9343
أحاديث رمضان 1421 - تفسير آيات - سورة النحل - الدرس ( 21 - 52 ) : الأمر القرآني يقتضي الوجوب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-08
بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة:
من بديهيات علم الأصول: أن كل أمر في القرآن يقتضي الوجوب.
 المسلمون مسخوا الدين إلى خمس عبادات, مع أن في القرآن آلاف مؤلفة من الأوامر, وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب, طبعاً: ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك, يعني:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف الآية:29]

 هذا فعل أمر فليكفر, لكن هذا أمر تهديد:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾

[سورة البقرة الآية:187]

 هذا أمر إباحة:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

[سورة النور الآية:32]

 هذا أمر ندب:

﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[سورة الأنعام الآية:72]

هذا أمر وجوب.
 على كلٍّ؛ أي أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب, ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
الآية هنا:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة النحل الآية:36]

 الله لم يقل: كيف كان حال المكذبين؟ قال:

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة النحل الآية:36]

 قد يكون المكذب بوضع جيد؛ قد يكون قوي, قد يكون غني, قد يكون صحيح البدن, لا تنظر إلى حاله, انظر إلى مآله, إلى عاقبته.
يعني: كفار قريش كانوا أقوياء, انظر إلى مآلهم سقطوا, الذين نصروا النبي كانوا ضعفاء, انظر إلى مآلهم ربحوا. الله قال:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية:128]

 فأنت مكلف من خلال هذه الآية: أن تنظر إلى العواقب, كأن الله عز وجل له آيات كونية (خلقه), وله آيات قرآنية (كلامه), وله آيات تكوينية (أفعاله).
 البارحة حدثني أخ, سائق سيارة يمشي في طريق ركن الدين, استوقفه إنسان شبه عاجز وعنيف, استوقفه: أين؟ قال له: آخر جادة في الجبل, وليس معي شيء, قال له: صعد, وصلوا لآخر جادة بجهد جهيد, وإذ أربعة, خمسة أولاد يستقبلونه, أبوهم وصغار, سألوه: أتيت بالخبز؟ قال له: والله يا بني, استحيت من السائق ركبني بدون مقابل, أوقفه أيضاً أخذ خبزاً من الفرن, استحيت, لم آت, فالسائق انتبه, رجع للجادة السفلى, اشترى خمس ربطات وصعد.
 أقسم بالله خلال دقائق أكلوا الأولاد نصف الخبزات من جوعهم, أكلوا النصف, فهذا نزل, وصل للشوارع الرئيسية, استوقفه اثنين قطعوا بالطائرة, ومتأخرين, لم يسألوه كم؟ أوصلهم, نقدوه ألفين وخمسمئة ليرة, خمسة أضعاف الطلب, اثنان بالمطار سائحان أجنبيان, يعني يمكن ممنوع يركبهم, فقال لنفسه: أركبهم, أوصلهم للفندق, أعطوه مئتي دولار, خلال ساعة ونصف أخذ اثني عشر ألفاً وخمسمئة, مقابل هذه التوصيلة هذه, فمن فرحه, وشو بسبب هذا الشخص, رجع لعنده, أخذ له لحم, وفواكه, وحلويات, وما الذي قدره الله, وأزاح له مبلغ, مبلغ يعني حوالي ألفين وخمسمئة, لم يرض أن يأخذهم ولا بشكل, قال له: هذه الهدايا تكفي.
 أنت ليسا عندك وقت, وعندك نفس طويل, أن تلاحظ فعل الله, الله عز وجل رقيب, ورب النوايا, ومع كل مخلوق, لكن نحن في الأعم الأغلب: نسمع مليون قصة من آخر فصل ليس لها يعني...... أما أنت لو عندك يعني نفس طويل, تتقصى القصص من أولها, تجد كل شيء بحساب دقيق, كل شيء بحكمة بالغة, وليس إلا الله, وهو مطلع عليك. فهنا ربنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:11]

 يعني: أنت لا تسمع قصة إلا وينبغي أن توظفها في الإيمان, تجد المستقيم الله آخذ بيده , الذي يعتدي على أعراض الناس فضح في عقر داره, الذي يغض بصره عن الحرام سعد في زواجه, الذي تحرى الحلال بارك الله في ماله, الذي كان محسناً رفع الله له ذكره, الذي ذكره في نفسه ذكره الله في نفسه, والذي ذكره في خلقه ذكره الله في ملأ خير منه.
يعني: في شيء عجيب, وكل شيء بحساب دقيق, فأنت مكلف من خلال هذه الآية: أن تنظر عاقبة المصدق, عاقبة المكذب, عاقبة الصادق, عاقبة الكاذب, عاقبة المخلص, عاقبة الخائن.
 أعرف جماعة, يعني خُطبت ابنتهم من مهندس محترم جداً, ودين, يبدو هو مسافر في الخليج, فجاء خاطب, جاء خاطب على مستوى مالي عال جداً, فالأم طمعت بهذا الخاطب الجديد, وقطعوا علاقتهم مع القديم, مع أنه في عقد مكتوب, وقفوا الرسائل, وهيئوا كل شيء قدمه من هدايا, ردوهم له, وطالبوه بفسخ العقد الثاني, طلق البنت, زوجوها لثالث, طلق البنت الثالثة, والآن بلا زواج, خيانة لأنه, شاب مؤمن, مستقيم, جيد, لكن دخله محدود, طمعوا بالمال, فخسروا الزواج كله, لو في نفس طويل تتابع الأمور, تجد العجب العجاب, تجد ما من إله إلا الله, تجد وهو في السماء إله وفي الأرض إله.
وكل إنسان يتجاهل وجود الله, ويتجاهل حسابه, ويتجاهل أن الله مع الحق, وليس مع الباطل, مع الإحسان وليس مع الإساءة, يكون أحمق, الذي لا يُدخل مراقبة الله له في حساباته اليومية, إنسان أحمق, إذاً:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:11]

لي صديق, والده كان معه ثروة لا بأس بها, ذهبا معاً مع شريكه إلى بلد, واشتروا بضاعة, فأدخلها باسم شريكه إلى ميناء بيروت, لما شعر شريكه أن كل هذه البضاعة باسمه, أنكرها عليه, وتملكها, وباعها, وأكل ثمنها.
 أمشي أنا في بعض هكذا قرى الغوطة, في مكان لبيع الخبز, قال لي: هذا شريك والدي الذي نهب ثروتنا, فقير, بوضع سيء جداً, هذا المال الحرام ما أغناه, أفقره, لو عندك نفس, ممكن, ممكن أن ترى عدله, وحكمته, ووفاءه لعباده, ودقة معاملته من خلال أفعال الله عز وجل, فأنت مكلف أن تنظر:

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:11]

 الآن: عاقبة الظالمين, عاقبة الفاسدين, عاقبة الخائنين, عاقبة المنحرفين, عاقبة المسيئين, الله عز وجل كبير, وقد يكون العقاب أليماً, وليس معنى كلامي هذا: أنه قد تجد إنسان منحرف دون أن يعاقب.
الشيء الدقيق: أن الله يعاقب بعض المذنبين ردعاً للباقين, ويكافىء بعض المحسنين تشجيعاً للباقين, ولكن الحساب الذي لا بد منه يوم القيامة:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية:185]

إذاً: جزء من دينك أن تتبع عواقب المنحرفين كي نتعظ.
 والله بهذا الباب في ملايين القصص, ملايين, والله أقول أحياناً: هناك كتاب وسنة يؤخذان من القصص, غير هذا الكتاب والسنة, يعني كأنك أمام منهج كامل, الله مع المحسن, يدمر المسيء:

((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه, ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله))

 وترى بعينك كيف أن الله يتلفه؟ لذلك:

((كن بما في يدي الله, أوثق منك بما في يديك))

 الآن: في عندنا قاعدة قرآنية:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه﴾

-أحياناً: الإنسان يهاجر من بلد مؤمن, من بلد بإمكانه أن يقيم فيه شعائر الله, بإمكانه, بإمكانه أن يربي أولاده تربية إسلامية, بإمكانه أن يحجب منه بناته.
 يعني: بلد ما, في بلد كامل, كل بلد له إيجابيات وسلبيات, لكن في بلاد كهذه البلاد والحمد لله, بإمكانك لو أردت أن تقيم شعائر الله, هذا المسجد مليء, تصلي, وتحضر درس علم, وتحجب ابنتك, وتقوم الليل, ولا أحد يعترض عليك, لكن في بلاد فيها حرية, لكن لا يمكن أن تقيم شعائر الله, الحياة قوية جداً, أقوى من أية دعوة, فأنت عندك هجرتين؛ هجرة إلى الدنيا, وهجرة إلى الله, فلو جئت من بلد غني, إلى بلد فقير تبتغي به وجه الله, أو لو انتقلت من بلد فقير تقام فيه شعائر الله, إلى بلد غني مترف, يضيع الإنسان فيه عن ربه. هنا الآية-:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

 -لام التوكيد, نون التوكيد الثقيلة-:

﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

وهذه الحياة أمامك, ما في إنسان يترك دخلاً كبيراً خوفاً على دينه, أو خوفاً على دين أولاده, ويأتي إلى بلد فقير, إلا وله معاملة خاصة, لأنه هاجر إلى الله.
 أقسم لي بالله أخ تركي, قال لي: أنا هاجرت خفت على ديني, وهاجرت وقت كمال أتاتورك, قال لي: عندي بالشام خمساً وثلاثين بيتاً بدمشق, (خمساً وثلاثين بيتاً), أقسم بالله, قال لي: جئت مشياً, وحافي القدمين فراراً بديني, ودين بناتي.
فهذه النقطة هذه, لما أنت تتخذ قرار, أن تنتقل من بلد غني مترف, دخل فلكي, إلى بلد يعاني ما يعاني, لكنك تبتغي الحفاظ على دينك, ودين أولادك, فأنت موعود من الله:

﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

 والآخرة أكبر:

﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل الآية:41]

هذا القرار يحتاج إلى إيمان فقط.
 يعني: التقيت مع مع عدد كبير ممن ذهب إلى أمريكا, بقصد أن يدرس ويرجع, كلهم آثروا البقاء, بعد أن آثروا البقاء, وجدوا أنهم دفعوا ثمناً باهظاً جداً, أولاده, أولاده يعني فلذة كبدك, ليس كما تتمنى, ولا ينتمي لا إلى هذه الأمة, ولا إلى هذا الدين, ولا إلى شيء من هذا القبيل, ينتمي إلى بلد آخر؛ بتاريخ, وقيم, وأمجاد, وعادات, وتقاليد, لا علاقة لها بالإسلام إطلاقا. إذاً:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل الآية:41]

 فانا أتمنى: قبل ما تنوي أن تقيم في بلد متفلت, عد للمليار.

((من أراد إنفاذ أمر, فليتدبر عاقبته))

 في منطق أسمعه من بعض المسلمين الضعاف: لو عملت أخسر عملي, يعني لو أطعت الله أخسر عملي, لو ما يعني عملت عمل كما يفعل التجار, مخالفة في البيع...... لا أربح, كأنه في إله في الأرض, وفي إله في السماء, هذا منطق مضحك.
يعني: إذا أنت أطعت الله عز وجل, القوى الأرضية تنالك بالأذى, والله يتفرج عليكم, معقول الكلام؟
لأنه وضع ماله في البيت, فقتلوه وسرقوا المال, أما الذي وضعه بفائدة ربوية, هذا آمن؟
الذي عصى الله آمن, والذي أطاعه خائف؟ ما هذا المنطق هذا؟
يعني: الله عز وجل ليس له علاقة بالأرض, لكن نزل القرآن, وبقي بالسماء, ما هذا الكلام؟:

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾

[سورة النحل الآية:51]

ما في إلا إله واحد, إذا كنت معه كان معك, إذا أطعته نصرك وحفظك.
 في كلمة لعلها تبدو قاسية: يعني هذا الإله الذي تعبده, إن لم تكن واثقاً أنه يحميك لم تعبده, إن لم تكن واثقاً ثقة مطلقة أنه يحميك, ويؤيدك, وينصرك, ويوفقك, لم تعبده, وهل تعتقد أن إلهاً عظيماً, خلق السموات والأرض, وإليه يرجع الأمر كله, يسمح لمخلوق أن يحول بينك وبين الهدى؟ معقول؟:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

[سورة طه الآية:45]

 فرعون:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

[سورة طه الآية:46]

أين أنا الآن موجود؟ يجب أن تشعر أن الله معك, وأنت حينما تطيعه يحميك, ويؤيدك , ويوفقك, وكل مخلوق في قبضته, هذا الإيمان.
 أما والله أسمع هذا من مسلمين كثيرين: أنه إذا لم أعمل, أموت من جوعي, يعني إذا لم يعص الله يموت من جوعه, وإذا لم ينافق يخسر منصبه, وإذا لم يأكل ربا يجوع أولاده, كأنه في قوى بالأرض, لا علاقة لله بها, وفلتانة على كيفها. الله قال:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[سورة الزمر الآية:62]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[سورة الأعراف الآية:54]

 ما في مخلوق فلتان, كلٌّ يعمل بأمر الله, هذا التوحيد أخواننا, إن لم توحد لا تستقيم على أمر الله, لن تستقيم على أمر الله إلا إذا وحدت, في إله واحد: وهو في السماء وهو في الأرض.
مرة قلت: شوفي هيك حدث بالأرض, يعني أقل حدث على الإطلاق ضئيل, لا قيمة له, ماشي بالطريق, في شجرة, بالخريف وقعت ورقة منها, في أقل من هكذا؟:

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾

[سورة الأنعام الآية:59]

 في أقل من هكذا؟

 فيا أيها الأخوة, تعصي الله وتقول: مضطر, هكذا وضعنا, هكذا بلدنا, هكذا البيئة, هكذا العادات, أخاف على دخلي, أخاف على منصبي, أخاف أنه لا أستطيع....... أين الله موجود؟ يجب أن تطيعه وأنت واثق أنك فوق الجميع, إذا أطعته:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾

[سورة آل عمران الآية:139]

يعني: دخل مشبوه, اركله بقدمك, بقدمك اركله.
 مرة أحد كبار العلماء, أحد كبار التابعين (الحسن البصري), أدى مهمة العلماء, مهمة التبيين, بين بعهد الحجاج, بلغ الحجاج ما قاله الحسن البصري, وكان بطاشاً, قال بالحرف الواحد:

((والله يا جبناء, يعني يا من سمعتم منه ولم تردوا عليه, لأروينكم من دمه, هكذا هو متوهم, الأمر بيدي, أمر بقتله, وأمر أن يقتل في حضرته, فقال: جيئوا به, وجاء بالسياف, ومد النطع حتى الدم ما يلوث الأثاث, وجيء بالحسن البصري ليقطع رأسه, دخل الحسن, وجد السياف واقف, والنطع قد مد, والحجاج غاضب, فهم منتهي, حرك شفتيه, لم يفهم أحد ماذا قال؟ فإذا بالحجاج يقف له ويقول: أهلاً بأبي سعيد, قال له: أنت سيد العلماء, وما زال يقربه ويقربه, حتى أجلسه على سريره, وسأله, واستفتاه, وضيفه, وعطره, وشيعه إلى باب القصر, هذا السياف صعق, لماذا جاؤوا بي؟ لأقطع رأس هذا العالم, والحاجب صعق, تبعه الحاجب, قال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك؟ قال له: قلت له: يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم))

 قلب الحجاج بيد الله عز وجل, حسناً, ما في إلا الله أنت لا تتهور, لكن لا تخاف أيضاً , بالمقابل: كن أديب, كن وضع, وضعك حكيم, لكن لا تخاف, لا ينخلع قلبك, الذي خلقك لو سلمك لغيره, انظر لو سلمك إلى غيره, لا يستحق أن تعبده, لا معبود بحق إلا الله, لو سلم أمرك إلى غيره, لو سلم رزقك إلى غيره, لو سلم مصيرك إلى غيره, لا يستحق أن تعبده, ما دام قال:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

[سورة هود الآية:123]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

[سورة هود الآية:123]

 يعني: ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك, أمرك بيدي, رزقك بيدي, حياتك بيدي, سلامتك بيدي, زوجتك بيدي, أولادك بيدي, من هم فوقك بالعمل بيدي, من هم دونك بيدي, الجراثيم بيدي, الفيروسات بيدي, الأمراض بيدي, الأوعية بيدي, الشرايين بيدي, الدسام بيدي , كله بيدي, الكليتين بيدي, هذا الإيمان, هذا الإيمان المجدي الذي الله يريده, أما والله الله خلق الكون, هذه قالها إبليس قالها, لا تقدم ولا تؤخر, أن ترى يد الله وحدها تعمل في الكون, حتى لو سمعت خبر.
 أحياناً: تجد أخبار مزعجة فرضاً, اجتياح حرب أهلية, زلازل, براكين, يد الله تعمل وحدها, ولحكمة بالغة مطلقة لا نعملها نحن, لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع, يجب أن تفسر كل شيء بحسن الظن بالله عز وجل, لا يمكن أن تثبت عدله بعقلك, إلا أن يكون لك علم كعلم الله:

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

[سورة النحل الآية:66]

 والله -أيها الأخوة-, كأس الحليب الذي نشربه وحده من آيات الله الدالة على عظمته.
 قال: بالبقرة الخلية الثديية كما لو لقته تماماً, محاطة من الأعلى بشبكة أوعية دموية كثيفة جداً, ومن أسفل القبة يرشح الحليب فقط, فقط, فهذا الدم يجري هنا, الغدة الثديية عبارة عن خلية, تختار من بين فرث ودم مكونات الحليب التي تناسب جسم الإنسان, يعني: توافق الحليب مع الإنسان عجيب, هو الغذاء الكامل (الكامل).
النبي -عليه الصلاة والسلام- ما شرب لبناً قط, إلا قال:

((اللهم زدنا منه))

 انظر: اللبن, والجبنة, والقشطة, والسمن, كله من الحليب, فالخلية الثديية تختار, وكأنها أستاذ في علم الطبيعيات, تختار من بين فرث, الفرث: يعني نتائج الاحتراق, في نتائج صلبة هو الغائط, في نتائج سائلة حمض البول, حمض...... نتائج سائلة, في نتائج غازية هو الزفير, هذا كله فرث, فرث غازي, وفرث سائل, وفرث صلب, ففي بالدم حمض البول, وفي مكونات, في مواد شحمية, ومواد دهنية, إلى آخره....... فالخلية هي العاقلة, تختار نسب البروتين, والشحوم, والسكريات بنسب مذهلة, وترشح للقبة هذه الخلية, ولا أحد يعلم حتى الآن آلية عمل هذه الخلية. قال, الله قال:

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

[سورة النحل الآية:66]

 حسناً: هذا الثدي ثدي البقرة كبير, له جدارين عرضي, ومتعاكسين ثلاثة أربعة, لأنه ستحمل أربعين كيلو يتمزقون كانوا, فمدعم من الداخل بجدارين متعامدين, يمسكان هذا الثدي عند الوزن العالي, أما هذين الجدارين المتعامدين, يقسمون الضرع إلى أربعة أقسام متساوية, لو أن هناك أربعة شركاء في بقرة له, كل شريك حُلْمة, يأخذ الربع بالتمام نعم, في آية من آيات الله الدالة على عظمته.
حسناً: في وقت نزول هذا الكتاب في عهد النبي, كان في بحوث علمية على النحل, تعرف أية نحلة أنثى وأية نحلة ذكر؟
الآن ثبت: أن الأنثى هي التي تجني الرحيق, وتخرج العسل. الله قال:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾

 -لم يقل: أن اتخذْ. قال-:

﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾

[سورة النحل الآية:68]

 إلى آخره........
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS