12576
أحاديث رمضان 1421 - تفسير آيات - سورة هود - الدرس ( 16 - 52 ) : قصص الأنبياء .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-05
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

سلوك العبد بمنهج الله يقيه من مصائبه

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا شك أن لله جل جلاله حكماً كبيرة من ذكر قصص الأنبياء ، إنهم قدوة لنا ، وإن ما جرى في حياتهم دروس بليغة لنا ، فهذا شعيب عليه السلام يقول :

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾

[سورة هود الآية:84]

 يوجد لطيفة للعلماء أنه ذكر الله نقص المكيال والميزان ، كنموذج فأية معصية يرتكبها الإنسان لخلاف منهج الله عز وجل هذه توجب تأديبه :

﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾

[سورة هود الآية:84]

 العلماء فسروا كلمة خير توافر المواد ورخص الأسعار ، كلكم يرى أو يسمع كيف أن هناك ألوف مؤلفة تدع بلادها وتنزح في العراء وتنام تحت الخيام ويموت بعضها جوعاً وبرداً ، فمادام الإنسان في مأواه وفي بحبوحة وفي بلده ومعه قوت يومه لا مشكلة لديه ، نحن بخير ، فإذا ارتكبنا معصية كأننا نقول : يا ربي دمرنا ، هذا لسان حالنا .

﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾

[سورة هود الآية:84]

 هذا الخير لا يدوم مع إنقاص المكيال والميزان ، هذا درس أنت في بحبوحة ، ساكن في مأوى ، صحتك جيدة ، عندك زوجة وأولاد فأنت بخير إذاً ، كرامتك موفورة ابنك بحجرك ، ابنتك لا مشكلة لديها ، معك قوت يومك ، أنت بخير معافى ، فلو أن هناك معصية أصررت عليها ، وأقنت عليها كأن هذه المعصية تنذر بزوال هذه النعم !
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[أخرجه مسلم]

 أحياناً تأتي المصيبة مفاجئة قال تعالى :

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[سورة الشورى الآية:30]

﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

[سورة هود الآية:84-85]

 لا يوجد شيء أودعه الله فينا إلا له منهج صحيح وحركة سليمة ، منطقة مباحة قناة نظيفة ، فهذه المنطقة وهذه القناة وهذا الحيز وهذا المنهج يكفي لك من المرأة امرأتك ، زوجتك ولك أن تنظر إلى محارمك ، لكن ليس لك أن تملأ عينيك من امرأة لا تحل لك ، أنت تجاوزت الحد ، لك أن تأخذ المال الحلال وأن تنفقه في طاعة الله هذا لك ، لكن ليس لك أن تأكل المال الحرام وأن تنفقه في معاصي الله ، كلمة :

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

[سورة هود الآية:85]

 ما أباح الله لكم من كل شهوة أودعها فيكم هذا يكفيكم ، بتقدير خالق الكون العليم الخبير .

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾

[سورة هود الآية:87]

 لاحظ التقاليد والعادات ، هم يعبدونها .

﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾

[سورة هود الآية:87]

 هذه حرية ، نحن أحرار ، أنت حر لكن ضمن منهج الله عز وجل ، فهو أعطاك حرية الحركة لكن ضمن حدود ، أما إذا اعتديت على ما عند الآخرين بدافع الحرية ، فهذا يوجب العقاب .

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾

[سورة هود الآيات:88-89]

 إذا كنت متألم من إنسان مؤمن هذا الألم يمنع عنك تأديب الله عز وجل ، إن حقدت على جهة تدعو إلى الله ، هذا الحقد يمنعك من عذاب الله ؟ لا يحملنكم شقاقي أن تخالفوا منهج الله هذا شيء واقع ، لها زوج يعاملها بقسوة بالغة ، فأصبحت تعصي الله نكاية به ، إذا شفت صدرها من زوجها وعصت ربها هذا يمنعها من تؤدب من الله عز وجل ؟ نقطة دقيقة جداً

﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾

[سورة هود الآية:89]

 ثم يقول له قومه :

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾

[سورة هود الآية:91]

 الإنسان قد لا ينتبه ، قد يؤثر مصلحته ، ولو تمكن لأطفأ نور الله عز وجل كما يدعي هو ، فقد تقف ناقص في خندق المنافقين .

﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾

[سورة هود الآية:91]

 لا قيمة لك عندنا كرسول ، لكن نحن عملنا حسابات في معاملات معقدة فما اقتربنا عليك ، لا حباً بك ولا خوفاً من الله ولكن لمصلحة نريدها ، وهذه سياسة أهل الأرض الآن ، يتخذون قراراً لا طاعة لله ولا حباً به ، ولكن انطلاقاً من مصالحهم فقط ، فقد تسمح لهم مصالحهم أن يبطشوا بالمؤمنين ، وقد تسمح لهم مصالحهم أن يدعموهم ليكونوا ضد أعداء لهم ، هكذا يسلك العالم كله .

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾

[سورة هود الآية:92-93]

 العبرة للمستقبل ، الأمور تتحرك ، يصعد أناس ويسقط أناس ، ولا تستقر الأمور إلا على الحق ، وكل أمر مستقر ، فالعبرة في النهاية ، ولمن يضحك أخيراً ، قال بعضهم : الذي يضحك أولاً يضحك قليلاً ، والذي يضحك آخراً يضحك كثيراً ، العبرة أن تضحك آخر الناس ، حينما ترى لك مقعد صدق عند الله عز وجل ، وحينما ترى أنك جئت إلى الدنيا وعرفت حقيقتها وعرفت حقيقة نفسك وعرفت أن العمل الصالح هو كل شيء .

الخلود للحياة الآخرة

 إخواننا الكرام ؛ الإنسان أحياناً يركّز ، إذا ركّز على بيته يتفوق ، يربي أولاده أعلى تربية يضبط أموره ، وإذا ركّز على عمله يتفوق ، والبطولة أن تركّز على الجهتين معاً ، على بيتك وعلى عملك ، وإذا ركّز على أمور أخرى يتفوق ، الآن حال المسلمين أنهم يركزون على الدنيا فإذا شددوا عليها وركزوا وانصرفوا إليها ، لا أقول هم يعصون الله لكن في المباحات الذي يحصل إذا وازنوا أحوالهم مع أحوال أهل الدنيا يتضاءلون ، أما لو ركزوا على الآخرة لكانوا في حال آخر ، يلزمك الجرأة ، يجب أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً ، يوجد آخرة أم لا ؟ إذا لم تتأكد هذا ليس إيمان ، الإيمان .

﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾

[سورة الحجرات الآية:15]

 قال :
 زعم الطبيب والمنجم كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما
 إن صحّ قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
 ليس هذا هو الإيمان ، المؤمن لا يرتاب ، فأنت يلزمك سؤال دقيق جداً : هل يوجد آخرة ؟ أم إلى الأبد ؟ أم لا يوجد ؟ إذا وجد ينبغي أن تعمل لها ، وأن تنقل اهتماماتك إليها ، وأن يمتلئ يومك بأعمال صالحة من أجل الآخرة ، عندئذ تعيش حياة سعيدة لا توصف من السعادة ، لأنك أهملت الدنيا ، إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
 وأوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمتي فاستخدموه ، ومن خدمني فاخدموه ، بالتعبير العامي : الدنيا تقهر ، متى يرتاح الإنسان ؟ عندما ينضج يكون لده خمسين مشكلة ، رجل فضّل أن ينتحر ، قصة رمزية لها معنى عميق جداً فجاءه ملك الموت قال له : لا تنتحر ، قال له : اعمل طبيب ، فأدله بأنه إذا جئت لمريض ووجدتني عند رأسه فهو سيموت قطعاً فابتعد عنه ولا تعالجه ، أما إن رأيتني عند قدميه هذا ليس مرض الموت بل سيشفى ، أي شيء تصفه له سوف يشفى ، فأحضر سوائل ولوّنها ، وأحضر حقيبة ، يجد ملك الموت عند رأسه يعتذر ، هذا ليس اختصاصي ، أما إذا وجده عند قدميه يعالجه ، زاع صيته ، وتألّق نجمه ، واشتهر كثيراً ، وأصبح ببحبوحة كبيرة ، وشكر الله لأنه جاء ملك الموت بالوقت المناسب ليمنعه من الانتحار ، فلمع نجمه وإذا بابنة الملك تمرض ، والملك جعل لمن يشفي ابنته أن يتزوجها ويكون ولي العهد ، فجاء ليعالجها فوجد ملك الموت عند قدميها ، فقال : ملكنا كل شيء ، عالجها وشفيت ! وعقد زواجه على ابنة الملك ، ويوم التتويج جاءه ملك الموت ، فمات ! قال له : الآن ؟ قال : الآن ، فقال : والله مشكلة ! لو كان وقتها لكان أسهل وأفضل .
 الإنسان يصل لأعلى درجة يقول له : شرّف ، هذا نراه كل يوم بأعيننا ، تجد رجل بعدما استقر وأمن دخل كبير ، وبيت رائع جداً ، يأتيه ملك الموت تفضّل على باب صغير على مثواه الأخير ، فأنا أقول : هل أنت متأكد مائة بالمائة أن هناك بعد الموت حياة إلى الأبد فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، إذا كان الكلام صحيح متأكد منه كل يوم يمضي دون أن تعمل عملاً صالحاً فهو خسارة ، قال تعالى :

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[سورة العصر الآيات:1-3]

 لذلك من بعض الأدعية المأثورة ( لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علما ، لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربا) فالقضية مصيرية ، اقرأ كتاب سخيف تتفاءل وتنام ، تقرأ كتاب خطير تبدأ بعد قراءة الكتاب متاعبك ، فنحن أمام امتحان صعب في مغادرة بلا عودة ، وهذه المغادرة لا نعلم متى ، سبحان الله في هذه الأيام شاب في الرابعة والثلاثين أو في الواحدة والأربعين المهم شاب من إخواننا محامي توفاه الله عز وجل عمره ثلاث وأربعين بحادث ، صُلّي عليه بهذا المسجد ، فيما أعلم كان صالحاً ، كان له طلب علم جيد جداً لكن ثلاث وأربعين ، وأربع وثلاثين ، واثنان وثلاثين ، وسبع وعشرين مغادرة ، فمتى تسعد حينما تشعر أنه لو جاءك ملك الموت لديك شيء ، أنت معك رصيد ، معك شيء للآخرة .

﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾

[سورة النجم الآيات:59-61]

 هذا موضوع مصيري جداً ، فيلزم جلسة مع الذّات ومراجعة ماذا لك أعمال صالحة وماذا عليك من مخالفات لا سمح الله ، تقصير ، حقوق مترتبة عليك هذا كله أنهيه في رمضان ، اكتب وصيّتك وهيئ نفسك ، وعندئذ تشعر أنك خفيف أنت ، سمعت قصة لولا أنها واقعية مائة بالمائة ولولا أن الذي رواها لي أعرفه هي لا تصدق ! قصة إنسان له عمل تجاري في أحد أسواق دمشق الرئيسية ، لكن كان صالح ومحباً لله عز وجل ، كان إذا جاءته لجنة لجمع التبرع يقول : افتح صندوق الحديد وخذ ما شئت ولا تعلمني ، أنشأ مسجد له عمل طيب ، في سنّ مبكر أصيب بمرض عضال ذهب لبلد بعيد وكانت التحاليل لم تنتهي ، وكانت النتائج إيجابية والإجابة بالهاتف ، هذه القصة نادرة جداً ، هذا سمع بسمّاعة أخرى جواب المستشفى أنه بقي ثلاثة أيام للموت ، يقول لي صديقه لم أجد إنسان أعصابه قوية وتلقى هذا النبأ براحة كهذا الإنسان ! طلب صديقه الذي يروي لي القصة ، قال : أنا لدي عشر صفقات بقي كم واحدة لم أدفع ثمنها ، ألغيهم ، وكم واحدة أنت تصرف بربحهم ووزعهم على الورثة ، أنا انتهيت ، في اليوم الثاني استقبل أصهاره وبناته وودعهم ، وفي اليوم الثالث جاء شيخه هللوا له وقرءوا القرآن ودخل وتحمم بنفسه ، نظّف نفسه جيداً وفي الساعة الواحدة سلّمها ! ما تفسير هذا الهدوء باستقبال الموت ؟ عمله الطيب ، وكل واحد منا إذا كان له عمل طيب يسير صح مستقيم مؤدي عباداته دافع زكاة ماله غضضت بصره محسن للخلق إذا جاء الخبر المؤلم يتلقاه بصبر .

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية:157]

 لو معك ألف مليون كم بإمكانك أن تأكل ؟ لا تستطيع ، الأكل محدود على كم سرير تنام ؟ في كم غرفة تجلس ؟ والله يا أخوان يوجد أوهام كبيرة جداً ، قد تجد إنسان لديه قوت يومه يسكن بغرفة ، حدّثني أخ من إخواننا صالح جزاه الله خيراً قال : دخلت إلى رجل والله لا أبالغ حجمه المالي حوالي أربعة آلاف مليون بقدر ما شكى لي وشكى وشكى متضايق من بيته ، من أولاده ، من تجارته من البلد ، قال لي : أنا سأذهب معك ، الأخ الراوي ذهب لمحله التجاري جاءت امرأة محجبة قالت : أنا أريد منكم مساعدة أريد ألف ليرة بالشهر أدفعها أجرة بيت ، أين تسكنين ؟ قالت : بداريا ، قال : لدي مساء اجتماع مع اللجنة ، ذهب إلى داريا قال يوجد أخت تريد المساعدة حققوا معها ، قالوا : بيت تحت الدرج بالضبط أمامه فسحة ، طرقنا الباب ، المسافة العالية غرفة نوم ، والسفلى مطبخ وحمام ، لا يمكن أن ينسكن البيت ، دخلت رأيت البيت نظيف ، ولدين ثلاثة نظيفين ، الزوج نائم على سرير لأنه مريض ، تلمس سعادة في هذا البيت والسرور ! فوازن بين الذي هو منزعج من نفسه الذي يملك أربعة آلاف مليون ، معقول هذا منزعج وهؤلاء مسرورون؟ يوجد أسرار عند الله عز وجل إذا كنت معه يسعدك ، بأصعب عيشة ، أنت في السجن أحيانا ، وأهل الكهف بالغار ، يونس ببطن الحوت أسعد الناس ، وإذا كان بأي مكان بعيد عن الله شقي بأي مكان ولو بأعلى مكان ، فقال : المناسب ألفين ليرة بالشهر ، فقالت : لا شكراً معاش زوجي يكفينا ولكن ينقصنا ألف ليرة لأجرة البيت ! لم تقبل أن تأخذ ألفين ، فالله عز وجل يمنح سكينة لإنسان فيسعد بها ولو فقد كل شيء ! ويحجب عنه السكينة فيشقو بفقدها ولو ملك كل شيء ، هذه أسرار الحياة ، لن تسعد إلا إذا كنت معه أبداً .

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية:28]

 لن تسعد إلا إذا كنت معه .

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[سورة طه الآية:124]

 خالق الكون ، رجل معه ألف مليون ، قال ضيق القلب ، تجده يقرَف ويُقرّف ، يملّ من كل شيء ، يضيق لك صدرك وقلبك ، بقدر تشاؤمه يريك المستقبل أسود ، يكون معه ألف مليون ، تجد رجل لا يملك شيء لا أبيض ولا أسود ولا أخضر ، قيل : أن الزيتون الجلط هو الدولار ! لا يملك رصيد بالبنك ، يعيش بدخل محدود ، يأكل كل يوم بيومه ، تجده أسعد الناس ، فالنقطة الدقيقة أيها الأخوة : لن تسعد إلا إذا كنت مع الله .

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية:28]

 ونحن في رمضان ، وأنت ممكن أن تكون متوفق ، وتاجر ناجح ، ومدرّس ناجح ، لأنك حينما تكون مرتاحاً لدينك تأتيك بطاقات جديدة ، تجد كل المتفوقين من أصحاب الدين ، هل معكم دليل ؟ الأوائل ما هو وضعهم الديني ؟ علّقوهم باللوحات العامة وشاهدوهم حتى تجدوهم أكثرهم متمسكين بالدين لأنه مخه نظيف ، مسرور بالله عز وجل مرتاح ، أكثر الناجحين الأوائل من أصحاب الدين ، وأنت بعملك تتفوق إذا كنت موصول بالله عز وجل ، وإذا وُجد العتب على الله عز وجل ينعكس على بيتك وأولادك وصحتك .
 والحمد لله رب العالمين .
 يوجد سؤالين أريد الإجابة عنهما : هل يحق للزوجة أن تعطي زكاة مالها لزوجها ؟ يجوز إذا كان فقير ، لكن لا يجوز للزوج أن يعطي زكاة ماله لزوجته ، العكس غير صحيح ، ولا يجوز أن تعطي زكاة مالك لفروعك مهما دنوا أو لأصولك مهما علوا .
 عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ))

[أخرجه الترمذي]

 هذا الحديث يوجد عليه بعض الإشكاليات ، على كل لعل الحمام العام فيه كشف عورات وفيه بعض المخالفات الشرعية ، الموضوع انتهى .
 موضوع أعالجه غداً مساءً إن شاء الله دقيق يلزمه وقت طويل إشكال ورد مع بعض الأخوان شيء قلته من يومين هو ظن أنه يتعارض مع قول النبي .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))

[أخرجه مسلم]

 هو ليس من أهلها ، أنا قلت مستحيل أن تعبد الله كل حياتك وقبل أن تموت بدقيقتين تزلّ قدمك لجهنم ، هذا مستحيل ، لكن ممكن أن تكون تعيش بعالم إسلامي ، مصالحه مع المسلمين يكون مستقيم لمصالحه فقط ، هو ليس من أهل الجنة إطلاقاً ، لكنه ضحك على الناس جميعاً ، ببلده يصلي ، وإذا ذهب لمكان في أوروبا يزني ، هذا الشيء واضح ، في بلده الصلاة إجبارية ، إذا ذهب لبلد أجنبي يزني ، إن أحدكم ليعمل بعملي ليس من أهل الجنة أي كل حياته منافق ، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ويوجد للحديث تتمة ورواية :
 عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))

[أخرجه البخاري]

 هذا في الأساس غير مؤمن لكن يظهر شيء هو ليس ، يؤكد الحديث :
 عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ

(( أَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، بِيضاً. فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً). قَالَ ثُوْبانث: يَا رَسُولَ اللهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَنَعْلَمُ. قَالَ (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ. وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا))

[أخرجه ابن ماجه]

 فالحديث يعني هؤلاء :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ))

[أخرجه البخاري]

 وليس مؤمناً ، لكن مصالحه تعلقت بالمؤمنين ، فيصلي أمامهم ، ويصوم ويفعل كل شيء وليس من أهلها ، لكن الله عز وجل لا بد من أن يكشفه ، أما أن تعبده مخلصاً طوال حياتك ثم تنزلق ؟ هذا شيء مستحيل ألف ألف مستحيل ، الله وفي وكريم ، يكون رجل ما منه خير يكرمه الله ، سيدنا موسى بدعاء الاستسقاء دعا الله بالسقيا قال : يا موسى إن فيكم عاصيا فليغادركم قال من كان فينا عاصياً لله فليغادرنا لم يخرج أحد ، والمطر هطلت ، قال : يا ربي من هذا الذي يعصيك ؟ قال له : عجبت لك يا موسى أستره عاصياً وأفضحه تأئباً ؟ معقول ؟ الله يتوب على من يشاء ، فهذه قضية الحديث ،

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ))

[أخرجه البخاري]

 والحمد لله رب العالمين
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضى عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS