، وبطاعتك لله، وبإخلاصك له، وبخدمتك عباد الله قدمت السبب، أما الجنة محض فضلٍ، فإذا أعطيت بيتاً بخمسين مليون، وكلفت أن تأتي بمفتاحٍ فقط، ليس لك أن تقول هذا البيت أنا اشتريته بمالي، لا، إنه فضلٌ من الذي قدمه لك أنت قدمت ثمن مفتاحه، يعني واحد من خمسين مليون تقريباً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 43 ]

 لو الله ما خلقنا؟ لو ما خلقنا للجنة؟ لو خلقنا للدنيا فقط؟ هو الذي خلقنا، منحنا نعمة الوجود، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، والجنة محض فضل، لكن جهنم محض عدل والجنة لها ثمن، لا يمكن أن ندفعه، ولها سبب بإمكاننا أن ندفعه، وهو العمل الصالح، فإذا جاء قوله تعالى:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

، أي سبب دخول الجنة عملكم الصالح أما هي في الأصل محض فضلٍ.
 لذلك إذا الإنسان اشترى بيت بسعر السوق، ودفع ثمنه بالتمام والكمال على الطاولة، ودفع للدلال عمولته، وطوّب، ودفع رسم الطابو، يقدر صاحب البيت الذي باعه البيت أن يمن عليه؟ يقول له: أخذت حقك، ما راعيني ولا بفرنك، لا تحكي ولا كلمة، أما إذا كان ساكن ببيت دافع ثمن مفتاحه أنت، والبيت ثمنه خمسين مليون.
تبقى دائماً خجلان من الله عز وجل، فهذا التوفيق بين أن تكون الجنة بالعمل سبباً، أو بالعمل ثمناً بالعمل ثمناً لا نحن ولا نبي الله عز وجل:

(( ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ))

ورد عن الإمام الحسن: أن ادخلوا الجنة بفضلي، واقتسموها بأعمالكم.
 في آيات قرآنية سبحان الله، يعني فيها إيجاز بليغ تلخص قضية كبيرة بكلمتين كيف أن القرآن كله من دفته إلى دفته لخص بكلمتين:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 115 ]

 يعني كل ما في القرآن لا يزيد عن أمرٍ، أو عن خبر، فأمره عدلٌ، وخبره صدقٌ

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

في بعض الأحيان ربنا يصف الكفار، قال:

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 3 ]

 الأمور كلها غير صحيحة، الشاردون عن الله، أهل الكفر والفجور، كل أمورهم غير صحيحة، عقيدياً:

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

سلةكياً:

﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾

 ، وهذه من الآيات الموجزة:

﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 51 ]

 يعني أنا في العام الماضي حضرت مؤتمر للأديان، كل الأديان الأرضية والسماوية مثلت فيه بعباداتها، يعني لا تزيد هذه الآية عن وصفٍ دقيقٍ لهذه الأديان

﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾

 ، دين، العبادات لهو ولعب، العبادات، ليس إلا الإسلام بعباداته الراقية، بصلاته، بصيامه، بزكاته، بحجه، أما الباقي لهو ولعب، كالذي يجري في أماكن اللهو، يجري في دور العبادة تماماً:

﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾

 والآية:

﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 35 ]

الآن دور العبادة في العالم الغربي فيها رقص، فيها كل ما يجلب الشباب، انتهت العبادة نهائياً، يعني كل شيء فشا بين الشباب، انحراف بالكنيسة موجود، من أجل أن يجلبهم إليه.
 أيها الإخوة، أنت إذا كنت أصدرت قرار وما تابعته، لم يعد له قيمة القرار، القوة في المتابعة فربنا عز وجل أنزل هذا القرآن، لكن عظمة هذا القرآن أن كل الأحداث التي تجري في العالم تؤكده، فقيمة هذا القرآن في أن أفعال الله تؤكده، هذا التأكيد سميّ بالقرآن تأويل، فقال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 52-53 ]

 يعني مرة قال لي طبيب: قال لي: جاءني مريض، يدخن أربع باكيتات باليوم، أو ثلاث باكيتات، قال له: أنت آخرتك معك جلطة، قال له: حقائق ثابتة، الدخان له أثر كبير جداً بل إن المدخنين يصابون بأزمات قلبية، وبجلطات ثمن أمثال غير المدخنين، فالطبيب قال لهذا المريض: الدخان سينتهي بك إلى أزمةٍ قلبية، قال لي: والله بعد ستة أشهر جاءني إسعافاً إلى المستشفى، ومعه جلطة، الذي قاله الطبيب حقيقة، أما حينما جاءه إسعافاً، هذه تأويل الحقيقة تأويل الحقيقة وقوع الوعد والوعيد.
 فلولا أن الله يربي مال المتصدق، ويمحق مال المرابي، لولا أن الذي يستقيم على أمر الله يذيقه الحياة الطيبة، ولولا أن الذي يعرض عن الله يذيقه المعيشة الضنك، لولا أن أفعال الله تأتي مؤكدةً لكلامه، القرآن يفقد قيمته، فقيمة القرآن أن فيه مؤيد بالتعبير القانوني الحقوقي، مؤيد قانوني، أن كل أفعال الله تؤكد آيات الله، فأنت قد تستقيم على أمر الله، فتذوق الحياة الطيبة، فالحياة الطيبة تأويل هذه الآية، وأنت حينما تبتعد عن الله لا سمح الله ولا قدر تذوق المعيشة الضنك، والمعيشة الضنك تأويل هذه الآية، فالتأويل وقوع الوعد والوعيد.

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 أساساً خيارنا مع الإيمان خيار وقت، فرعون أكفر كفار الأرض أسلم، متى أسلم؟ قال:

﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس ]

 لكن عند الغرق، إذا كان أكفر كفار الأرض سيسلم، فخيارنا مع هذا الدين خيار وقت، لأنه عند الموت:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق ]

 فالبطولة أن تؤمن وأنت شاب، وأنت في ريعان الشباب، وأنت قوي، وأنت غني وأنت في بحبوحة الصحة، في بحبوحة الغنى هذه البطولة، أما بعد حين من تريد؟ قل لي عن إنسان ملحد، نشر الإلحاد بالأرض، أقول لك: عند الموت سوف يؤمن كما آمن رسول الله أبداً، أكبر ملحد بالأرض، ليس الذي ألحد لنفسه، الذي فلسف الإلحاد، ونشره في الأرض، عند الموت يكشف الغطاء، فإذا هو مؤمن، لكن هذا الإيمان لا قيمة له، جاء بعد فوات الأوان.

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 55 ]

 قال علماء التفسير: هذان من شروط الدعاء، التضرع، التذلل، والخفية، فيتناقض مع الدعاء الكبر، حافظ دعاء كله سجع، كلمات رنانة، النبرة قوية، الحروف واضحة، كل حرف خرج من مخرجه، وصوت عالي، تكبير صوت، ملئت المكان صياحاً، هذا ما عاد

﴿ َخُفْيَةً ﴾

 ولا في معه تضرع، في معه استعلاء، الدعاء يحتاج إلى تضرع، وإلى تذلل وإلى:

﴿ َخُفْيَةً ﴾

 قال:

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 يعني إذا الإنسان اعتدى على أخوه الإنسان لن يستجيب الله دعائه، لأن الله لا يحبه، في ملمح لطيف بالآية:

﴿ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 77 ]

 الواو جماعة، كم واحد عقرها؟ واحد، معنى؛

﴿ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ﴾

 أنهم أقروه على هذا الفعل، سيدنا عمر يقول: "لو أن أهل قريةٍ ائتمروا على قتل واحدٍ لقتلتهم به جميعاً" الآن إذا واحد، أين يوجد بلد بعيدة؟ بألاسكا، أو باستراليا، سرق مبلغ ضخم، وعاش حياة في بحبوحة، دقق: إذا قلت: نياله والله عرف يعمل، شريكه في الإثم.

(( إذا عُمِلَتِ الخطيئةُ في الأرض، كان من شهدها وكرهها، وفي رواية: فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضِيها، كان كمَن شَهِدَهَا ))

[ أخرجه أبو داود، عن: عُرس بن عميرة ]

 لذلك ورد في الحديث:

(( الذنب شؤمٌ على غير صاحبه، إن تكلم به فقد اغتابه، وإن أقره فقد شاركه في الإثم، وإن عيره ابتلى به ))

 أنت ما فعلت شيء، لك صديق ارتكب ذنب، دبر نفسه، ماذا يفعل؟ شريكه بالإثم إذا قلت: دبر نفسه، عرف يعمل، شريكه، إذا قلت: حقير، أين عقله؟ أنت عيرته، قد تبتلى بمثله، وإذا قلت: هكذا فعل، فقد اغتبته، إن أقررته شاركته في الإثم، وإن ذكرت ذنبه للناس اغتبته، وإن عيرته ابتليت به.
 إخوانا الكرام، ربنا له سياسة مع عباده، لطيف يبدأ معك بالبيان، بالهدى البياني قرآن، سنة، خطبة، درس، مقالة، شريط، ما في شيء، أنت صحيح معافى ببيتك، أولادك وزوجتك، ما عندك مشكلة، لكن الله أسمعك الحق، أسمعك إياه من خطيب، أسمعك إياه من متحدث، من مدرس، أسمعك إياه بشريط، أسمعك إياه بكتاب، هذا أرقى هدى، وأسلم هدى الهدى البياني فإذا أنت لم تستجب، دخلت مرحلة أصعب، التأديب التربوي، ما تأثرت الثالثة: الإكرام الاستدراجي، الرابعة: القصم، أبداً، أربع مراحل: هدى بياني، تأديب تربوي إكرام استدراجي، قصم.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 94 ]

 النبي طبعاً بين لهم هذا الهدى البياني، مفهوم ضمناً، فلما لم يؤمنوا:

﴿ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 لم يستفيدوا بالمصائب:

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 95 ]

 الآية ما أوضحها، هدى بياني، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم، هنيئاً لمن كان في المرحلة الأولى، الله سمعه الحق، وانتهى الأمر، واستجاب.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 24 ]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال ]

 واضح تمام أن الأمطار لها علاقة بالاستقامة، أخٌ كريم قدم لي كلمةً عن أمطار البارحة قال: أعلى تهطال مطري في الحرمون، سبعة وثلاثين مل متر نزل، في دمشق ستة مل متر، جيد مقابل لا شيء العام الماضي، ستة مل متر، إن شاء الله عز وجل يفتح لنا أبواب السماء.
 يعني الإنسان أيام يعاهد ربه، إذا نقض عهده مع الله ألا يستحي من الله؟ يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 كم إنسان حج، وعند مشهد الحجر الأسود عاهد الله على الطاعة، فلما عاد على بلده عاد كما كان؟ كم إنسان صام رمضان، وعاهد الله على الصلاة، والقرآن، وغض البصر فلما انتهى رمضان رجعت حليمة لعادتها القديمة؟.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا طوال العام كما نحن في رمضان.
 أيام أنت تفسر تفسير ديني الأمر، أن فلان قبل التوبة، كيف كان بعد التوبة يكون جالس شخص شيطان، يريد أن يسفه لك رأيك، يقول لك: هذا الدهر يومين يوم لك ويوم عليك، يلغي لك الفكرة هذه، أن الله عز وجل بعدما تبت أكرمك، أو يأتي لك بأمثلة أخرى مضادة لفكرتك، يعني لا يحب أن يكون التوجيه ديني، يحب التوجيه أرضي:

﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 اسمعوا ماذا قالوا:

﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 129 ]

 مثل بعضها، الأذى مستمر، يعني مجيئك ما غير شيء، دائماً الكافر يحب أن يسفه آراء المؤمن، المؤمن يقول لك: قبل الإيمان، بعد الإيمان، يعني في ظهرت صورة في بعض الصحف الأجنبية مركز الزلزال بأزميت، مركز الزلزال، طبعاً الزلزال لم يدع شيء كان سبعة أو اثنين بالعشرة ريختر، كل شيء على الأرض، بالعكس كل شيء ارتفاعه ثلاثين سانتي، ناعم صار، إلا مسجد له مئذنة عملاقة، ومعهد شرعي، مع أنه في علم الهندسة أول بناءٍ يقع، ما كانت قاعدته صغيرة، وطوله شاهق، هذا هندسياً أول من يقع، الحقيقة درس من الله بليغ، هذه الصورة يعني خلقت مشكلة، سمعت في بريطانيا، وفي أمريكا، مشكلة كبيرة، ثم أوقف نشرها، صار لها تفسير ديني، لأنه جامع ما تأثر، فالمؤمن يحب يوجه الأمور توجيه ديني، مثلاً يقول لك: جيرانا في هذه الحرب الأهلية، يقول لك: حكمتها عين لبنان، مو حكمتها عين، الموضوع أعمق من هذا، الموضوع:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 دائماً كن مع التفسير القرآني في كل شيء.

﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 137 ]

 العبرة للنهاية، العبرة من يضحك آخراً، من ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً أما من آخراً يضحك كثيراً، وإلى الأبد، العبرة أن تكون آخر من يضحك، هذا أهم شيء في هذه الآية.

﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 إخوانا الكرام، آية تحل كل مشاكل المسلمين، أنت عبد لله عليك أن تطيعه وانتهى الأمر.

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 ما قال له: عبد يريد أن يبيعك سيدك، قال له: يعرف عمله، قال له: أنا سأشتريك قال له: أنت تعرف عملك، قال له: اهرب، قال له: أنا أعرف عملي، عملك أن تطيعه، والله يعرف عملك معه، خليك عبد متواضع، لا تقحم أنفك بأمور كبيرة، ما دخلك، أنت عليك أن تطيعه، إذا أطعته أديت الذي عليك، فاطلب من الله الذي لك، وهذه آية واضحة، والآية الثانية:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر ]

 دائماً أتمنى على الإخوان الكرام لما يقرؤوا:

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 هذه كلما رفعت يدك عن رجلك: الله غفور رحيم، اتركها، الله غفور لكن متى؟

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا ﴾

 تاب، وآمن

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 اعتقد في حوالي خمس ست آيات بهذه الصيغة،

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

  دقق على كلمة:

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

 في آية يمكن إنسان يفهمها فهم غلط:

﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 155 ]

 هذه:

﴿ قَوْمَهُ ﴾

 ماذا تعرب؟ من طلاب العلم، بنزع الخافض، يعني هي اختارها من قومه:

﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 155 ]

 يا رب، في أناس جاهلة قالت: دجها موسى، ماذا دجها؟

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾

 الفتنة الامتحان، يعني الله امتحن عباده، أناسٌ نجحوا، وأناسٌ لم ينجحوا:

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾

  ما فيها أي معنى لا يليق بالله عز وجل، يا رب أنت امتحنتنا، فريقٌ نجح، وفريق رسب أما كلمة:

﴿ فِتْنَتُكَ ﴾

 بالعامية لها معنى آخر، كل الفتنة منك يقول له، هذه موضوع ثاني، هذا معنى عامي، الآن كلمة عصابة بمعناها المألوف الآن عصابة أشرار، يعني المجرمين سارقين، أما النبي قال:

(( إِن تَهْلِكْ هذه العصابةُ من أهل الإِسلام لا تُعبدْ في الأرض ))

[ أخرجه مسلم والترمذي، عن: عمر بن الخطاب ]

بالمعنى اللغوي الأصيل جماعة الخير ما في شك.
 مرة شاعر مدح خليفة المعتصم، قال له: أنت جرثومة الدين، والإسلام والحسن ما معنى الجرثومة وقتها؟ أصل الشيء، فكلمة:

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾

  ما فيها شيء، لا تفهمها فهم عامي ساذج، بالمعنى اللغوي يا رب هذا امتحانك لنا، نجح من نجح، ورسب من رسب.

﴿ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 155]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS