6214
موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة - الدرس ( 12): مناقشة اتفاقية مؤتمر بكين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-10-31
بسم الله الرحمن الرحيم

المرأة مساوية للرجل في التكليف و التشريف و المسؤولية :

المرأة تكمل الرجل
كنت في لجنة تدرس بنود اتفاقية مؤتمر بكين، وقد مثَّلتُ وزارة الأوقاف في هذا الموضوع، ماذا قلتُ لهم؟ المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف والمسؤولية، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾

[ سورة آل عمران : 195]

وقال تعالى:

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

[سورة غافر : 40]

هي مساوية له في التشريف وفي التكليف وفي المسؤولية، إلا أنَّ خصائصها العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية تختلف عن خصائصه العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية، وهذا الاختلاف اختلاف تكامل لا اختلاف تضاد، وكلُّ طرف يكمِّل الآخر، لذلك جعل الله المرأة سكنًا لزوجها، وجعل الزوج سكنًا لزوجته، وكلُّ طرف يكمِّل نقصه بالطرف الآخر، هذا يؤكده قوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[ سورة آل عمران : 36]

وهذا أصل التشريع الإسلامي.

الحق الصريح لا يكون إلا من الجهة الصانعة :

قلتُ: لو أنَّنا أمام آلة بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، لها مستهلك يستهلكها ويشغِّلها ويتعامل معها، لها صانع، أيُّ جهة يُرجَع إليها في شؤون تشغيلها وصيانتها وتحسين مردودها؟ إنْ أخذنا برأي المستهلكين؛ ففيهم الأغبياء وفيهم الجهلة وفيهم الجشعون، فإذا أخذنا رأي الجهة الصانعة فقد أخذنا الحقَّ الصريح، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: المجتمع الصيني يلزم الأسرة بإنجاب طفل واحد فقط

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[سورة الأحزاب : 36]

في مجتمع كمجتمع الصين صدر تشريع من عشرين سنة أو أقل بإلزام الأسرة أن تنجب مولوداً واحداً فقط، الذي حصل أن الأسرة الصينية إذا أجنبت أنثى خنقتها لأنها ملزمة أن تنجب مولوداً واحداً، وهي تؤثره ذكراً، فإن جاءت الأنثى خُنِقت أو قُتلتْ، فإن جاء الذكر سُجِّل، فوجِئ المجتمع الصيني أنَّ نسب الإناث تقلُّ، وآخر إحصاء يقول إن هناك عجزاً يقدر بخمسين مليون، ونشأ من هذا عصابات تخطف الفتيات في سنِّ الزواج، ونشأ من هذا أنَّ قُرًى بأكملها ليس فيها إناث إطلاقاً، و الإنسان أعقد آلة على وجه الأرض، و لا ينبغي أن نأخذ رأي تشغيلها، و صيانتها، وتحسين مردودها من المستهلك الجاهل الجشع الغبي الأحمق، ينبغي أن نأخذ تعليمات التشغيل و الصيانة من الصانع.

الزواج مؤسَّسة متكاملة :

أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة
هناك شيء آخر، في بلد من بلاد المسلمين التي لا تأخذ بشرع الله ومنهجه أصدرت تشريعاً بأن الرجل إذا طلَّق امرأته لها الحق في نصف ممتلكاته حصراً، ما الذي نتج بعد هذا التشريع ؟ بارتْ سوق الزواج وحلَّ السفاح محلَّ النكاح، والقضية سهلة والزنا منتشر و بيوت الدعارة كثيرة والعشيقات كثيرات، فلماذا يتزوج امرأة إذا نشب خلاف بينه وبينها تطالبه بنصف ما يملك؟ فشرّعوا منهجاً جديداً أن كل إنسان يخطب فتاة يأخذ سند أمانة يوجب الدفع الفوري إذا طلَّق المرأة، ورُبَّما يكون المبلغ خيالياً، وهذا غير معقول، والآن ظاهرة بأمريكا أنَّ تسعين بالمئة من الأسر مِن دون تسجيل ومن دون عقد تفادياً لمطالبة المرأة بنصف ما يملك الرجل، بينما تشريعنا فللمرأة المهر و إن طلَّقتها دفعتَ لها المهر و انتهى الأمر، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾

[سورة الأحزاب : 36]

وقال تعالى :

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾

[سورة الأحزاب : 33]

حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد
لأن الزواج مؤسَّسة متكاملة، ومما ورد في الأثر: قالت يا رسول الله: " إن زوجي تزوَّجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلمَّا كبر سني، وضعف بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتُهم إليَّ جاعوا " فانظر تقسيم الأدوار، المرأة في بيتها مع أولادها، والرجل خارج بيته لينفق على أولاده وأهله، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة".
قالت امرأة:... وإنـكم معاشر الرجال فضلتم علـينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والـحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله.... فقال عليه الصلاة والسلام:" انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله. فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً"

حقّ المرأة في الموافقة على الزواج أو رفضه :

والجِهاد أيُّها الأخوة ذرْوَة سنام الإسلام، وأيّة امرأة كانت تتبعَّل زَوجَها تَبَعُّلاً حسنًا فهذا يعْدل الجهاد في سبيل الله، ولا يَتِمّ عَقْد زواج إلا إذا وَافَقت المرأة على ذلك، وكلّكم يعْلم أنَّه في عُقود القِران يَحْمل كاتب المحكمة الدَّفْتَر، و يذهب لِسَماع إقْرار الفتاة، فإن لم تُقِرّ بِقَبولها بِهذا الزَّوْج لا ينْعَقِدُ الزَّواج، فهذا التَّشْريع مِن عند الله عز وجل، مرَّةً سألوا امرأةً عَبْر الهاتِف وهي دكتورة في عِلم النَّفس عن رأيِها في تَعَدُّد الزَّوْجات، فكانَتْ إجابتُها رائِعَة، قالتْ: ما كان ليَ أن أُبْدِيَ رأيًا في التَّعدُّد وقد سَمَح الله بهِ، أما إذا أردْنا أن نضَعَ نحن تَشْريعاتٍ مِن عندنا فهناك أخطار وتَفَلّت لا حُدود له، قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾

[سورة الأحزاب : 33]

فالطَّيار يَحْمل في طائرتِهِ ستُّمئة راكِبٍ؛ هو جالس في غرفة صغيرة، إن هي حبس له فهو لا يعلم شيئاً، هي مكان القيادة، وكلُّ هذه الأرواح منوطة به، و هو في مكان القيادة، فلذلك المرأة حينما تتعلّم أمر دينها، و تعرف خطورة دورها، و تعرف حقَّ زوجها و حقَّ أولادها، فإنها كمجاهدة في سبيل الله، كأنها في ذروة سنام الإسلام: يتمنون أن تنقلب القيم الإسلامية في الزواج

(( أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ ولا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ))

[البخاري عن ابن عباس ]

هذه تسمّى المُخالعة، فللمرأة حقُّ الاِنسحاب من زواجها إذا افتدت نفسها مما لها من مهر، ومن حق المرأة أن توافق على زوجها وإلا لا ينعَقِد الزَّواج، فَهِي مُكَلَّفة كالرَّجل في أمور الشريعة، متى ضَلَّتْ البشَرِيَّة؟ ومتى فسَدَت؟ ومتى انْحَرَفَتْ؟ حينما تركَت منهج الله عز وجل، واتَّبَعَت قوانين وَضْعيَّة، فهذا المؤتمر يتمنَّى- مع أنَّ بلدَنا الطيِّب رفضَ هذه التَّوْصِيات-يتمنَّى هذا المؤتَمر أن تكون هَياكِل الأُسَر ثلاثة؛ زواج وسِحاق ولواط! هكذا يتَمَنَّوْن !!! والفاحِشَة حينما تَشِيعُ في مُجْتَمَع ينتهي الأمر، طبْعًا البلاد الإسلامِيَّة جميعُها رفَضَتْ هذه التّوْصِيات، والتَّحفّظ الوحيد أنّ أيَّ بنْدٍ من هذا المؤتَمر يتعارَض مع الشَّريعة الإسلامِيَّة لا نقْبلُهُ، ونتحفَّظ عليه، ولا نسْمَحُ به، ولكنَّ الذي أريد أن أقوله لكم: الإنسان له صانع خالق و مشرِّع و الله هو المُشرِّع ونحن نتَّبع، وقد قال سيدُنا الصديق: "إنَّما أنا متَّبع ولستُ بمبتدع" .

الفرق الكبير بين أصل التشريع الحكيم وبين الممارسات الخاطئة :

هناك قصص كثيرة جدًّا تبيِّن أن المرأة بلغت أعلى درجات الرُقِيِّ عند الله في صدر الإسلام، ولكن أريد أن أبيِّن أنَّ فرقًا كبيراً بين أصل التشريع الحكيم وبين الممارسات الخاطئة، فربُّنا عز وجل قال:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[سورة النساء : 34]

هذا نظام القيادة، وليس هناك مؤسسة ولا مركبة ولا غير ذلك إلا ولا بد من قائد، فالأسرة مؤسسة لا بد لها من قائد، لذلك:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[سورة النساء : 34]

وقال تعالى:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

[سورة البقرة : 228]

فلهن حقوق و عليهن واجبات قال تعالى:

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

[سورة البقرة : 228]

وهي درجة القيادة. الرأي في النهاية للزوج، لأن مؤسسة بقائدين تفسد، قال تعالى:

﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

[سورة الأنبياء : 22]

هذا هو تشريع الإسلام، والرأي الأخير للرجل لأنه دفع المهر و اختار الزوجة.

العودة إلى مبادئ الدِّين العظيم في كلّ شؤون حياتنا :

إذا أردنا لأسرنا أن تستقيم لابد من تطبيق تعليمات الخالق
إذا أردنا لحياتنا أن تستقيم، ولأُسَرِنا أن تتماسَك، ولأبنائِنا أن ينشؤوا طاهِرين، وأعِفَّة في المجتمع، فعَلَينا أن نرجِعَ إلى تعليمات الصانِع، إلى شرْعِنا، وحينما نَضِلّ أو ننْحَرِف ندْفع الثَّمن باهِظاً، وأنا أقول لكم بإنْصاف: ما مِن مُشْكلةٍ على وَجه الأرض إلا بِسَبب عدم تَطبيق تعليمات الصانِع، وما مِن انْحِراف عن تَطبيق تعليمات الصانِع إلا بِسَبب الجَهل، والجَهل أعدى أعداء الإنسان.
قرأتُ كتاباً لمُؤلِّف أمريكي أليكسيس كاريل، واسم الكتاب:" الإنسان ذلك المجهول" يقول: " إنَّ أفضل نِظامٍ للبَشَرِيَّة - هذا إنسانٌ مُفَكِّر اكْتشَف أفضل نظام للبشَرِيَّة - أن يقْصر الرَّجل طَرْفهُ على امرأةٍ واحِدَة، والإنسان حينما يغضّ بصره عن النِّساء تنْمو علاقتهُ مع زَوْجته، وتتنامَى هذه العلاقة، فإذا أرَدْتَ أن يُصْلِحَ الله لك شأنَ بيْتِكَ، وأن تنشأ المودَّة العميقة العميقة بينك وبين أهْلِكَ، فَعَلَيْك بِغضِّ البصَر وائمُرْها هي كذلك بِغَضِّ البَصَر، فإن غضَّت هي بصَرَها، وغضَّ هو بصره انْعَدَمَتْ المشاكِل، وهذا الأمر مَضْمون فيه السعادة الزَّوْجِيَّة، وثانيًا مِن خلْق الله عز وجل الله تعالى يُقَدِّر لهذين الزَّوجَين أن يسْعَدا، فإن غضَّ هو بصَرَهُ، وغضَّت هي بصَرَها تولَّى الله التوفيق بينهما، وخلق بينهما المودَّة والرَّحْمة، أما إذا أطْلق هو بصرَه إلى الحرام، انْعَكَس عليه هذا شَقاءً في أُسْرَتِهِ، وانْحِرافًا في بيتِهِ، وكان البيتُ قِطْعةً مِن الجحيم.
إذاً لا بدّ مِن أن نعود إلى مبادئ هذا الدِّين العظيم في كلّ شؤون حياتنا.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS