3713
أحاديث رمضان 1421 - تفسير آيات - سورة العنكبوت ولقمان - الدرس ( 30 - 52 ) : المؤمن ممتحن .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، لا يعقل، ولا يقبل أن يدعي الإنسان الإيمان، ثم لا يمتحن:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت ]

 لابد من امتحان يكشف حقيقة الإنسان، لذلك هناك أشخاصٌ على الحافة، أية فتنةٌ تسقطهم، أي خطأً يرديهم، أي ضغطٍ يفتنهم، أي إغراءٍ يستهويهم، فالإنسان إذا كان على الحافة وضعه خطيرٌ جداً، لابد أن يكون في الأعماق، الامتحان لابد منه، الإمام الشافعي سُئل: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين، قال: لن تُمكن قبل أن تُبتلى، إذاً:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 10]

 يعني لا يعبأ بنار جهنم، ولا يعبأ بوعيد الله، بل يعبأ بتهديد إنسان من ضعف إيمانه:

﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 10 ]

 إذاً العبرة ألا تقبل بإيمانٍ سطحي، ولا إيمانٍِ ضعيف، لأن هذا لا يصمد أمام الفتن لا يصمد أمام الضغوط، ولا أمام الإغراءات، فمن أجل أن تكون في الأعماق يجب أن تطلب العلم بعمقٍ، وأن تطبقه بإخلاصٍ حتى تكون في الأعماق، فتنجو من الفتن، ومن الضغوط، ومن الإغراءات.
ثم يبين الله لنا أن هذا الذي اتخذ من دون الله إلهاً، ولو كان بشراً، ولو كان قوياً ولو كان غنياً، اتخذ من دون الله إلهاً يعبده من دون الله دون أن يشعر، وهذا اسمه الشرك الخفي، قال هذا

﴿ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت ]

 وقد اكتشف أن بيت العنكبوت ضعيفٌ، لا لأن نسيجه ضعيف، بل إن الفولاذ وهو أمتن عناصر الأرض، لو سُحب بقطرٍ يساوي قطر خيط العنكبوت، لكان خيط العنكبوت أمتن منه، لو سُحب الفولاذ بقطرٍ يساوي قطر خيط العنكبوت، لكان خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ ولكن العلماء اكتشفوا أن ضعف هذا البيت لأن العلاقة سيئةٌ جداً بين العنكبوت الذكر وأنثاه وبين الأولاد، والأم والأب، أيام الضعف يأتي من الفتن، من المنازعات، من الخصومات، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 46 ]

 أما في قوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45 ]

 الصلاة تعتمد على الوازع الداخلي، بينما كل القوانين الوضعية تعتمد على الرادع الخارجي، فهناك روادع، أو هناك ضوابط إلكترونية عالية جداً في بلاد الغرب، لو انقطعت الكهرباء، ارتكبت مرةً في مدينة مئتا ألف سرقة، والخسارة بليونا دولار، نظام الإسلام أساسه الوازع الداخلي، والأنظمة الوضعية أساسها الرادع الخارجي، فحينما نبني حياتنا على الوازع الداخلي أنت في بحبوحةٍ، وفي طمأنينة، لأن الذين حولك يخافون الله، كما أن الله نهاك عن أن تسرق، نهى مليار ومئتي مسلم أن يسرقوا منك، نهاك عن أن تكذب، نهى كل المسلمين أن لا يكذبوا عليك، فأنت حينما تعيش في مجتمع مؤمن تقطف ثمار هذا الإيمان، إذاً:

﴿ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

 ولكن الله يقول:

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45 ]

 بعض العلماء قال: ذكر الله أكبر ما فيها، يعني أكبر ما في الصلاة أن تذكر الله بإخلاص، لقوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه الآية: 14 ]

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق ]

 لكن بعضهم قال: معنى:

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 أنك حينما تصلي تذكر الله، لكن ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، تذكره كي تطمئن، تذكره كي تسعد، لكن الله إذا ذكرك أعطاك عطاءً مدهشاً، أعطاك الرحمة، أعطاك الأمن، أعطاك الحكمة، إن ذكرته بإخلاص، ذكره لك غير ذكرك له، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]

 من لم يجاهد، أو لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمةٌ من النفاق، والجهاد أنواع هناك جهادٌ دعوي، وهذا سماه الله جهاداً كبيراً، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 فإذا كان الجهاد القتالي غير متاحٍ في بعض الظروف، أما الجهاد الدعوي متاحٌ دائماً، وقبله جهاد النفس والهوى، لذلك:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]

 اللام لام التوكيد، والنون نون التوكيد الثقيلة، لمجرد أن تخطو خطوةٌ نحو الله، الله يخطو نحوك خطوات، إن أتيته ماشياً أتاك هرولةً، يعني استجابة ربنا للمؤمن حينما يتوجه إليه استجابةٌ عجيبة، في نقطة مهمة جداً، لماذا قال الله عز وجل أن المؤمنين حينما بلغهم أن الروم قد انتصروا يفرخون؟ طيب ما علاقتهم بالروم والفرس؟ قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الروم ]

 أخٌ كريم، يعني ذكر لي أن في هذه الآية استنباط رائع جداً، أن المؤمن الصادق يهمه أمر المؤمنين، يحمل هموم المؤمنين، ولو كانوا من دينٍ آخر، أقرب إليه من الوثنيين الفرس وثنيون، والروم أهل كتاب، هناك قواسم مشتركة تجمع بيننا، فالمؤمن يحمل هموم المؤمنين في كل أنحاء العالم، هذا الذي يهتم بقضايا المؤمنين على شيء من الإيمان، لأن عنده عواطف صادقة، هذا مؤمن، لذلك قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 بنصر الله، يفرحوا أن الله نصر من آمن أن لهذا الكون إلهاً على من قال: هذا الكون لا إله له مثلاً:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾

[ سورة الروم الآية: 23 ]

 آية من آياته، كيف أن الخلايا العصبية تتصل، وتنفصل، ففي الليل تتباعد، فالسيالة العصبية إن أرادت أن تسيل تجد الطريق مقطوع، أما في النهار تتقارب، فتتصل السيالة، لكن لمصلحة الإنسان، وحفاظاً على حياته، لو كان الصوت قوياً جداً، هذه السيالة كأنها شخص رأت ساقيةً عريضةً جداً، لم تستطع أن تقطعها، أما إذا كان وراءها وحشٌ كاسر تقطعها، تقفز فحينما يأتي صوتٌ ضخمٌ جداً، هذا الصوت يجعل السيالة تنتقل على الرغم من الفجوة بين الخليتين، إذاً النوم من آيات الله الدالة على عظمته.
يعني الإنسان الأصم، هو أصم لا يسمع إطلاقاً، لكن كل متكلم حينما يتكلم يحرك يديه، يبتسم، يتعجب، فقد يفهم كل شيء، وحينما يفقد الإنسان حاسةً يعوض بقدراتٍ عاليةٍ جداً رحمةً به.
 أنا مرة فحصت طالب بالجامعة بإلقاء درس ضرير البصر، يمشي بين الطلاب والله قُبيل الحائط بعدة سانتي مترات يقف ويدور، يقول للطالب: فلان يشير نحوه، أنا دُهشت المدرس ضرير، كأنه حفظ أسماء طلابه طالباً طالباً وعرف أماكنهم، خلال يومين أو ثلاثة، ثم هو يتحرك بالصف وكأنه يرى، مع أنه ضرير قطعاً.
يعني حينما يفقد الإنسان حاسةً يعوض عليه بقدراتٍ هائلة، لكن هنا الآية فيها إعجاز، الأصم يفهم، يفهم من حركات، وسكنات.
 مرة اضطررت أن أسأل من يعمل بدهن غرف النوم، هو أصم، متفوق جداً فدخلت إلى محله، سألته، فأشار إلى طفلٍ صغير عنده، هو المترجم، قلت له: أريد أن أبخ غرفة نوم، فقال له: يعني أشار أنه دهن، ونوم، قلت له: أريد الدهان أن يكون أجنبي، قال له: مستورد، قلنا له: السعر غالي، قال له: أخفض السعر، وجدت في لغة قائمة بذاتها، أما هنا الآية:

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ﴾

[ سورة النمل الآية: 80 ]

 طيب هو يتكلم، قال:

﴿ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة النمل ]

 هنا الإعجاز، لا يمكن لأصم أن يفهم شيئاً لو أن المتكلم وراء ظهره، أما إذا كان أمامه يفهم، فهو شاهد:

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة النمل ]

 ما معنى قوله تعالى:

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان الآية: 19 ]

 المؤمن له هدف، والله ما من حركةٍ، ولا سكنةٍ، ولا شراءٍ، ولا بيعٍ، ولا ابتسامةٍ ولا وصلٍ، ولا قطعٍ، ولا غضبٍ، ولا رضاً إلا ويقصد وجه الله عز وجل، لذلك تعد عادات المؤمن عبادات، حركاته، وسكناته، وشراء حاجاته، وإكرام أولاده، وإيناس زوجته، وزيارة أصدقائه حتى نزهته في سبيل الله، عاداته عبادات:

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

 المفعول مجهول يعني واقصد في مشيك رضاء الله عز وجل، أما الصفة الوحيدة لأهل الكفر أنهم بلا هدف يعيشون لذواتهم، ولشهواتهم، ما هذه الآية المخيفة، قال:

﴿ ُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾

[ سورة لقمان الآية: 24 ]

 سنوات:

﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾

[ سورة لقمان ]

 من يقبل الآن أن تعطيه خمس ملايين، وتقول له: اذهب إلى أين تشاء، تمتع، كل واشرب، وافعل كل الفواحش، وادخل كل الأماكن الموبوءة، افعل ما تشاء، وبعدها سوف تعذب على آلاتٍ حديثة جداً خلال سنة، لا يقبل، ولا ساعة، فكيف إذا كان التمتع قصيراً، والعذاب أبدياً:

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾

[ سورة لقمان ]

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ﴾

[ سورة لقمان الآية: 27 ]

 يعني الواحد ممكن بلتر حبر يكفيه طوال عمره الدراسي، الابتدائي، والإعدادي والثانوي، والجامعي، والدكتوراه، لتر حبر واحد، فكيف إذا كان كل ما في الأرض من شجرٍ أقلام، وسبعة بحور تمد هذه الأقلام ما نفذت كلمات الله، هذا عن علم الله عز وجل.
 ويروى أن الإمام مالك، فيما يروى، رأى ملك الموت، قال له: يا ملك الموت كم بقي لي من عمري؟ أشار له ملك الموت هكذا، فازداد قلقاً، يا ترى خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، أم خمس دقائق، أم خمس ثواني يعني الآن، فسأل الإمام ابن سيرين، وكان ممن يتقن تفسير الأحلام، قال: يا إمام يقول لك ملك الموت: إن هذا السؤال من خمس أسئلةٍ لا يعلمها إلا الله:

﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾

[ سورة لقمان الآية: 34 ]

 واحد عمل عقد، عقد يعني ليس رسمياً، عقد شيخ يسموه، وسافر إلى أمريكا بمهمة والمهر ملايين، نزل من المطار، مات بالمطار، يعني كل واحد.
 في طرفة، أنه مرة سيدنا سليمان عنده شخص، وعنده شخص آخر يحدق النظر بهذا الشخص، قال له: من هذا الذي يحدق بي؟ قال له: هذا ملك الموت، فخلع قلبه، قال له: خذني إلى أقصى الدنيا، هكذا تروي القصة، ولو أنها رمزية، معه بساط الريح، نقله إلى الهند، فإذا به يموت بعد يومين هناك، فلما التقى سليمان بملك الموت، قال: لماذا كنت تحدق به قال: عجبت، معي أمرٌ بقبض روحه في الهند، لماذا هو هنا،

﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾

 أيام إنسان يركب طائرة، يا ترى يرجع شخص، أما بضاعة؟ لا نعرف، كم من شخص ركب طائرة، رجع صندوق، له بوالص، وأوراق جمركية، وله معاملات خاصة، فإذا واحد راح يا هل ترى يرجع؟ إذا واحد أفاق ينام؟ إذا نام يفيق؟ إن خرج من بيته يرجع للبيت؟ لا نعرف، الموت قريب جداً، وكلما أيقنت أنه قريب كنت على أدق منهجٍ تسير عليه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS