4416
أحاديث رمضان 1422 - موضوعات قرآنية - الدرس ( 16 - 57 ) : الفتنة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
 الصادق الوعد الأمين .

لم يشرع الجهاد في الدين إلا لرفع شعار الحق وإزهاق الباطل حيثما وجد:

 أيها الأخوة, في سورة الأنفال آيات دقيقة جداً من هذه الآيات: أن الله جل جلاله يقول: <

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ اً﴾

 -الطرف الآخر مفتون بالدنيا وهمه الدنيا، ويعصي الله في الدنيا وشهوته إلهه .

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

[سورة الجاثية الآية: 23]

 الطرف الآخر مفسد في الأرض يشيع الزنى ويشيع الخمر يشيع الفحشاء ويشيع المنكر يحمل على النفاق، الطرف الآخر كتلة شر .
 فربنا عز وجل يأمر المسلمين أن يقاتلوا الطرف الآخر لعلة ماذا؟ ما يجري من قتال في عصور التخلف، قتال من أجل مصالح من أجل بترول من أجل ينابيع مياه من أجل قمح من أجل سيطرة، لكن هذا الأمر الإلهي-:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى اً﴾

 -حتى تفيد الغاية، إلى أن بمعناها-:

﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌاً﴾

 -حتى يكون النظام الإلهي مستقر, المرأة زوجة المرأة أخت المرأة بنت، لا توجد امرأة خليلة، لا توجد امرأة عشيقة ولا امرأة سكرتيرة لا يكون هناك وجود للملاهي ولا المجون ولا الخمور ولا يوجد دور للزنا ولا دور للفحشاء-:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ اً﴾

 -خضوع البشر كلهم لله، هذه غايات القتال في الإسلام من أجل أن يعزز دين الله عز وجل، من أجل أن تزال الفحشاء والمنكر في الأرض فهذا النظام الإلهي نظام متكامل، أية فقرة حذفتها منه تدفع الثمن باهظاً، فإذا توانى المسلمون قبل مئات الأعوام عن قتال الطرف الآخر، قوي الطرف الآخر وفرض على المسلمين ثقافته وإباحيته وأنماطه في السلوك وأساليبه في العيش، الاختلاط شرب الخمور، تجد بالعالم الإسلامي قضية الخمر سهلة جداً .
أنا سافرت مرة على طائرة خليجية من دمشق إلى أبو ظبي، عددت الذين لم يشربوا خمراً أثنى عشر راكباً فقط، وبقية ركاب الطائرة شربوا الخمر ونحن في الجو، ونحن تحت رحمة الله .
 فحينما تشيع الملاهي والموبقات والنساء الكاسيات العاريات وتباع الخمور ويعتدي على حرمات الله، حينما يحل السفاح محل النكاح هذه الفتنة-:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال الآية: 39]

 حينما تحذف فقرة من منهج الله عز وجل، تعطّل هذا المنهج وتدفع الثمن باهظاً، مركبة تستطيع أن تحذف منها مثلاً البطارية؟ تقف! لن تستطيع أن تقلع بها، هل تحذف منها المارش الذي يشغل المحرك؟ تقف! متكاملة نظام متكامل، فإذا فرطت في أحد أجزاءه تعطل كل هذا النظام .
 وما يعانيه المسلمون اليوم في شتى بقاع الأرض لأنهم لم يطبقوا الآية مع الطرف الآخر، ما طبقوها، فقوي الطرف الآخر .
 فرض علينا ثقافته وإباحيته وشذوذه وتفلته، وفرض علينا علمانيته، ثم فرض علينا ما يسمى بالعولمة على وزن حيونة، ثم يفرض علينا اتفاقيات التجارة، هذه لصالح الأقوياء فقط، لن تستطيع أن تبيع شيئاً بعد توقيع هذه الاتفاقية لا تستطيع، كلفتهم رخيصة جداً، وكلفنا عالية جداً، فإن لم تستورد بضاعتهم، منعوك من أن تصدر شيئاً إلى العالم .
 اتفاقية، العولمة، مؤتمر السكان، يفرضون على الضعفاء كل ثقافتهم وكل مصالحهم، وما ترونه وتسمعونه يكفي:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾

[سورة الأنفال الآية: 39]

 فإن قصرنا في هذا قبل مئات السنين دفعنا ثمناً من كرامتنا ومن ثرواتنا ومن رفاه أبنائنا ومن تطلعنا إلى المستقبل، هذا منهج إلهي لا يفرط فيه في بند واحد .
 أي بند فرطت فيه عطلت هذا المنهج كله، كالمركبة تماماً اسحب قطعة تجدها توقفت، ليست سيارة أصبحت وقّافة .

منهج القتال في الإسلام:

 في ملمح آخر بآيات دقيقة يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِاً﴾

 -كلام دقيق، قال-:

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ اً﴾

 -نسبة واحد بالعشرة-:

﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ اً﴾

 -إذاً أصحاب النبي مدد الله لهم عشرة أمثال قوتهم، إذا مائة ضعف ينبغي ألا يفتحوا جبهة مع جهة تعادل مائة من قدراتهم، لذلك لما سيدنا خالد انسحب في الشام أنقذ صحابة رسول الله، فلما وصل إلى المدينة بعد من لم يفقه حقيقة خطته قالوا: فرار فقال عليه الصلاة والسلام: بل كرار .
 عّد النبي انسحاب سيدنا خالد عّده حفاظاً على أرواح الصحابة، سهل جداً أن تكون عنيداً وتخسر مئات الألوف، ليس هذا رحمة، نحن عندنا منهج واحد لعشرة، إذا واحد لمائة ينبغي ألا تفكر في خوض معركة لن تفوز فيها بحسب قوانين الأرض، لكن بعدئذ يقول الله عز وجل- :

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 65-66]

 إذاً في حالة الضعف ضعف الإيمان يأتي الدعم واحد لاثنين، في حالة قوة الإيمان واحد لعشرة ، أما إذا كان بتقديرك الدقيق واحد لمليون أنت عندئذ تنتحر .
 نحن عندنا منهج، فلذلك من الكبائر الفرار من الزحف، لكن إذا واجهك عشرون وأنت واحد وفررت من الزحف أو انسحبت لا تعد عاصياً لله، الله وعدك واحداً لعشرة، أما واحد لعشرين ! واحد لمائة! واحد لألف! واحد لمليون! في زمن ضعف الإيمان واحد لاثنين .
 إذاً منهج الله عز وجل دقيق جداً، كنت مرة في المؤتمر في أمريكا, فجاء ذكر هذه الطائرة التي كانت تقل ستاً وثلاثين ضابطاً مصرياً, تدربوا في أعلى مستوى في أمريكا وسقطت، فسئلت عن هذا الحادث؟ قلت: لو أنهم قرءوا القرآن لما فعلوا هذا لأرسلوا ضباطهم ضابطاً ضابطاً في كل رحلة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾

[سورة يوسف الآية: 67]

 ففي القرآن عجائب، في منهج في أمر وقاتلوهم واحد لعشرة في حال قوة الإيمان، في واحد لاثنين في حال ضعف الإيمان، فلو فرّ مؤمن من الزحف لأنه واجه عشرين لا يعد فاراً من الزحف، في عهد الصحابة لو فرّ من الزحف واجه واحد لتسعة يعد فاراً من الزحف، لو كان واحد لعشرين لا يعد .
 وقال الله عز وجل في آية دقيقة جداً:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 77]

 أي لا تقاتلوا، ففي وقت الأولى أن تحتم النصوص الشرعية أن يحكم منهج الله عز وجل، آفة المسلمين العواطف، يهيجون ويتعاطفون ثم يهمدون، معهم منهج معهم كتاب معهم شيء دقيق جداً وهذا المنهج طبقه النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 65]

 يمكن أن تغلب ألفاً، أن يغلب واحد ألفاً بمعجزة، هذه ليست خاضعة المنهج الله عز وجل، قضية استثنائية، أنا لا أنكر قد يقاتل عشرون ألف أربعمائة ألف، وقد ينتصرون:

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة الآية: 249]

 لكن كمنهج مثلاً: لما سيدنا رسول الله هاجر وجهته إلى المدينة لكنه ذهب بعكس وجهته مساحلاً واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، وهيأ من يأتيه بالأخبار ومن يأتيه بالطعام، ومن يمحو الآثار، واستأجر ناقة ومشركاً ليدله على خبايا الطريق وقد غلب الخبرة على الولاء هذا منهج الله .
 سيدنا عمر هاجر علانية متحدياً قال: من أراد أن تثكله أمه فليتبعني إلى هذا الوادي أيهما أصوب هجرة سيدنا عمر أ م هجرة النبي عليه الصلاة والسلام؟ الحقيقة النبي مشرع لو أنه هاجر كما هاجر عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً، ولعدّ أخذ الحيطة حراماً فهلكت أمه من بعده، النبي الكريم يمثل الموقف الشرعي بينما الصحابي الجليل يمثل نفسه، فإن نجح في هذا نجح، وإن لم ينجح فهو يدفع الثمن وحده، لذلك عندنا منهج، وعندنا موقف شخصي، فإذا واحد أخذ موقف شخصي ولم يطبق المنهج إذا نجح يكون معجزة، وإذا لم ينجح يكون حكمة الله اقتضت ذلك، هذا هو الإيمان، فلذلك بالقرآن الكريم يوجد آيات دقيقة جداً، واحد لعشرة في حال قوة الإيمان، واحد لاثنين في حال ضعف الإيمان، وهدف القتال في الإسلام:

﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾

[سورة الأنفال الآية: 39]

 وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾

[سورة الأنفال الآية: 25]

 هناك فتن تصيب كل الأمة الإسلامية نحن في عصر عجيب، ما يحدث في آخر أطراف الدنيا يمس كل مسلم لا من حيث مشاعره بل من حيث مصالحه، ما يحدث في أي مكان في العالم ولو كان في طرف الدنيا الآخر يمس كل مسلم لا من حيث مشاعره بل من حيث مصالحه، معنى ذلك أن مصلحة المسلمين واحدة في الأرض، هم جميعاً يد على من سواهم، يأخذ بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، هم متساوون .
 فيا أيها الأخوة الكرام, القضية الانفعالية يجب أن تنتهي، وأن تبقى القضية الشرعية والقضية العقلانية في حياتنا، وإلا نفور وننطفئ، نقوم ونصاب بخيبة أمل .
 قلت: من كان متوازناً في أول الأحداث في الأعم الأغلب يكون متوازناً في نهاية الأحداث، أما إذا اختل توازن الإنسان في أولها يختل في آخرها، إذا اختل توازنه في أولها فأخذ بالعاطفة إلى درجة غير معقولة في آخرها قد يختل توازنه لأنه سيصاب بخيبة أمل كبيرة، أما إذا كان متوازناً في أولها في الأعم الأغلب يكون متوازناً في آخرها، هذه بعض الخطرات من هذه السورة الكريمة سورة الأنفال، والحمد لله رب العالمين .

دعاء الختام:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS