3719
أحاديث رمضان 1422 - موضوعات قرآنية - الدرس ( 01 - 57 ) : علة خلق الجن والإنس.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

العبادات الشعائرية إن لم تسبقها عبادات تعاملية لا تؤتي أكلها:

 أيها الأخوة, لو أن شاباً فقيراً ذهب إلى بلد كي ينال درجة الدكتوراه وهو يعلق آمالاً لا حدود لها على نيل هذه الشهادة، فمن خلال هذه الشهادة يعين في منصب رفيع، ومن خلال هذه الشهادة يأتيه دخل وفير، ومن خلال هذه الشهادة يتزوج، ومن خلال هذه الشهادة يشتري بيتاً، فإذا سألناه وهو في هذا البلد بلد الدراسة لماذا أنت هنا؟ يقول كلمة واحدة: للدراسة! .
 كم نشاط يمكن أن يزاوله وهو هناك؟ قد يذهب إلى حديقة أو إلى مسبح، أو يمشي في الطرقات قد يتنزه, قد يذهب إلى نواد ليلية ....... لكن ما هو النشاط الوحيد الذي جاء من أجله؟ هو الدراسة .
 أردت من هذا المثل أن نفهم قوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية: 56]

 يقول ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود، علة وجودنا على سطح الأرض أن نعبد الله:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية: 56]

 ولكن لا أدري كيف مسخ المسلمون العبادة إلى عبادات شعائرية فقط، يصلي ويصوم ويحج وسآتيكم بالأدلة على أن هذه العبادات الشعائرية على عظمها وعلى قدسيتها وعلى أنها من أصول الدين, إن لم ترافقها عبادة تعاملية لا يمكن أن نقطف ثمارها، عمل بلا معنى.
 عَنْ ثَوْبَانَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[أخرجه ابن ماجة في سننه]

 هذه الصلاة .
 الحج: من حجّ بمال حرام ووضع رجله في الركاب, وقال: لبيك اللهم لبيك, يناديه مناد: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك.
 الصيام: من لم يدع قول الزور والعمل به, فليس بالله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
 إنفاق المال:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 53]

 النطق بالشهادة: من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله .
 هذه العبادات الخمسة؛ النطق بالشهادة وأداء الصلاة وصيام رمضان وحج البيت وأداء الزكاة, لا يمكن أن تقطف ثمارها إن لم يسبقها عبادة تعاملية .
 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:

((أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ, نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, ونسيء الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ, وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَارِ, وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ......))

 بني الإسلام على خمس, الإسلام شيء، والإسلام شيء آخر، هكذا قال النبي، هذه دعائم وليست هي الإسلام، الإسلام منظومة قيم، لذلك حينما أقول مؤمن أي كلمة مؤمن تعني مرتبة علمية:

((ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه))

 تعني أن المؤمن عرف الحقيقة الكبرى في الكون وانسجم معها، وكلمة مؤمن تعني مرتبة أخلاقية، فالمؤمن محكوم بمنظومة قيم، وما ترونه فيما حولكم، وما ترونه في البلاد البعيدة شرقاً وغرباً، الإنسان وحش، أما المؤمن محكوم بقيم:
 الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن.
 والمؤمن مرتبة جمالية عرف أصل الجمال، لذلك هو في سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم:
 في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، والدليل:

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 6]

 ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، كلمة مؤمن مرتبة علمية أخلاقية جمالية.
 هذا الصيام وهو من العبادات الكبرى, لا يمكن أن نقطف ثماره إذا بقينا في شهر الصيام على ما كنا عليه قبل الصيام، هذه واحدة .

من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت:

 الشيء الثاني: هل من حولك شخص يلوذ بك توفاه الله بين واحد شوال إلى ثلاثين شعبان, مثلاً هذا الذي توفاه الله ما أدرك رمضان، جاء رمضان وهو تحت أطباق الثرى .
 لي صديق لا يشكو شيئاً, يعمل في المحاماة, وكان في قصر العدل, وذهب إلى بيت صديق له, وتناول طعام العشاء, في اليوم التالي خلال دقيقة أصبح خبراً بعد أن كان رجلاً، من منا يملك ألا يغادر في أية ساعة؟ .
 أيها الأخوة, قضية المغادرة قد تكون سريعة، وقضية المغادرة لمن دخل في الأربعين احتمالها كبير، أعمار أمتي بين الستين والسبعين وقلما يجوز ذلك، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، وقد يغادر بلا أعراض لا يشكو شيئاً، فجأة خرج من الدنيا.
 يسأل إنسان نفسه اليوم خرجت من البيت يا ترى هل أعود إليه أم لا؟ اليوم عدت إلى البيت هل أخرج منه حياً أم لا أخرج؟ سافرت هل أعود؟ نمت هل أستيقظ؟ استيقظت هل أنام؟ .
 من عدّ غداً من أجله فقد ساء صحبة الموت هذا المعنى الثاني، رمضان أتى على بعض الناس وهم تحت أطباق الثرى, فنحن سمح لنا أن ندرك رمضان وقد لا نتم آخره، فأنت حينما تؤمن أنك بضعة أيام, كلما ينقضي يوم انقضى بضع منك، حينما تعيش يوماً بيوم.
 استيقظ النبي الكريم قال: الحمد لله الذي ردّ إلي روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكري.
 هذا المعنى الثاني.

المؤمن يعزو النعمة إلى المنعم والكافر إلى النعمة:

 المعنى الثالث: أول آية بالفاتحة :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 2]

 في هذه الآية ملمح رائع: الحمد، الحمد نظير نعمة، يوجد هواء نستنشقه جميعاً حتى الكفار والملحدون والفجار والمجرمون، هواء نقي، يوجد بيت مأوى زوجة طعام شراب مركبة، هذه النعم لا يختلف عليها اثنان في العالم، العالم كله مؤمنهم وكافرهم مسلمهم وغير مسلمهم يتمتعون بنعم لا تعد ولا تحصى، المشكلة ليست في أن تثبت هذه نعمة أو لا، النعم لا يختلف عليها، أينما ذهبت اذهب إلى عند البوذيين, إلى عند السيخ أو الهندوس, إلى بلاد الكفر أو الفجور, إلى بئر الفساد في الأرض, يأكلون كما نأكل طعام ولحم وخضار وفواكه, ويستنشقون, ويستلقون على أسرة مريحة, ويتمتعون بما في الدنيا من مباهج، فالمشكلة لا في الإثبات أن هذه نِعم أو ليست نعماً، ولكن ممن هذه النعم؟ الجواب: الحمد لله، كل هذه النعم من عند الله، لذلك الفرق بين المؤمن والكافر: المؤمن مع المنعم، والكافر مع النعمة، المؤمن يقول : الحمد لله صحتي ......
 أخ من أخواننا ذهب إلى ألمانيا فيتعامل مع معمل مديرة المبيعات, فوجئ بمنظر غريب صوتها خشن ولم يكن كذلك، شعر كثيف في وجهها، ملامح الذكورة لم تكن من قبل، تعجّب فسألها: توجد الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام تفرز هرمون الجنس، هذا الهرمون لم يعد يفرز، تدفع نصف دخلها ثمن دواء ليبقيها على هذه الحالة، دون أن يزيد .
 فنحن مليون غدة مليون نعمة، أنا أقول: الإعجاز أن لا نصاب بمرض، نسب الدم والغدد الصماء والغير الصماء وجهاز الهضم وجهاز التنفس وجهاز القلب والدماء والأوعية والشرايين ...... مليون شرط دقيق جداً متحقق، حتى أنا أتكلم وأنام وأمشي وأستيقظ، الحمد لله، القضية في الحمد ليست شكاً في نوع الحمد، الشك إلى من يعزى هذا الحمد؟ يقول الله عز وجل:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 2]

من العقود المبرمة بين المؤمن وربه في القرآن الكريم:

 نحن -إن شاء الله- هذه اللقاءات هكذا أقول دائماً لا تقل عن خمس عشرة دقيقة ولا تزيد عن عشرين دقيقة، هذا اللقاء الصباحي وبعد صلاة التراويح .
 النقطة الأخيرة: أن الله لم يخاطب الكافر إطلاقاً في القرآن، هو أحقر من ذلك, لا يخاطب لأنه يكيل بمكيالين كما ترون، الكيل بمكيالين من صفات الكفار، يرتكب أكبر جريمة ويحاسب من لم يرتكب هذه الجريمة على جريمته مثلاً، فهذا لا يخاطب، لكن الله عز وجل خاطب المؤمنين فيما يقترب من ثلاثمائة ألف آية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 قال علماء التفسير: هذا عقد إيماني! يا من آمنتم بي وبرحمتي وبحكمتي وبعلمي وبعدلي افعل ولا تفعل .
 كيف إذا كان موظف في مؤسسة يتمتع بميزات كبيرة جداً له راتب ضخم وفيه تعويضات وبيت ومركبة، فالمدير قال له: افعل وأنا ألاحظ هذا في المؤسسات الناجحة جداً، لمجرد أن يعطي مدير هذه المؤسسة توجيه لموظف غارق في النعم من قبل مدير المؤسسة يبادر إلى التطبيق، يوجد عقد مكتوب وغير مكتوب، كل هذه النعم التي يتمتع بها هذا الموظف بسبب هذه المؤسسة، ومهمته الأولى أن يلبي طلباتها، هذا في علاقاتنا اليومية، أما أنت إذا قرأت القرآن الكريم هل تأخذ هذا المعنى؟:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 يا من آمنتم بي وبقدرتي برحمتي بعلمي بحكمتي، يا من خلقتكم لأسعدكم، يا من خلقتكم لجنة عرضها السموات والأرض افعل ولا تفعل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 فكلما قرأت يا أيها الذين آمنوا, ينبغي أن تشعر أنه بينك وبين الله عقد إيماني، ولو لم تكن مؤمناً لما خاطبك الله عز وجل، وينبغي إذا قرأت هذه الآيات أن تشعر أن الله يخاطبك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 فكم من مرة جاء:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 لكن الله إذا خاطب الناس عامة لا أقول الكفار لا يخاطبهم بفروع الدين بل بأصول الدين:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[سورة البقرة الآية: 21]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 183]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 101]

 ينبغي كلما سمعنا قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 أن نشعر بهذا العقد الإيماني بيننا وبين الله عز وجل .

لا تفوت فرصة رمضان:

 شيء آخر: نحن في رمضان كما قال بعض علماء القلوب نحن نتابع الترقي، لا نتابع التدني، مع تخلف المسلمين وتأثرهم بأساليب الحياة الغربية، رمضان عندهم اقترب من أن يكون من عاداتهم ومن تقاليدهم، أما في سهرات واختلاط وولائم وأشياء لا ترضي الله في رمضان، أصبح رمضان موسم اجتماعي! الولائم واللقاءات كلها في رمضان والسهرات الممتعة وهذا البرنامج الفني إكراماً لشهر رمضان المبارك وهذا وهذا ..... فانقلب رمضان من شهر عبادة إلى شهر اجتماعي فني، فالمؤمن الصادق يبقيه شهر عبادة ويبتعد عن هذه الملهيات وعن هذه اللقاءات وتلك السهرات، يجب أن يكون هذا الشهر خالصاً لله عز وجل فلعل الله يعتقنا في هذا الشهر من النار، ولعل هذا الشهر الكريم ينتهي وقد أكرمنا الله بصيامه وقيامه, وقد وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أنه:
 من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، والحمد لله رب العالمين .

دعاء الختام:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS