4146
موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة - الدرس ( 24): درس عن الزكاة2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-24
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

الزكاة :

 أيُّها الأخوة الكرام، الزكاة كما ورد في الفقه بِشَكل عام اثنان ونصف بالمئة، فكلّ إنسان له تِجارة، هذه التِّجارة يجب أن تُجْرَد، تُجْرد البِضاعة، وتُحصى الأموال التي في الصُّندوق، وأن تُحصى الدُّيون الثابتة، وأن تُطْرحَ منها الدُّيون المتوَجِّبَة، هذا الرَّقَم تجِبُ فيه الزَّكاة؛ اثنان ونصف بالمئة.
 أيها الأخوة، الموضوع الدَّقيق أنَّ البِضاعة التي ينبغي أن تَجْرُدَها ينبغي أن تُجْرَدَ وِفْق سِعْر الكُلفَة بالضَّبط، أما التي تُوَزِّعُها زكاةً فيجب أن تُجْرَدَ وِفْق سِعْر كُلفتها، ووِفْق سِعر السوق أو أيُّهما أقلّ، فإن أرَدْتَ أن تُخْرِجَ زكاةَ مالِكَ مِن بِضاعَتِك يجب أن تُسَجِّلها على الله تعالى بِسِعْر الكُلفة إن كان سِعر السوق أغلى، وبِسِعْر السوق إن كان سِعر الكلفة أغلى، فقِطْعة القماش لو كان ثمنها في السوق خمسمئة ليرة، وكلَّفتك ألف ليرة إن أرَدْت أن تُخْرِجَ زكاة مالِكَ مِن بِضاعَتِك يجب أن تُسَجِّلَ سِعْرها بِسِعْر السُّوق، وإن كان سِعْر السوق أغلى مِن كُلفتها تُسجِّلها بِسِعْر الكُلفة، فالرَّقَم الذي تُسَجَّل فيه البِضاعة على الزَّكاة سِعْرُ كُلفتها أو سِعرُ السوق أيُّهما أقلّ. البِضاعة مع المال مع الدُّيون الثابتة التي لك، الدَّيْنُ ثلاثة أنواع؛ دَيْنٌ ميِّت أو مَعدوم، هذا لا تَجِبُ فيه الزَّكاة، ودَينٌ مَشكوك في تَحصيلِهِ تُدْفعُ زكاتُهُ عند تَحصيلِهِ، ودَينٌ ثابت تُدْفعُ زكاتُهُ وهو عند المدين، فالبِضاعة والأموال والدُّيون مَطروحٌ منها الدُّيون التي عليك، هذا الرَّقم تُؤدَّى فيه الزَّكاة .
 أكثَرُ سؤال أُسْأَلُهُ هذه الأيام هو موضوع الزَّكاة، فلو دخَلَ عليّ مبْلَغ قبل رمضان بِشَهر فهل ينبغي أن أنتظِر عامًا حتَّى يحول عليه الحول؟ ومبلغٌ كان معي أنْفقْتُهُ قبل رمضان بِأُسبوع فهل تسقط عنه الزَّكاة ؟ أقول لكم بِشَكل بسيط ؛ هذه الحِسابات مستحيلة، ومُعقَّدَة جدًّا، يُغنيكَ عن كلّ هذا جرد لِما تمْلِك في رمضان، أما ماذا دخل وماذا خرَج فهذا حِسابٌ طويل قد لا ينتهي، لأنَّهُ يحتاج كلّ مَبلغ حِساب، فالأرْيَحُ مِن ذلك أنَّ كلّ مبْلغٍ تَمْلِكُهُ في رمضان تَجِبُ فيه الزَّكاة.

مال الزَّكاة لا يُدْفعُ على الرَّفاه فالزَّكاة للضَّروريَّات :

 الشيء الآخر ؛ قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 60]

 أكثر سؤال يُوجَّه أنَّ كلّ مسلِم يريد أن يُبقي الزكاة في أولاده وإخوته وأخواته! فإذا كان الإنسان مُكَلَّفًا بالإنفاق على إنسان ودَفَعَ له الزَّكاة، فإذا كنتَ مُكُلَّفًا بالإنفاق على أخْتِكَ، وهي في البيت، وهي بِحاجة إلى معْطَف، فدَفَعتَ لها ثمنه فأنت بهذا لم تدفَع الزَّكاة أبدًا، فالأصول مهما عَلَوا، والفروع مهما دَنَوا ؛ هؤلاء لا يجوز أن يُعْطَوْا مِن زكاة المال، فالزَّوجة لا تأخذ من زكاة المال شيئًا لأنَّ الإنسان مُكلَّف بالإنفاق عليها شاء أم أبى، وكذا الأصول من الأب والجد مهما علا.
 أنْ تُعْطِيَ المرأة الزَّكاة لِزَوجها ؛ يجوز في بعض المذاهب، جاءتني البارِحة أخت تسأل أنَّها تريد أن تدْهن البيت، ومعها زكاة المال، فهي ستُعطي زكاة مالها لِزَوْجها، وهو سوف يُدَهِّنُ لها البيت !!
 والثاني صِهرهُ تلزَمُهُ سيارة، فهو سيَدْفع لِابِنته ثمن السيارة، ويُوَكِّلُها بِدَفْع الزَّكاة لِزَوجها !! فهذا الذي يُريد إبقاء كلّ الزَّكاة في الأُسرة ما دَفَع الزَّكاة، والعلماء قالوا: لا بدَّ أن تُدْفعَ الزَّكاة على كُلّ أوْجه الزَّكاة من فقراء ومساكين وابن السبيل والمؤلَّفة قلوبهم وفي الرّقاب، وينبغي أن تدْفع في كلّ فرْع لثلاثة أشْخاص، ولكن لا يُعقل للَّذي زكاة ماله ألف ليرة أن يدْفعها لِعَشرة من الناس !! أما إذا كانت الزَّكاة كبيرة فلا ينبغي دَفْع أكْثر مِن نِصاب الذَّهَب إلا في حالات خاصَّة كتأمين شِراء بيت، ودائِمًا مال الزَّكاة لا يُدْفعُ على الرَّفاه، فالزَّكاة للضَّروريَّات.

دفع زكاة المال مقدماً :

 أيها الأخوة، يُمْكِن أن تَدفَعَ زكاةَ مالكَ مُقدَّمًا، فلك أن تدْفع من زكاة مالِك حينما تفتح صفحة جديدة، وفي رمضان القادم بإمكانِكَ أن تحْسِب ما دفَعْتَ من زكاة الأموال مُسبقًا ثمَّ تَدفع الباقي في رمضان، وهذه الطريقة فائِدَتُها أنَّك تدْفعُ الزَّكاة إلى مَن يسْتحِقّ تمامًا، والأكثر من ذلك أنَّ الله تعالى أمرنَا أن نُعطي هؤلاء الذين لا يسألون الناس إلْحافًا، والذين يحْسبهم الجاهلون أغْنِياء من التَّعَفُّف، هؤلاء لا يسألونك، ومظْهرهم لا ينبئ أنَّهم فقراء، فَمَع هذا الأمْر أمْرٌ ضِمني، وهو أنْ تتحرَّى من هم حَوْلَكَ، وذَكَرْتُ لك في درْسٍ سابق أنَّ صِلَة الرَّحِم وسيلة وليْسَتْ غايَة، فإن تفقَّدْت أحواله المعيشِيَّة، والاجْتِماعِيَّة، والدِّينيَّة، ثمّ أعَنْتَهُ، وأخَذْتَ بيَدِهِ إلى الله عز وجل، فكما أنَّه لا تُقْبلُ زكاة الإنسان وفي أهْلِهِ محاويج، هناك حالات مؤلِمَة جدًّا، أخٌ يدْفعُ زكاتَهُ، وأخوهُ يتلوَّى جوعًا، هؤلاء الذين يُريدون أن يدْفعوا زكاةَ مالهم ضِمْن نطاق الأسرة لِشِراء الثلاجة، وللأمور الثانَوِيَّة، حالهم كحال الذين يذْهب للبعيد وأخوه يتلوَّى جوعًا ! فهذه الحالات غلط في غلط، فالأخ تجوز له الزَّكاة، وكذا الأُخت، والعمَّة، والخالة، عدا الأصول والفروع والزَّوجة. قلتُ لكم سابقًا: الأَقْربون أولى بالمعروف، وعندك ثلاثة عوامِل؛ عامِل القرابة النَّسبِيَّة، وعامِل الإيمان، وعامِل الفقْر، فإن تساوى اثنان في عُنصر رَجِّحْ العنصر الثاني، وهكذا.

على من تجب زكاة الفطر :

 أيها الأخوة، ليس مِن الضَّروري أن تقول لِمَن تُعطيه الزَّكاة ؛ هذه زكاةُ مالي، وليس مِن الضَّروري أن تجْرَحَ شُعور أخيك المؤمن، تدفع ومن دون إحْراج.
 أما زكاة الفِطر فلها بحْثٌ خاصّ، تَجِبُ على كلّ مُسْلم فقير كان أو غَنِيّ والفقير الذي يمْلكُ وَجْبة طعام واحِدَة، والله سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذيقَ الفقير طَعْم الإنفاق، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن شهر رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر))

[ الديلمي عن جرير]

 وهؤلاء الذين يُؤَدُّونها قبل صلاة العيد ماذا ينْتَفِعُ بها الفقير؟ ينبغي أن تُؤدَّى قبل أواخِر رمضان، والإمام الشافعي سمَح بها أن تُؤدَّى في أوَّل رمضان، فزكاة الفطر طُعمةٌ للسائل، وإغناءٌ له عن السؤال في أيام العيد، وتَطهير للصائِم، فالكلام والنَّظر كفَّارتها صدقة الفِطْر، وهذه يَجِب أن تُؤدَّى قبل صلاة العيد، وبعض أخواننا يقوم بشِراء لوازم البيت بدَل النقود، كأن يشتري كيليَيْن من الرزّ، وكيلييْن من اللَحم والسَمنة.
 أما أن يتَّفِق اثنان، تُعطيني وأُعطيك !! فَكِلاهما لم يدْفع الزَّكاة، وزكاة الفطر خمسون ليرة، ولا حدَّ لأكثرها، وتجب على كلّ مسلِمٍ فقير أم غَنِيّ، صغير أم كبير، حُرّ كان أو عَبدًا، بل بعضهم أوْجبَها على الجنين الذي في بَطن أُمِّه، وزكاة الفِطر تُساوي الآن خمسين ليرة كما قلنا، وهي اسْمُها في الفقه زكاة الرّأس، وهي لا تجِبُ في المال، بل في الرؤوس.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُلْهِمَكم الصَّواب في دَفع الزّكاة، فَطُلاَّب العِلم الذين يأتون مِن بِلادٍ بعيدة هؤلاء مُفضَّلون في الزَّكاة لأنَّهم سيعودون إلى بلادهم وينشُرون العلم، وكذا العمليَّات الجِراحِيَّة، وهي تَخُصّ المسلمين فقط، فَدَفْع المال على أنَّه زكاة لغير المسلم تُعتبر صَدَقة، وكذا المال هو أفضل شيء لِدَفْع الزَّكاة لأنَّهُ مرِن، والذين يُوَزِّعون بِضاعتهم للزَّكاة لابدّ أن تكون هذه البِضاعة أساسيّة في حياة الإنسان، فالبِضاعة غير الأساسيَّة لا تُعْتبَرُ زكاةً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS