14522
أحاديث رمضان 1424هـ - ومضات في آيات الله - الدرس (19-32) : من تآمر على قتل النبي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

عمير لم يكن بحسبانه أن يعتنق الإسلام:

 أيها الأخوة الكرام, أخ يسأل مرتين أو أكثر: من هو الرجل الذي تآمر مع صفوان بن أمية على قتل النبي صلى الله عليه وسلم؟.
 القصة أيها الأخوة: أن عمير بن وهب التقى بصفوان بن أمية في مكة المكرمة وفي الفلاة، فقال له عمير: والله لولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، ولولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها, لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، فانتهزها صفوان مناسبة، وكان غنياً قال: أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، وأما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت، فامض بما أردت، فعمير له ابن في المدينة أسير، فإذا ذهب إلى هناك بعد موقعة بدر فهو مغطى عند المسلمين، فسقى سيفه سماً، وركب راحلته، وانطلق إلى المدينة، وفي المدينة رآه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: هذا عدو الله، ما الذي جاء بك إلينا؟ فقيّده بحمالة سيفه، وقاده إلى النبي، فلما دخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله هذا عدو الله جاء يريد شراً، فقال له النبي: يا عمر أطلقه، فأطلقه, قال له: يا عمر ابتعد عنه، فابتعد عنه، تعال يا عمير، قال له: قل السلام عليكم، قال: عمت صباحاً يا محمد، قال: قل: السلام عليكم, قال: لست بعيد عهد بسلامنا -فظ غليظ-, قال: ادن مني يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أفدي ابني الأسير، فقال عليه الصلاة والسلام: وهذه السيف التي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال: يا عمير ألم تقل لصفوان: لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخاف عليهم العنت من بعدي, لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه؟ فوقف، وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد في الأرض إلا الله، أما وقد ذكرته, فأنت رسوله وأسلم!.
 صفوان كان يقول لأهل مكة: انتظروا أخباراً سارة، وهي قتل النبي، وكان يخرج كل يوم لظاهر مكة ليستقبل الركبان، فيتلقى منهم خبر مقتل النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم فوجئ أن عمير قد أسلم.

براعة النبي في هداية الخلق:

 أخواننا الكرام, النبي -عليه الصلاة والسلام- بارع جداً في تحويل أعدائه لأصدقاء، وهناك أناس بارعون جداً في تحويل الأصدقاء لأعداء، قمة الحكمة أن تحول العدو إلى صديق، وقمة الحمق أن تحول الصديق إلى عدو، فلذلك: أحد زعماء القبائل اسمه: ثمامة نكّل بأصحاب النبي، وقتّل منهم عدداً كبيراً، وكان من ألد أعداء النبي، وقع أسيراً، والذين أسروه لا يعرفون من هو؟ فلما رآه النبي قال: هذا ثمامة، فربطوه في سارية المسجد، قيدوه، مر به محمد -عليه الصلاة والسلام- قال: ما وراءك يا ثمامة؟ قال: إن تقتل تَقتل ذا دم، أنا قاتل، وإن تعف فهذا فضل منك، وإن تطلب مالاً فلك ما شئت، فتركه، وأمر أن يؤتى له بطعام من بيته تكريماً له، وفي اليوم التالي سأله: ما وراءك يا ثمامة؟ قال: إن تقتل تقتلْ ذا دم، وإن تعف تعفُ عن شاكر، وإن أردت المال فلك ما تشاء، في اليوم الثالث أمر بإطلاق سراحه، فغادر حيناً وعاد, أين ذهب؟ ذهب، واغتسل، لأنه دخل في الإسلام، وأتى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأعلن إسلامه، وقال: يا محمد ما كان على وجه الأرض من رجل أبغض إلي منك، والآن ما على وجه الأرض رجل أحب إلي منك، وذهب، وقطع عن بعض القبائل القمح، تماماً كالحصار الاقتصادي، أعلن ولاءه للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان عوناً له.
 فالإسلام لم ينتشر باللؤم، ولا بالانتقام، ولا بالقسوة، وما انتشر بالقتل، بل بالإحسان، والعدل، والمحبة، فلذلك أحياناً المسلم دون أن يشعر, يعطي الطرف الآخر مسوغاً ليفعل الأفاعيل بالمسلمين، ما من نبي جاء إلى قومه إلا ودعاه بالحسنى.

الإسلام لا ينتشر إلا بحسن أدائه:

 أيها الأخوة, الدعاة أحياناً لا يفرقون بين أخلاق الدعوة وبين أخلاق الجهاد؛ أخلاق الجهاد:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾

[سورة التوبة الآية: 73]

 بينما أخلاق الدعوة:

﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

[سورة فصلت الآية: 34]

 أختم هذا الدرس الثاني إن شاء الله: النبي -عليه الصلاة والسلام- وكما تعلمون سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، وهو قمة البشر من دون استثناء، بدليل أنه قال:

((سلوا بي الوسيلة, فإنها مقام لا ينبغي إلا لواحد من خلقه, وأرجو أن أكون أنا، لأنه رحمة للعالمين))

 أوتي من الكمال، ومن الرحمة، ومن العدل، ومن الحلم، ومن الحكمة، ومن العلم، ومن القوة، ومن الجمال ما لا يوصف:
 وأجمل منك لم تر قط عيني
 ومن الفصاحة، ومع كل هذه الميزات والخصائص والتفوق قال: أنت بالذات يا محمد:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159]

 فإذا كان الإنسان ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا سيد ولد آدم، وليس معه معجزات، ولا قرآن، ولا وحي، وليس فصيحاً، وليس جميلاً، وليس حكيماً، وعنده غلظة، لماذا الغلظة!؟ هذه أخلاق الدعوة:

﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

[سورة فصلت الآية: 34]

 الإسلام لا ينتشر بعباداتك، الخوارج قال:

((إنك تحقر صلاتك مع صلاتهم, وتحقر عبادتك مع عبادتهم، ولكنهم مرقوا من الدين كما مرق السهم من الرمية))

 الذي يشد الناس إلى الدين أخلاقك، وعدلك، ورحمتك، وإنصافك، فالناس لا يدخلون في دين الله أفواجاً من خلال عبادات المسلمين، بل إن العبادة إن لم ترافقها أخلاقاً علية تكون منفرة.
 أنا أقسم بالله أن هناك أناسًا لا يصلون، لأنهم منزعجون ممن يصلون، يصلي ويكذب، أو يحتال، أو يأكل مالاً حراماً، فلذلك الصلوات والعبادات من دون استقامة وأخلاق عالية, أدوات تنفير لا أدوات تحليل؛ فإما أن تكون داعياً إلى الله، وإما أن تكون منفراً لهذا الدين.
 فكيف أن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل أعداءه أصدقاء ومحبين، هذا الشاب الذي جاء النبي، وبكل وقاحة قال له: ائذن لي بالزنا! لا تقال هذه للنبي في مجلس النبوة، فالصحابة اضطربوا، وهموا به, قال: دعوه, قال له: تعال يا عبد الله، أتريده لأختك؟ احمر وجهه، وقال: لا، قال: ولا الناس يريدونه لأخواتهم، تريده لأمك؟ لعمتك؟ لخالتك؟ لابنتك؟ فقال هذا الشاب: والله دخلت على رسول الله، وليس شيء على وجه الأرض أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده، وليس إلي شيء أبغضه إلي من الزنا.
 هكذا الدعوة بالإقناع لا بالقمع، بالقمع لا يحصل شيء.

لا يكون العبد حراً إلا بالإسلام:

 أذكر رجلاً أظنه صالحاً، لكنه قمع بناته بالحجاب قمعًا، فلما توفي لبسن البنطال، وسفرنا سفوراً فاضحاً، لأنه قمعهم في حياته، العبرة أن تقنع لا أن تقمع.
 النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

((علموا ولا تعنفوا, إن المعلم خير من المعنف))

 بطولتك أن تقنع ابنتك بالحجاب، وأنها إذا سافرت أو تزوجت تظل كما أقنعتها.
 لذلك أحدث الآن مصطلح جديد اسمه: جغرافي، في بلد معين يوجد حجاب وصلاة في وقتها في المسجد، فإذا سافر إلى لندن, فلا صلاة، ويقوم بالزنا! فالعبرة أن تكون مطيعاً لله في كل أوقاتك وأحوالك، وفي كل الأمكنة والأزمنة، هذه تحتاج إقناعًا لا قمعًا، خالق الأكوان الذي قال: كن فيكون, قال: لا إكراه في الدين، من أنت حتى تكرهنا؟ الخالق الذي روحي وقلبي ورزقي بيده قال: لا إكراه في الدين، فكيف أنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين؟ أقنعهم، وحببهم بالدين، وبين لهم قيمة وفضل الدين، وأن أوامر الدين ليست حداً من حريتك، ولكنها ضمان لسلامتك.
 أنت حينما تمشي في فلاة، وترى لوحة كتب عليها: حقل ألغام، ممنوع التجاوز، هل تحقد على هذه اللوحة؟ لا، تشكر كاتبها، لأنه بهذه اللوحة ضمن سلامتك، فأنت حينما تفهم أوامر الدين حداً لحريتك, أنت لست فقيها ولا عالماً، أما حينما تفهم أوامر الدين ضمانًا لسلامتك, عندئذ تكون فقيهاً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS