6265
أحاديث رمضان 1422 - موضوعات قرآنية - الدرس ( 26 - 57 ) : ومن يتق الله يجعل.... .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-29
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

تكريم الله للمؤمن بعد امتحان صعب

 أيها الأخوة ؛ كتعقيب على درس البارحة حيث أن :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

[ سورة الطلاق الآية : 2]

 وقيل :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ))

[ ورد بالأثر]

 و كتوضيح لفكرة أن الدين ليس عبادات شعائرية فحسب و لكنه عبادات تعاملية ، و أن العبادات الشعائرية لن تستطيع قطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، وأن المؤمن الصادق يأخذ وعيد الله عز وجل و كأنه وقع ، و يأخذ وعد الله و كأنه وقع ، و يأخذ خبر الله و كأنه رآه رأي العين ، و أن آيات القرآن الكريم يمكن أن تقرأها و يمكن أن تفهمها ، لكن بون شاسع بين أن تقرأها أو أن تفهمها و بين أن تعيشها ، فأخ كريم ذكرني بقصة كنت قد سمعتها منه من قبل ، و لاتصال هذه القصة بدرس البارحة طلبت منه أن يكتب لي ملخصها لكنها مؤثرة جداً ، السبب أنك قد تقرأ قصة لمؤمن عاش في زمن آخر ، قد تتوهم أن الظروف التي عاشها غير هذه الظروف التي يحياها هو ، فكل زمن له ظروفه و ملابساته و أعراضه ، أما القصة التي تقع في زماننا لها ميزة أن هذا الذي فعل هذا الشيء عاش ظروفنا ، و عاش الضغوط ، و عاش المغريات ، و عاش الصوارف ، و عاش كل الملابسات ، ودائماً القصة حقيقة صارخة مع البرهان عليها ، و كان قد تأثر من كلمة أنه يوجد مؤمن يصلي و يصوم لكنه ليس قابضاً لكلام الله عملياً ، هو يقرأ القرآن و يقبل القرآن و يقول هذا كلام الله ، لكن في التعامل اليومي لا يعبأ بقوانين الله ، لا يرى أن الله هو الرازق ، يرى أن رزقه لا يكون وفيراً إلا إذا سلك أصول التسويق التي درسها في بلاد الغرب ، لابد من إعلان صارخ ، و لابد في الإعلان من امرأة شبه عارية ، و لابد من أن يتعامل تعاملاً غير إسلامي حتى يكون رزقه وفيراً ، هذا الأخ يقول توفي والدي قبل عدة سنوات والحمد لله وهو عني راض ، ولنا معمل متواضع في أطراف المدينة ، وفي وقت يئن فيه كثير من الناس في أقطار العالم كله من الكساد وقلة البيع والشراء ، وكثرة البطالة ، وكثرة الالتزامات ، وفي وقت ، هنا يقسم بالله هذا الأخ ، لا يملك قيمة ترسيم سيارته ، سيارته التي يركبها والتي هي تابعة للمعمل لا يملك ثمن ترسيمها ، الدخل صفر , وقد ذكر لي أن عليه ديناً يزيد عن المليون ، وديناً آخر يزيد عن المليون لجهات إحداهما رسمية والثانية تجارية ، أي مليونين والدخل صفر ، ولا يملك رسم ترسيم سيارته ، في تلك الظروف الصعبة أتاني ما تراءى لي ظاهراً أنه الفرج ، جاء الفرج من أوسع أبوابه ، و جاء الرزق الوفير والخير العميم ، إنه عقد تصنيع وتصدير لقطعة تستعمل في أماكن اللهو وبكميات كبيرة جداً ، وبربح خيالي كل شهر يزيد عن المليون ، فإذا زاد الكمية زاد الربح ، ومن ميزات هذا العقد أن الدفع فوري ، ومقدم لأن صاحب العقد على معرفة سابقة به ، فرحت كثيراً بل كدت أطير فرحاً ، بل إن هذا المنتج هو غير الأصناف التي نعمل بها أساساً في هذا المعمل ، لكنه قادر على أن يصنعه ، قال : وقبل أن نقدم على هذا العمل كالعادة طلبت فرصة من الوقت للاستفتاء ، الحقيقة أذكر أنه جاءني إلى جامع الأحمدية في سوق الحميدية و سألني عن هذا الشيء ، و أنا كنت محرجاً جداً لأنه ذكر لي الظروف الصعبة ، ذكر لي الديون ، ذكر لي الدخل المنعدم ، ذكر لي الضغوط التي يتحملها ، وجاء الفرج بهذا العقد وكل شهر بمليون كحد أدنى والزيادة موفورة ، هو كاد يطير من الفرح لأن الفرج جاء ، وبأمانة الفتوى أنا انحرجت كثيراً أمامه لكن قلت له هذا الشيء الذي تصنعه حرام أم حلال ؟ قال لي : أجبني أنت ، قلت له : حراماً ، أنت أعنت على منكر ، وفعلاً كان كلامي كالصاعقة هو يريد أن يأخذ تغطية شرعية لكن وجد أن التغطية غير موجودة ، وكل آماله تبددت وكل فرحه انقلب إلى ترح وكل بشره انقلب إلى كآبة ، معه حق ، قلت له وقتها : هذا امتحان صعب فإما أن تنجح فيه وإما أن ترسب ، أذكر أنني حدثته وأنا في طريقي من جامع الأحمدية إلى مدخل سوق الحميدية قصة أذكرها تماماً ، ذكرني بها البارحة ، ثم يقول : أعاد عليّ مرة ثانية أنه لا يملك ترسيم سيارته ، و أن دخله صفر ، و أن عليه التزاماً يزيد عن مليونين ، يقول الأخ الكريم : و في عراك طويل مع نفسي وفي حالة يرثى لها سلمت أمري إلى الله تعالى و توجهت إليه بقلب صادق مصدق قائلاً : اللهم اشهد أنني تركت هذا الأمر لوجهك الكريم ، الظرف صعب جداً ، و المبلغ مغري ، و الفرج تراءى له أنه قد جاء ، يذكرني بقول قلته له : إن الله تعالى لا يُجرب ولا يشارط ، و رفضت العقد كاملاً ، المشكلة أن النبي عليه الصلاة و السلام حينما قال :
 اشتقت لأحبابي ، قالوا : أولسنا أحبابك ؟ قال : لا أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجره كأجر سبعين ، قالوا منا أم منهم ، قال : بل منكم ، قالوا: و لمَ ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون .
 فهذا الأخ الكريم بعد أن رفض هذا العقد ، المشكلة أن كل من حوله اتهمه بالجنون ، من كل من حوله من المؤمنين ، من رواد المساجد ، من الملتزمين عده مجنوناً ، أنت لا دخل لك ، مواد تصنعها بشكل أو بآخر لا علاقة لك بها ، أصيب بمرض بارتفاع ضغط الدم و ارتفاع سكر الدم ، أي الأمل تبدد والضغط من حوله ، ما أحد أعانه من حوله ، ما أحد قال له أنت بطل ، لا ، أنت مجنون لأنك فوت فرصة لا تتكرر ، و يذكرني أنني قلت له مرة زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ))

 يقول هذا الأخ بعد حين ، طبعاً صبر ، صبر صبراً شديداً و لابد من أن تدفع ثمن قرارك ، و دفع هذا الثمن أي أنك ترقى بهذا الثمن :

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾

[ سورة العنكبوت : الآية 5]

 ما قال : يأتي فوراً ، لابد من أن تنتظر ، يقول والآن والحمد لله نجحت في هذا الامتحان ، و بفضل من الله عز وجل هيأ لي سبحانه و تعالى من خلال عملي باباً للرزق الحلال سدّ به ديني و وسع الله عليّ في رزقي ، ليس هذا فحسب بل أكرمني بفضله و رزقني بيتاً مكان بيتي الصغير الذي لا تزيد مساحته عن سبعين متراً قبل أيام بدله ببيت تزيد مساحته عن مائتي متر في أرقى أحياء دمشق و دفع الفرق ثلاث ملايين ، وسع الله عليه وأكرمه برزق وفير وبراحة نفسية ، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة و السلام :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ))

 في دينه بقي متصلاً بالله ، في دنياه جاءته الدنيا وهي راغمة ، و يقول هذا الأخ الكريم : و قد تولاني الله بعناية منه فشفاه من مرضيه مرض الضغط والسكر معاً وعوض عليه أضعافاً مضاعفة وسدّ دينه كله واشترى بيتاً واسعاً تزيد مساحته عن مائتي متر في أرقى أحياء دمشق وتوج فضله عليّ أنه عافاني من مرضي بعد العلاج طبعاً ، كل ذلك بتصديق كلام الله عز وجل ، أنا عندها ذكرت :

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة الآية : 221]

 يثني على أمه التي كانت تشد على يديه و زوجته الصابرة التي هنأته على هذا القرار الحاسم ، على كل أنا متأكد أنه ما من مؤمن على الإطلاق يتعامل مع الله بصدق إلا و يرى نتائج لا تصدق ، و لكن نحن نفتقر إلى التعامل الصادق مع الله ، أي إنسان يدع شيئاً في سبيل الله ثم يخيب ظنه هذا من باب الاستحالة .
 أخ كريم آخر ركبت معه في مركبته سألته سؤالاً عارضاً : قلت له متى اقتنيت هذه المركبة ، لماذا لا أعرف ؟ سؤال لم يكن يجب أن يسأل ، أريد أن أكلمه راكب معه ، سألته هذا السؤال ، قال لي : هذه المركبة لها قصة ، قلت ما قصتها ؟ قال: أنا أسكن في حي بعيد في المزة وعمله في مركز المدينة و يوجد أزمة مواصلات خانقة ، قصة قديمة ، هو يحمل أغراضه من المدينة إلى سكنه بالمراكب العامة وازدحام وعلى الواقف وحامل أشياء قال لي : ضاقت نفسي ، فلا يوجد أمل ودخله محدود ، عنده مطبعة قماش بسيطة جداً أي تكفي طعامه و شرابه فقط ، قال لي : مررت ببائع يانصيب اشتريت ورقة و قلت لعلي أربح و أشتري سيارة ، وضع الورقة في جيبه ، قال لي : اشتريتها يوم الخميس ، يوم الجمعة دخل إلى أحد المساجد ليؤدي صلاة الجمعة موضوع الخطبة عن حرمة اليانصيب ، علق الآمال و من نشتري سيارة صعد الخطيب لم يجد غير أن يتكلم بهذا الموضوع ، الخطيب لا يعرفك، قال لي : و الله أخرجت الورقة في المسجد و مزقتها خوفاً من الله ، أقسم لي بالله بعد يومين جاءه من يطلب منه تصنيع خمسين ألف قميص ، قال لي : ربحي يساوي هذه السيارة ، أخذت ربحي من هذه الصفقة واشتريت هذه المركبة ، أنا والله دمعت عيني كأنني علقت على هذه القصة أن يا رب أي مزق هذه الورقة خوفاً منك ، وتدعه بلا مركبة مستحيل ، قال لي : طول عمري عقودي مائتي قطعة ، خمسمائة قطعة ، لا يوجد خمسين ألف عندي ، جاء زبون من خارج القطر وصنع عنده خمسين ألف قميص طباعة وربح ثمانية وعشرون ألفاً و خمسمائة ، واشترى بها هذه المركبة ، قصة قديمة ، هذه القصة ليست نادرة ، هذه ممكن أن تتكرر مع أي مؤمن ، تقول لي يوجد كساد ، يوجد كساد ، الظرف صعب ، نعم ، لكن يوجد استثناءات للمؤمن ، المؤمن و كأنه يعيش في مكان آخر و في ظروف أخرى لذلك أنا الذي أتمناه أن تعامله بصدق شديد تجد الشيء الذي لا يصدق ، أما كإسلام عادي ، كلامك إسلامي ، لكن عملياً لا تتعامل مع الله و كأن هذا المنهج منهجه و مصداقيته مائة بالمائة تتعامل معه في تردد لذلك ليس في الكون إلا الله :

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 84]

 الرزق بيده ، و الصحة بيده ، و الأولاد بيده ، و الأهل بيده ، و من فوقك بيده ، و من تحتك بيده ، و من حولك بيده ، و النجاح بالعمل بيده ، و الإخفاق في العمل بيده ، مشكلة الإنسان الشارد الغافل أنه يفعل المعاصي ليأخذ الخيرات وهذه المعاصي تزيده بعداً عن الله عز وجل ، وتزيده إخفاقاً ، وما ابتغى عبد شيئاً بمعصية الله إلا كان أبعد مما رجا و أقرب مما اتقى ، و ما عند الله لا ينال بمعصية .
 أنا أقول هذه القصة بالنسبة إلى صاحبها من أيام الله ، لا يوجد واحد منا إلا و عنده أيام لله ، أي مرة دعا الله عز وجل الله استجاب له ، مرة وقع بصراع فآثر طاعة الله فنصره الله ، مرة له عدو يهدده فاستعاذ بالله فانتصر عليه ، قال تعالى :

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾

[ سورة إبراهيم الآية : 5]

 و هذه القصة من أيام الله ، و ينبغي أن يكون لكل مؤمن يوم من أيام الله في حياته ، كيف لزم جانب الحق فأكرمه الله عز وجل .

ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:

 هذه حقيقة لذلك أختم هذا الكلام بقول النبي الكريم عليه أتم الصلاة و التسليم:
 " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 أول هذه الثلاثة :

((أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))

 كلام واضح ، لا ليس واضحاً : لا يوجد أحد في الأرض إلا و يقول الله و رسوله أحب إلي مما سواهما ، هذا كلام ، معنى الحديث حينما تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي ، عند التعارض مبلغ كبير ، منصب رفيع ، هذه المصلحة أو هذا العمل يتناقض مع نص شرعي فإذا أنت تدوس بقدمك على مصلحتك و تلتزم حكم الله عز وجل ، هذا هو الذي يذوق حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان ثمنها أن تؤثر طاعة الله على مصالحك ، هذا امتحان صعب ، أحياناً الله عز وجل يغلق عليك كل أبواب الفرج و يفتح لك باباً محرماً هذا امتحان صعب ، و أنت في ضائقة ، فالمؤمن القوي يقول لك الله الغني ، و الله لا أفعل هذا و لو مت جائعاً ، حينما يرى الله منك ذلك ، مرة قال لي أخ لي عمل صالح و دخله لهذا المكان محدود جداً ، يعاني من أزمات كبيرة جداً فجاءه عرض بسفر لخارج القطر لكن هذا العمل الدعوي يريد أن يقف ، دخل بصراع شديد مع نفسه ثم استنتج أن الله هو الرزاق ورفض هذا العمل الذي يدر عليه مبالغاً طائلة ولزم العمل الدعوي في بلده ، قال لي : أنا أناجي ربي قال له: يا رب أنا خبز يابس آكله بالشام ، و لكن أعني على نجاح هذا العمل الدعوي ، و أرفض أن آكل ألذ أنواع الطعام و أنا محروم من هذا العمل ، فالخيار صعب ، دعوة قوية الله أقامه عليها وناجحة و دخل محدود جداً ، بعد ذلك سبحان الله جاءته الدنيا وهي راغمة ، بقي ببلده وبقي بعمله الدعوي وجاءته الدنيا وهي راغمة ، هذا كله شهد الله ، المؤمن الصادق يراه رأي العين ، لذلك المؤمن لا يمكن أن يساوم على طاعته لله عز وجل ، طاعته لله هي الأصل .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS