10524
موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة - الدرس ( 27): الإخلاص
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-02-19
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإخلاص :

 أيها الأخوة الكرام ، أردت في هذا الدرس أن أحدثكم عن موضوع ترك في نفسي أثراً بليغاً ؛ ألا وهو الإخلاص ؛ فالإنسان إذا أخلص لله عز وجل رأى من الله ما لا يصدق ؛ أعطاه الله قوة ، وأعطاه بياناً ، وأعطاه حجة ، و يسر له أموره ، هذا الذي اتصل بالله مباشرة ، وأخلص له ، واستقام على أمره ؛ يرى من الله العجب العجاب .
 قبل ست أو سبع سنوات ؛ إنسان دخل إلى هذا المسجد ، وصلى الظهر ، وحضر الدرس ، ثم زارني في البيت ، شاب غير متعلم ، من أطراف سورية الشمالية- الحسكة- يعمل فاعلاً بلبنان ، يعمل شهرين ؛ ويعود إلى بلده ليطعم أهله ، هناك الناس يعرفون الله في رمضان فقط ، فقط في رمضان ، وما سوى رمضان فسق وفجور وربا وقروض ربوية وانحراف ، قال لي: جهل ، جهل مطبق . قال لي : أكبر فضل لله عليّ أن جعلني فقيراً . والله أنا عجبت قلت له : كيف؟ قال : لولا أني فقير لما عرفت هذا المسجد ، لو كنت مكتفياً في بلدي بقيت جاهلاً ، فالفقر الذي عانيته حملني أن أذهب إلى الشام لأعمل فاعلاً ، أعطيته أنا عدداً من الأشرطة ، ووجهته ، قال لي : أنا هناك الآن من الدعاة ووالله يا أستاذ طلاب علم من الأزهر لا يستطيعون إحداث تأثير كالذي أحدثه أنا . قلت : سبحان الله ! حدثني ساعة والله و أنا أصغي إليه ، والله سمعت منه العجب العجاب على انعدام ثقافته ، ولكن على ارتفاع إخلاصه .
 أحياناً الإنسان يكون يحمل دكتوراه ، وله مؤلفات ، وله مكانة اجتماعية ، و لا يؤثر بأحد ، ذكرني قوله : أن قول ألف في واحد قد لا ينجح ، وحال واحد في ألف قد يفعل بهم ما لا يوصف ، عنده تعفف عن المال لا حدود له ، لا يريد إلا العلم ؛ قال له : يارب دلني على من يدلني عليك ، هكذا مباشرة يدعو بلغته العامية ، هذا نموذج يفتقر إلى كل وسائل الدعوة ، لكن يملك أعلى شرط لها وهو الإخلاص ، يفتقر إلى الثقافة ، لا علم ، ولا ثقافة ، ولا شهادة ، و لا إمكانيات إطلاقاً ، يذهب إلى لبنان ليعمل فاعلاً ، يحمل الإسمنت على كتفه ؛ ليطعم أهله بالحلال ، ومع ذلك ترك أثراً لا يوصف ، أي يعطي شريطاً ، يتكلم معه حجة ، أنا والله استمعت إليه ساعة ، والله دهشت ، والله ما تكلم كلمة فيها خطأ ، وكلها قواعد في الدعوة عالية جداً ، سبحان الله ! الله عز وجل يضع سره في أضعف خلقه ـ

العبرة لا بالحجم و المال إنما بالإخلاص :

 أحياناً العبرة يا أخوان لا بالحجم ، ولا بالمال ، ولا بالثقافة العالية ، ولا بالدكتوراه ، و لا بالكتب ، العبرة أن تكون مخلصاً لله عز وجل ، طبعاً هو يزورني من حين لآخر ؛ كلما انتقل من لبنان إلى الحسكة يمر عليّ ، أديب بشكل غير معقول ؛ قال لي : أستحلفك بالله إذا كنت لا تملك الوقت اطردني ، أنا هذه المرة سمعت له و كأنك أعطيتني مليار ليرة ؛ دليل إخلاصه ، كل وسائل الدعوة يفتقر إليها ، لكن يملك أقوى أسبابها وهو الإخلاص لله عز وجل ، وكل واحد منا يا أخوان يقطع علاقاته مع الخلق ، ويبقى مع الحق ، هو مستقيم ، يغلب على ظني و لا أزكي على الله أحداً أنه مستقيم ، يضبط لسانه ، ويضبط بصره ، ربى عدة أخوات ؛ له أخت علمها علماً شرعياً ، محروق قلبه على نفسه هو لا يتعلم ، علم أخته علماً شرعياً ، علم أولاد أخيه علماً شرعياً ؛ وهو فقير ، قال لي: أكبر فضل لله عليّ أنني فقير ، فقري دلني على الله ، فيا أيها الأخوة ، القضية لا بطول الوقت ؛ الله عنده شيء اسمه حرق مراحل ؛ أي إنسان سالك طريقاً عشرين سنة ، يأتي آخر فيسبقه ، هناك دليل معي : سحرة فرعون جاؤوا ليدحضوا معجزة سيدنا موسى :

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى *قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[ سورة طه: 70 -73 ]

 قال لي: مرض والدي فتركت عملي ، ولزمت خدمته ، كان يقول له وهو مستلق على فراشه : لا تكلف نفسك جهد أن تناديني باسمي ، ارفع إصبعك ؛ آتيك فوراً ، يقف أمامه طوال الليل ، ثم قال لي : لي والدة ووالد على تفاهم عجيب ، إخلاصهم لبعضهم لا يوصف ، فكل دعاء والدتي من زمن طويل أنه يارب إذا مات زوجي أمتني بعده ، وهو على فراش الموت، قال لهم: يا أولادي ، أمكم تموت بعدي بيومين ، قال لي: والدتي ليس فيها شيء أبداً ، بعد يومين ماتت . أحياناً تجد بيتاً متواضعاً ، والدخل قليل لكن فيه سعادة ، أحياناً تجد بيتاً ثمنه يقدر بمئة وخمسين مليوناً ، قطعة من الجحيم هو وأثاثه وإمكاناته .

السعادة لا تكون إلا بالإقبال على الله عز وجل :

 أخواننا الكرام ، السعادة بملكك ، السعادة تنبع من ذاتك ، السعادة أن تصل إلى الله، السعادة أن تقبل عليه ، أن تخلص له ، أن تناجيه ، تخاطبه ، اطلب منه ، اسأله ، اذكره ، اعتذر ، استغفر ، ناجه ، بدون وسائط مباشرة ، هذه سعادة ، أنا قلت : هذا النموذج والله نموذج نادر ، أن إنساناً ما درس ، فقير جداً ، بسيط جداً ، ليس له خصم ، قال لي : إذا كان بيني و بين أحد مشكلة ما أشعر أنني سامحته ؛ أدله على الله ؛ أي ينطلق بقلب سليم ، والله أصغيت له ساعة تقريباً ، والله ما تكلم كلمة خطأ ، وهو غير متعلم بالمعنى العالي ، والله هداه إلى قواعد عالية في الدعوة ، وإيجابي ؛ قال لي: ضاعت مرة هويتي ، وطلبوه لفرع ، أي وجهت له تهمة أنه : أنت قد بعتها . قال لهم : أنا مسلم لا أخون وطني ، فاقشعر جلد من قلت له ذلك . و قال له : والله لو كان المسلمين أمثالك لكنا في حال غير هذا الحال ، واعتذر منه! قوة ، قوة .
 أيها الأخوة ، أنا لأنني تأثرت بهذا اللقاء أردت أن يكون الدرس بهذا المعنى؛ الإخلاص ، أي العوام يقولون كلمة رائعة : الله يضع سره في أضعف خلقه . هو قال له : يارب عندنا فقط في رمضان يعرفونك ، أريد أن أعرفك أنا طوال السنة ؛ دلني عليك ، دلني على من يدلني عليك ، قال لي: حسناً ؛ دخلت فوجدت درساً ، وكان هذا اللقاء العابر ؛ والله عز وجل أخذ بيده ، قال لي : وأنا بلبنان أدعو لله ، هنا أدعو لله ، معي هذه الشرطة أوزعها ، وأعلق عليها ، وأشرح لهم إياها . أعطيته كتاباً ، كتابين يقرأ منهما ؛ فقلت : أحياناً الإنسان يضيع وقتاً طويلاً بلا إخلاص ، من دون جدوى ، أحياناً وقت قصير مع الإخلاص: يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل .
 أولاً ، عفته عن المال عجيبة ؛ لا يطلب قرشاً ، ولا يقبل قرشاً ، انظر إلى العفة ؛ عفته عجيبة ؛ لا يطلب ، ولا يقبل أساساً ، قال له : فقط يارب علمني ؛ أنا أطلب العلم ، وعلمني لأكون سبباً في هداية خلقك . فأنا قلت : و الله هذا الإنسان يعيش بسعادة و أناس كثيرون يفتقرون إليها .
 تصور إنساناً يشتغل فاعلاً ليطعم زوجته وأولاده ؛ ما هذه الحياة التي يعيشها ؟! يمكن هو أسعد الخلق ، أي سعادته واضحة ، صارخة ، إنسان يقول لك : أنا أكبر فضل لله علي أن جعلني فقيراً حتى أعرفه . و آخر عنده بيت ، سيارة . . . . يقول لك : السوق مسموم، لا يوجد بيع ، لا يعاش بهذا البلد . . . . . ها أنت مغمور بالنعم ، قال لي : أنا ما عندي ، لكن عندي رحمة الله عز وجل ، ثقته برحمة الله عز وجل .

الطريق إلى الله قصير و الثمرة يانعة :

 فيا أيها الأخوة ، الطريق إلى الله قصير جداً ، قصير ، والثمرة يانعة جداً ، الطريق قصير ، والثمرة يانعة ، فقط أخلص ، اجعل العلاقة مباشرة مع الله ، عود نفسك أن تناجيه ، عود نفسك أن تعتذر ، عود نفسك أن تستغفر ، عود نفسك أن تسبح ، عود نفسك أن تناجي ، عود نفسك أن تضبط جوارحك ، أن تضبط لسانك ؛ لا شك أنه مستقيم ، و أين مستقيم ؟ بلبنان، وما أدراكم ما لبنان بالصيف ؟ النساء شبه عرايا ، وتارك زوجته لمدة شهرين ؛ وهو يغض بصره ، وهو يعمل أشق الأعمال ، وتجلس معه ـ والله ـ من أسعد الناس ، شهد الله على انعدام وسائل السعادة ، انعدامها كلها ، قلت : والله قصته تروى وأنا والله انتفعت منها ، استفدت و قدمت لي قصته دليلاً على أن الإنسان إذا أخلص لله ملك كل شيء ، هذه السكينة يا أخوان تسعد بها و لو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، أحياناً القصة المعاصرة مؤثرة جداً ، أحياناً تروي قصة من قبل خمسمئة سنة ، قبل ألف ، يا أخي ، الزمن تغير ، الآن الوضع صعب ، حياتنا معقدة ، يأتيك شخص يعيش معك ، يعيش حياتك ، يعيش صعوبات الحياة ، يعيش مشقة الحياة ، يعيش كل ظروفك الصعبة ؛ وقد انتصر على نفسه ، واتصل بربه، وسعد بقربه ، تجد شخصاً يقول لك بالفضائية الفلانية ، وبالجزيرة ، وهنا أتابع العالم الفلاني ، وهو منقطع عن الله ، و بعيد ، وفيه شقاء ، وسائل المعلومات عنده غزيرة جداً ، ومكتبة أشرطة ، ومكتبة أشرطة فيديو ، مكتبة ضخمة ، مكانة ، إمكانيات ، تجارة ، أموال ، و لا يؤثر في شخص ، وشخص لا يملك أية وسيلة إلا إخلاصه لله عز وجل ، أي الله إذا رحم إنساناً استغنى بإخلاصه عن كل شيء ، و إذا حجب عنه رحمته افتقر إلى كل شيء ، الطريق إلى الله قصير جداً ، والله سميع مجيب ، وإذا أعطى أدهش ، أحياناً لا يعطيك مالاً ، أحياناً قد تكون في الدرجة الدنيا:

((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' .))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 قد تكون في درجة اجتماعية لا يوجد أدنى منها ؛ إنسان يجبل إسمنت في الطريق، و يحمله على أكتافه ويوصله ؛ أقل من هذا لا يوجد ، ومع ذلك يتجلى على قلبه بالأمن ، والطمأنينة ، والرضا ؛ فهو أسعد الناس ، أحياناً يعيش ببيت يحير العقول ، والله مرة أخ شهد الله الآن تذكرت قصة ؛ قال لي : دخلت عند شخص ، حجمه المالي حوالي أربعة آلاف مليون من كثرة ما شكا لي همه ؛ و شكا لي ضيق العيش ، لم أقو أن أقف ؛ لا بيته يعجبه ، و لا زوجته تعجبه ، و لا أولاده يعجبونه ، و لا هذا البلد يعجبه ، متضايق ، لا يعاش بهذا البلد . . قال لي : والله حوالي أربعة آلاف مليون حجمه المالي . ذهبت إلى محلي التجاري جاءت امرأة محجبة قالت لي : يا أخي ، نريد منكم مساعدة . قال لها: أين تسكنين ؟ قالت : في داريا . قال لها : يوجد جمعية بداريا أنا أكلمها اليوم . كان عنده اجتماع في داريا قال لهم : هناك أخت هذا عنوانها ؛ نريد أن نساعدها ، فانتبهوا لها ، قمنا رأساً لنراها ، طرقنا الباب ، بيتها تحت درج . أي هناك فراغ تحت درج معمر غرفة ومنافعها فقط ، لها زوج مريض مستلق على السرير ، لكن البيت نظيف جداً ، والأولاد مهفهفين ، فقر لكن فقراً مع تجمل ، فرأوا الوضع ، والزوجة محجبة حجاباً كاملاً ، صادقة . فقالوا : نخصص لها ألفين . قالت : لا ، نريد ألفاً فقط ، نحن معاشنا يكفينا طعاماً و شراباً ، ولكن ينقصنا أجرة هذا البيت ؛ ألف بالشهر ، لا أريد ألفين ، أعط غيري ، أنا أريد فقط ألفاً . قال لي : بيوم واحد إنسان معه أربعة آلاف مليون أشقى الناس، وإنسانة ساكنة تحت درج تحتاج ألف ليرة فقط ، وما قبلت ألفين ، ما هذا السر ؟ إذا أعطى أدهش ؛ يعطيك سعادة ، يعطيك رحمة ، يعطيك تجلياً ؛ وأنت أفقر الناس ، ويحرمك من السعادة وأنت أغنى الناس ، يعطيك سعادة وأنت أضعف الناس ، ويحرمك السعادة وأنت أقوى الناس ، يعطيك سعادة وأنت بظروف الدنيا بالدرجة الدنيا ، و يحرمك السعادة وأنت بالدرجة العليا ، هذا السر .

الإخلاص عبادة القلب :

 أيها الأخوة ، ضعوا أيديكم على سر هذا الدين العظيم ؛ هذا الدين لا يحتاج لمظاهر ، لا يحتاج لإعلانات ، لا يحتاج لشعارات ، لا يحتاج لإلقاء خطب رنانة ، لا يحتاج لمؤلفات ، لا يحتاج لألقاب علمية ، يريد إخلاصاً فقط ، قال له : يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل .

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

[سورة البينة:5]

 مخلصين؛ الجوارح تعبد الله بالعبادات وامتثال الأمر ، والقلب يعبده بالإخلاص ، الإخلاص عبادة القلب .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS