21820
التفسير المطول - سورة التوبة 009 - الدرس ( 67-70 ) : تفسير الآيات 120 - 122، العبادات الشعائرية مناسبة لقطف ثمار العبادات التعاملية، الله عز وجل يقدر أجمل أعمال الإنسان ثم يعطي الثواب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-08-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الله جلّ جلاله ما أراد أن تكون العلاقة به علاقة إكراه بل علاقة حب :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس السابع والستين من دروس سورة التوبة، ومع الآية العشرين بعد المئة وهي قوله تعالى:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، تذكيراً ببعض الحقائق الأساسية عن العبادة إنها: طاعة طوعية وليست قسرية، لأن الله جل جلاله ما أراد أن تكون العلاقة به علاقة إكراه، قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 256]

 بل أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب، قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[سورة المائدة الآية:54]

 لذلك العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أي ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، هذه العبادة نوعان، عبادة شعائرية كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وعبادات تعاملية كالصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، وإنجاز الوعد، إلى آخر ما هنالك من صفات أخلاقية، هناك عبادات شعائرية، وهناك عبادات تعاملية.

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

 لكن الحقيقة الخطيرة أن العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لذلك:

((سأل النبي مرة أصحابه من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا متاع، قال: لا، المفلس من أتى بصلاة، وصيام، وصدقة، وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ طرحوا عليه سيئاتهم حتى يُطْرَحُ في النار))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 هذه حقيقة أولى، فالعبادات تعاملية وشعائرية، والتعاملية: السلوك، الأخلاق، المواقف، العطاء، الانضباط، ترك ما نهى الله عنه، أن يراك حيث أمرك، أن يفتقدك حيث نهاك، العبادات التعاملية هي التي ترقى بالإنسان، أما الشعائرية فمناسبة لقطف ثمار العبادات التعاملية.
 كيف أن العام الدراسي الأصل فيه الدارسة، وساعات الامتحان الطالب الذي درس يظهر جهده الكبير في ساعات الامتحان.

الصلاة معراج المؤمن :

 لذلك ما بين الصلاتين إذا كان هناك عمل صالح، والتزام، ووقوف عند الأمر والنهي، يقطف المسلم ثمار استقامته فيما بين الصلاتين، وكأن الصلاة امتحان والتزام بالعبادات التعاملية، في العام الدراسي تدرس، وفي الامتحان تظهر النتائج.
 إذاً الصلاة مناسبة كي تمتحن استقامتك قبل الصلاة، فإن كنت مستقيماً شعرت بالقرب من الله، وعرجت نفسك إلى الله، فالصلاة معراج المؤمن، وقطف ثمار الصلاة الاستنارة، والانضباط، والسعادة.

العلاقة بالنبي الكريم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى :

 لذلك الآية الكريمة:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾

 وكأن الخصيصة الأولى للمؤمنين أن نكون مع رسول الله، إذا كان حياً يُرزق فنحن معه في السراء والضراء، نحن معه في غزواته، في إقامته في المدينة، في الضراء، لكن بعد انتقال النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى، كيف تكون العلاقة به؟ كما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾

[سورة الأنفال الآية:33]

 معنى

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾

 أي هذا مستحيل وألف ألف مستحيل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[سورة الأنفال الآية:33]

 قال علماء التفسير:

﴿ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 معنى هذه الكلمة بعد انتقال النبي، إذا كانت سنتك مطبقة في حياته مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعذب.

المؤمن حينما يستقيم على أمر الله له معاملة خاصة :

 لذلك مرة كان النبي عليه الصلاة والسلام قد أردف معاذ وراءه على الدابة سأله:

((ما حقُّ الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فسكت النبي قليلاً- وجاء السؤال الثاني- ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله ألا يعذِّبهم))

[أخرجه البخاري عن معاذ بن جبل]

 كأن الله جل جلاله أنشأ لك حقاً عليه، فلذلك المؤمن حينما يستقيم على أمر الله له معاملة خاصة.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[سورة فصلت الآية:30]

 لا تخافوا من المستقبل، ولا تحزنوا على ما فاتكم في الماضي.

﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت]

 وكلمة لا تخافوا ولا تحزنوا قد لا ننتبه إلى مضامينها، لا تخافوا ولا تحزنوا تغطي الزمن كله، لا تخافوا تغطي المستقبل، ولا تحزنوا تغطي الماضي.

من اتبع هدى الله لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

 بل إن الله عز وجل في بعض الآيات يقول:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه الآية:123]

 أي لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، الآية الثانية:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية:38]

 لو جمعنا الآيتين الذي يتقي الله عز وجل، والذي يخشى الله عز وجل، لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا؟ ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ولا يضل عقله، ولا تشقى نفسه.
 إذاً كأن الله عز وجل في هذه الآية العشرين بعد المئة من سورة التوبة يبين أن من خصائص المؤمن متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، من خصائص المؤمن أن يتابع النبي في حياته، أن تكون معه في السراء والضراء، في الحرب والسلم، وأن تتابع سنته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 إذاً كضمانة قطعية حتمية من خالق السموات والأرض، ولأن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وأن الله عز وجل إذا قال:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[سورة النور الآية:55]

 أول وعد:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأرْضِ ﴾

 طبعاً الحقيقة المرّة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، نحن الآن لسنا مستخلفين في الأرض،

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 والحقيقة في أعم بلاد المسلمين ليس الدين ممكن في بلادهم،

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

 هذا الأمن الذي وعدنا به ليس الآن محققاً قال:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[سورة النور الآية:55]

 على الذات الإلهية أن يحقق لنا النصر، والتمكين، أما إذا لم يؤدِ العباد ما عليهم من عبادة فالله جل جلاله في حل من وعوده الثلاث.

من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله عز وجل :

 إذاً من أخص خصوصيات المؤمن أن يكون مع رسول الله، إن كان حياً معه في كل غزوة، معه في الحضر وفي السفر، في السلم وفي الحرب، وإن انتقل النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى، إذاً هو معه في سنته، والشاهد الدقيق:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 فإذا كانت سنة النبي مطبقة في حياتنا فنحن في مأمن من عذاب الله، فمن خصائص المؤمن أن يكون مع رسول الله.

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾

﴿ مَا كَانَ ﴾

 تنفي إمكان الوقوع، أما ما ينبغي فلا تنفي إمكان الوقوع، لكن تنفي كمال الوقوع والكلام دقيق جداً، فحيثما قرأت في القرآن الكريم ما كان الله ليفعل أي هذا مستحيل وألف ألف مستحيل، هنا ما كان للمؤمنين أن يتخلفوا عن رسول الله، مستحيل أن تكون مؤمناً وأن تتخلف عن رسول الله، فالتخلف عنه نفاق، وأي نفاق.

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾

من رغب في الشيء أقبل عليه ومن رغب عن الشيء ابتعد عنه :

 الآن دقق:

﴿ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 رغب في الشيء، رغب: مال إلى الشيء ميلاً عميقاً، رغبتُ هذه الجامعة، رغبتُ هذه الحرفة، رغبتُ هذا المال، رغبَ: مال ميلاً شديداً، لكن هذا الفعل من ألطف ما فيه أنه إذا جاء بعده رغب فيه، مال إلى الأخذ به، وإذا جاء بعده رغب عن، مال إلى تركه، لذلك الأفعال في اللغة أفعال لازمة، وأفعال متعدية، وأفعال قاصرة، ما الأفعال اللازمة؟ أن تقول: نام زيد، نام: فعل يحتاج إلى فاعل فقط، هذه فعل لازم، سعد فلان: فعل لازم، لكن إذا قلت: أكل الطفل التفاحة، هذا فعل متعدّ، لا بد لهذا الفعل من أن يصيب شيئاً وقع الفعل عليه، الذي قام بالفعل هو الفاعل، والذي وقع الفعل عليه هو المفعول به، فهذا الفعل الذي يحتاج إلى فاعل، وإلى مفعول معاً، هو الفعل المتعدي، فاعل ومفعول معاً.
 ولكن هناك فعل قاصر، يأتي بعده حرف جر، مثلاً: رغبت في، رغبت في الشيء فالشيء في الأصل مفعول به، لكن لأن الفعل قاصر يأتي هذا الحرف ليجر أثر الفعل إلى المفعول، رغبت في الشيء، الشيء في الأساس مفعول به، لكن لأن الفعل قاصر لا يصل تأثيره إلى ما ينبغي أن يكون مفعولاً به إلا بحرف، رغبت في الشيء، ورغبت عن الشيء، ونظرت إلى، وبحثت عن، فكل فعل من لوازمه حرف، هذا الحرف يعطي بياناً دقيقاً لمضمونه.
إذاً:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 أي يؤثرون النبي، يؤثرون طاعته، يؤثرون تلبية أمره، يؤثرون أن يكونوا معه،

﴿ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 فلذلك إما أن ترغب في الشيء، أو أن ترغب عن الشيء، إن رغبت في الشيء أقبلت عليه، إن رغبت عنه ابتعدت عنه.

من خصائص المؤمنين ألا يتخلفوا عن رسول الله :

 لذلك من خصائص المؤمنين ألا يتخلفوا عن رسول الله، وألا تكون لهم رغبة بعيدة عن رغبة رسول الله، فلذلك:

((لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين))

[أخرجه البخاري عن أنس بن مالك]

 أو كما قيل: "ما لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام أحب إليك من نفسك"، أي ما لم تكن توجيهات النبي، ما لم تكن أوامر النبي، ما لم تكن النواهي التي نهى عنها النبي، أحب إليك من كل شيء، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، هذا يذكرنا بقوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة التوبة]

 كأن الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا آثرت رضوان الله على كل شيء.

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾

 فأنت معه في حياته في السراء والضراء، معه في الحضر وفي المذر، معه في الغزو وفي السلم، معه في كل شيء، معه مطيعاً، معه محباً، معه مطبقاً، معه مؤثراً رغبته على رغبتك.
 هكذا قال الله عز وجل:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 إذا لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام أحب إليك من نفسك فبينك وبين الإيمان مراحل.

محبة رسول الله و طاعة أمره قضية أساسية في الدين :

 لذلك سيدنا عمر كان صريحاً جداً إلى درجة تلفت النظر، قال: يا رسول الله أنت أحب إلي من أهلي وولدي ومالي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي، فقال: يا عمر! لما يكمل إيمانك، لما تأكد هذا الصحابي الجليل أن هذه القضية أساسية في الإيمان، أساسية جداً، ولا مساومة عليها إطلاقاً، غاب حيناً وعاد إلى النبي الكريم وقال: لأنت أحب إلي من نفسي، وأهلي وولدي، ومالي، حتى نفسي التي بين جنبي، قال: الآن يا عمر.
 هذا كلام دقيق، أنت إذا رأيت شيئاً لا يرضي الله أحب إليك من طاعة الله، فهناك مسافة كبيرة، مثلاً نحن في الأعياد، في الفطر، وعيد الأضحى، نكبر، نقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أنا أقول بتعليق أردده كثيراً: إذا أطعت مخلوقاً، وعصيت خالقك، فأنت ما قلت الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، إذا أطعت مخلوقاً، وعصيت الذي خلقك، إذا أطعت زوجتك في معصية، إذا أطعت شريكك في معصية، إذا أطعت من حولك في معصية وعصيت الله، الحقيقة أن طاعة هذا المخلوق كانت أحب إليك من طاعة الله، لذلك عصيت خالقك وأطعت هذا المخلوق، إذاً لم تقل أنت الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، حقائق الدين دقيقة جداً، أنا ممكن أن أقرأ القرآن، أما أين أنا من هذه الآيات؟

على الإنسان أن يقرأ القرآن وفق قواعد اللغة وعلم التجويد ثم يفهم معانيه ويتدبرها :

 قلت سابقاً حينما قال الله عز وجل:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[سورة البقرة الآية:121]

 قال بعض العلماء: هؤلاء المؤمنون يقرؤون القرآن وفق قواعد اللغة الصحيحة، لأن الله قال:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر]

 الله: مفعول به مقدم، والعلماء فاعل مؤخر، لو عكست الآية هناك مشكلة كبيرة، معنى فاسد،

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 فإذا رفعت لفظ الجلالة ونصبت العلماء المعنى فاسد، و خطير جداً، إذاً لا بد من أن تقرأ القرآن قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة، والأكمل أن تقرأه وفق قواعد علم التجويد، ثم لا بد من فهم المعاني، ثم لا بد من التدبر، والتدبر أن تسأل نفسك مع كل آية أين أنت منها؟ هل أنت مطبق لها؟ نُهيت عن هذا الشيء، هل انتهيت عنه؟ أُمرت بهذا الشيء، هل أمرت به؟.

من آثر شهوته على طاعة الله خسر الدنيا و الآخرة :

 إذاً من خصائص المؤمنين:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 أي يرغبون أن يطيعوه، ولا يعبؤون برغباتهم، يؤثرون طاعة النبي على حاجاتهم الخاصة:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

 هذا كلام دقيق، إذا كان في الدنيا شيء لا يرضي الله لكنك تفعله فقد آثرت شهوتك على طاعة الله، أو آثرت حظ نفسك على طاعة الله، إذا أطعت مخلوقاً وعصيت خالقاً، إذا أطعت مخلوقاً وعصيت الذي خلقك، فأنت لم تقل الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة.

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

﴿ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ ﴾

 لكن النتيجة، دققوا الآن:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾

 عطش،

﴿ وَلَا نَصَبٌ ﴾

 تعب،

﴿ وَلَا مَخْمَصَةٌ ﴾

 جوع،

﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾

 دخلوا أرضهم، ووطئوها بأقدامهم،

﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ﴾

 نالوا منه، نالوا من خطته، نالوا من طموحاته، نالوا من كرامته،

﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾

 معنى ذلك أن الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، بل إن بعض العلماء قال: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، يمكن أن تعمل صالحاً وأنت في الطريق، وأنت في البيت، وأنت في الحقل، وأنت في الدكان، وأنت في المدرسة، وأنت في الجامعة، أي عمل تبتغي به رضوان الله هو عمل صالح يكتب في صفيحتك إلى يوم القيامة، لذلك الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
 وكأن هذه الآية تبين تفاصيل، أي:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ ﴾

 الظمأ العطش، والنصب التعب،

﴿ وَلَا مَخْمَصَةٌ ﴾

 الجوع،

﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾

 أنت أحياناً تحجم الكافر، تبين له قوتك، تبين له ضعفه، تبين له انحرافه،

﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

أي عمل صالح يعمله الإنسان يكتب في ميزان حسناته يوم القيامة :

 لذلك إذا كانت العبادات الشعائرية محدودة بخمسة عبادات، صلاة، وصوم، وحج، وزكاة، ونطق بالشهادة، فإن العبادات التعاملية لا تنتهي، تدور معك حيثما درت، تبدأ هذه العبادات من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية، أي عمل تبتغي به رضوان الله، لو قرأت كتاباً، لو ألقيت درساً، لو دعوت دعوةً، لو أطعمت جائعاً، لو عالجت حيواناً مريضاً، أي عمل تعمله هو في الحقيقة عمل صالح يكتب في ميزان حسناتك يوم القيامة، وهذه الآية تبين ذلك:

﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 أحياناً ركب بعض الصحابة الكرام فرسه قبيل الحرب وتبختر بها، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه المشية يكرهها الله إلا في هذا الموطن".
 أحياناً تحتاج إلى أن تقف موقفاً قوياً أمام الكافر:

﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾

 من هنا قيل: من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى غير المؤمن فكأنما اشتكى على الله.

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 المحسن أجره محفوظ عند الله عز وجل، إذاً أراد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يعدد بعض الأعمال التي تعد عبادات تعاملية ترقى بالإنسان يوم القيامة، أحياناً هناك أشياء سلبية يصاب بالظمأ، بالجوع، بالعطش، بالتعب، بالمرض أحياناً.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 الآن موقف يغيظ الكفار، يحجمهم، يصغرهم، لعلهم يستيقظون من غفلتهم.

﴿ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ﴾

 وصلوا إلى العدو أخذوا منه شيئاً،

﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾

 لذلك أنواع الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، بل إن علة وجود الإنسان في الدنيا هي العمل الصالح، والدليل أن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون]

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 أقول مرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من أن يضيع عليك عملك، العمل الصالح محفوظ.

مهما بدا للإنسان العمل صغيراً فهو عند الله محفوظ :

 الآن:

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 رب درهم سبق ألف درهم، الإنسان أحياناً يأتي ليتوضأ يرى نملة في المغسلة، ينتظر حتى تخرج منها، لئلا تغرق في الماء، هذا عمل عند الله محسوب، رأى في الجامع قشة وضعها في جيبه، مهما بدا لك العمل صغيراً فهو عند الله محفوظ.

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 ما معنى هذه الآية؟ لك عمل في مجال محدد، و هذا العمل تكرر عشرات المرات، أرقى نسخة من هذا العمل تسجل لك، أرقى شيء.
 هنا:

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 أحياناً إنسان أنا أُسميه: قناص، يفتش عن عيوب الآخرين، ويقتنصها، ويشيعها بين الناس، أما الذات الإلهية العظيمة فتقدر لك أجمل أعمالك

﴿ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

للجهاد أنواع كثيرة :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 هنا الموضوع دقيق جداً جداً، معنى هذا الموضوع أن هؤلاء الصحابة إذا توجهوا جميعاً إلى الحرب، من بقي لنشر هذا الدين؟ فالذي ينبغي أن يكون واضحاً أن الجهاد أنواع كثيرة، هناك جهاد دعوي، الله عز وجل يقول:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان]

 أي بالقرآن، أي الأمة تحتاج من يموت في سبيلها، وتحتاج أيضاً من يعيش في سبيلها، فالذي يأخذ العلم ينقله إلى الآخرين، وهذا عمل عظيم، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت]

 أي ليس على وجه الأرض إنسان أفضل عند الله:

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

الإيمان من لوازمه الاستقامة والدعوة إلى الله من لوازمها العمل الصالح :

 وقد تقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون]

 أما:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 فالمؤمن ينبغي أن يكون مستقيماً.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

 فالإيمان من لوازمه الاستقامة، أما الدعوة إلى الله فمن لوازمها العمل الصالح،

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 إذاً فضلاً عن أن الأمة في أمس الحاجة إلى مجاهدين، إلى مقاتلين، إلى من ينشر الدين، إن الأمة بحاجة إلى هؤلاء، وبحاجة إلى علماء الذين يأخذون هذا المنهج الإلهي، ويبثونه بين الناس، لذلك قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾

 لابد من أن يتفرغ بعضهم للدعوة إلى الله، وليأخذوا هذا الوحي من رسول الله، وينقلوه إلى الناس.

الحركة الأساسية للبشر دفاعية ودعوية :

﴿ وَمَا كَانَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

 وكأن هذه الآية تنطبق على الدعاة إلى الله عز وجل، لو أخذت كل فرقة من هؤلاء، وتفقهت في الدين، وأنذرت قومها، لعل هؤلاء يهتدون ويسعدون في دنياهم وأخراهم.
 أيها الأخوة الكرام، هنا في هاتين الآيتين تبين أن الحركة الأساسية للبشر حركة دفاعية، وحركة دعوية، دفاعية ودعوية، فالأمة بحاجة إلى من يموت في سبيلها، وبحاجة أيضاً إلى من يعيش في سبيلها.

الدعوة إلى الله فرض عين و فرض كفاية :

 الآية التي جاءت بعد الأولى:

﴿ وَمَا كَانَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

 لذلك كلام دقيق دقيق الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، أما التفرغ، والتعمق، والتبحر فهذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، دليل فرض الكفاية:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة آل عمران]

 ما فرض العين؟

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف الآية: 108]

 يدعو إلى الله، دليل آخر:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾

[ سورة العصر]

الأمة الراقية أمة تملك جناحاً دفاعياً و جناحاً علمياً معاً :

 بعد أن قال الله عز وجل:

﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا كَانَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾

 لابد من فريق يتخصص في الدفاع، وفي الحرب، وفريق آخر يتخصص بالدعوة إلى الله عز وجل، أي هناك علماء، وهناك أمراء:

﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هاتان الآيتان تبينان أن الأمة التي لا تملك قوة تدافع بها عن مقوماتها، عن مبادئها، عن قيمها، هي أمة خاسرة، والأمة التي لا ينهض بعض أفرادها لنشر هذه الحقائق، ولنشر هذا الوحي الإلهي الذي أنزله الله على رسوله الكريم، أمة ضائعة، فلابد من جناح دفاعي وجناح علمي حتى ترقى الأمة إلى مصاف الأمم الراقية.
 وفي درس آخر إن شاء الله يمكن أن نتابع هذه الآيات.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS