10256
محاضرات وندوات خارجية - الأردن- مختلفة - المحاضرة ( 03 ) : الإنسان والهجرة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-01-09
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ربي اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدة من لساني يفقه قولي .
باسمكم جميعاً نرحب بالعلامة الداعية الاستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ضيف هذه الجامعة ، الذي لبى الدعوة مشكوراً ، رغم كثرة الأعباء والأعمال ، فجزاه الله عنا كل خير .
وأيضاً أرحب به على وجه الخصوص باسم عمدة الكلية ، وعمدة البحث العلمي، وعمدة شؤون الطلبة ، ومجلس الطلبة - و الذين تعبوا معنا كثير جزاهم الله خيراً- ونادي التربية الإسلامية .
ولكن بداية اسمحوا لي أن آخذ من وقتكم النذر اليسير حتى أُعرف بشيخنا الكريم وهو معروف ، ولكن لمن لا يعرف عن هذا العالم الداعية إلى الله ، نسأل الله له القبول .
ولد شيخنا الدكتور النابلسي في دمشق - نسأل الله أن يفرج عن أهلها الكرب العظيم الذي هم فيه - ونشأ في بيت علم وخلق ودين ، فقد كان والده عالماً من علماء دمشق، وكان يدرس في مساجد دمشق ، وترك مكتبة كبيرة تضم بعض المخطوطات العلمية والتحق بمدارس دمشق الابتدائية ، والإعدادية ، والثانوية ، ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين وتخرج فيه عام ستة وخمسين ، وبعدها التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية ، مثل قسم اللغة العربية عنا هنا ، ما شاء الله ، في جامعة دمشق ، وتخرج بها عام أربعة وستين ، ثم حصل على ليسانس آداب اللغة العربية وعلومها ، وبعدها التحق بكلية التربية معلم صف ، ثم بعد ذلك تابع دراساته العليا، وحصل في عام ستة وستين على دبلوم التأهيل التربوي بتفوق ، ثم التحق بجامعة ليون ، ثم حضر درجة الماجستير بالآداب ، وقد حصل على شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة دوبلن في سنة 1999 في موضوع تربية الأولاد في الإسلام، وعمل شيخنا الفاضل وضيفنا الكريم في حقل التعليم الثانوي الرسمي ثم الجامعي ، حيث عمل أستاذاً محاضراً في كلية التربية بجامعة دمشق مدة ثلاثين عاماً ، من عام 1969 إلى عام 1999 ، وبعدها عمل أستاذاً لمادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في جامعة الأزهر ، فرع الفتح الإسلامي في دمشق ، وأستاذاً لمادة العقيدة الإسلامية بجامعة أم درمان فرع مجمع أبو النور في دمشق ، وأستاذاً لأصول التربية في جامعة طرابلس الإسلامية .
وكان لمعظم نشاطاته الدعوية وبخاصة الخطب ، والدروس ، والمحاضرات ، والكلمات التي يلقيها بالمؤتمرات الحظ الأوفر بالبث عبر إذاعات عربية وإسلامية نظراً لما تتمتع به من مضمون دعوي متميز ، وأسلوب علمي رفيع ، ولضيفنا الكريم محاضرات وندوات ، وحوارات ، وبرامج مرئية ، عرضت عبر عدة محطات تلفزيونية رسمية وخاصة عربية وإسلامية، ولاسيما قناة اقرأ ، وقناة الرسالة ، وقناة القدس ، وقناة الأقصى وغيرها .
وكان من أبرز البرامج التي بثتها هذه القنوات دروس شرح أسماء الله الحسنى كلنا يعرف هذا البرنامج الرفيع المستوى ، وتفسير سورة الأعراف ، والإسلام والحياة ، والفكر الحضاري ، وعدت ندوات مباشرة كان لها أثر طيب في نفوس المستمعين ، وله مؤلفات إسلامية، مذكورة على الترتيب : نظرات في الإسلام وهو مترجم إلى اللغة الانكليزية، وتأملات في الإسلام ، وكتيبات حول كلمات مضيئة ، ولقاءات مثمرة مع الشيخ الشعراوي، وكتيب الإسراء والمعراج ، وكتيب الهجرة النبوية ، الذي هو موضوع حديثنا في هذا اليوم وكتيب الله أكبر ، وكتاب موسوعة أسماء الله الحسنى ، ثلاثة مجلدات ، وقد ترجم إلى اللغة الانكليزية ، وكتاب موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، آيات الله في الآفاق ، آيات الله في الإنسان، مجلدان ، قد ترجم أيضاً إلى اللغة الانكليزية ، وكتاب ومضات في الإسلام، وكتاب مقومات التكليف ، وكتاب نداء الله للمؤمنين ، تجاوز بعضها العشرين طبعة في كتاب الأسماء وكتاب الإعجاز ، وأقلها طبعتان ، وسيرة شيخنا حافلة بالعطاء والإبداع والمواقف الوطنية المشرفة ، نسأل الله له القبول وحسن الختام ، ونسأل الله كما نجا الله موسى في هذا اليوم ، يوم العاشر من محرم ، من فرعون وقومه أن ينجي أهل الشام ، من الكرب العظيم الذي يعيشونه ، وسائر بلاد الإسلام ، وأقدم لكم ضيفنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي فليتقدم مشكوراً ، تفضل .

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
بادئ ذي بدء ، أشكر القائمين على هذه الجامعة على الدعوة الكريمة التي تلقيتها ، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم ، وإن وجدتم في محاضرتي ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده ، أما إن لم تجدوا ما كنتم تتوقعون فحسبكم الله ونعم الوكيل .
من علم شابا علم واحدا ومن علم فتاة علم أسرة
أيتها الأخوات الفضليات ؛ قالوا : من علّم شاباً علّم واحداً ، ومن علّم فتاةً علّم أسرة، وفي بعض الآثار القدسية :
"أول من يمسك بحلق الجنة أنا - كما قال النبي الكريم - فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة ربت أولادها" .
لذلك حينما تتعلم الفتاة أصول دينها ، وتتعلم الثقافة التي لا بد منها ، تكون أماً في أعلى مستوى ، أي تربية الأولاد العمل الأول لهذه الأمة .
لذلك اُقترح الموضوع الذي سأعالجه و هو أن يكون موضوع الهجرة ، ولكن قبل أن أقول بعض الخواطر الإيمانية عن الهجرة ، أؤكد لكم أن الإنسان كائن متحرك ، هذه الطاولة فيما يبدو كائن سكوني ، أما إذا تعمقنا في الذرة فكل شيء متحرك ، لكن فيما يبدو للعين هذه الطاولة كائن سكوني ، أما الإنسان فكائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ حاجته إلى الطعام والشراب ، حفاظاً على وجوده كفرد ، وما الذي يحركه أيضاً ؟ حاجته إلى الشريك ، أنثى أو ذكر ، الفتاة تطمح بزوج صالح ، والشاب يطمح بزوجة صالحة ، هذه الحاجة الثانية التي تحركه ، والحاجة الثالثة مهمة جداً ، حاجته إلى تأكيد الذات ، إلى التفوق ، حاجةٌ إلى بقاء الفرد الطعام والشراب ، وحاجة إلى بقاء النوع الزواج ، والحاجة الثالثة حاجةٌ إلى بقاء الذكر التطور .

خصائص الإنسان :

وخلق الإنسان ضعيفا
الإنسان في خصائصه التي وردت في القرآن :

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء الآية:28]

يا رب لماذا خلقته ضعيفاً ؟ قال : ليفتقر في ضعفه ، فيسعد بافتقاره ، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته ، فشقي باستغنائه .

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء الآية:28]

أي مفتقر إلى الله ، والصحابة الكرام في معركة بدر افتقروا فانتصروا ، أما في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا .

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء الآية:28]

الضعف سرّ التفوق ، تشعر بضعفك فتتوجه إلى الله ، فيغنيك ، ويقويك ، فالإنسان خلق ضعيفاً كما ورد في القرآن الكريم :

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء الآية:28]

والإنسان خُلق عجولاً ، يريد الشيء السريع ، لكن حينما يختار الآخرة وهي شيء بعيد ، بعد الموت ، يرقى بهذا الاختيار ، حينما تختار الشيء السريع الذي بين يديك كي تستمتع به ، هذا سلوك متعلق بحاجة الإنسان إلى المتعة ، أما حينما يعرض الإنسان عن أي معصية ويطلب الآخرة ، وينتظر عطاء الله البعيد ، فهذا إنسان يرقى عند الله ، فخلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه ، فيسعد بافتقاره ، وخلق عجولاً كي يختار الآخرة فيرقى عند الله أنه اختار شيئاً يخالف ما جبل عليه .

العبادة علة وجود الإنسان على وجه الأرض :

الآن الآية الكريمة :

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[سورة النساء الآية:66]

معنى ذلك حب الوطن مركب في أعماق الإنسان حب الوطن مركب في أعماق الإنسان
فحينما يدعوه طلبه للعلم أن يغادر مكان ولادته فهو يرقى عند الله ، لذلك إذا حالت بيئة ما ، أو حال مجتمع ما ، أو حالت نظم ما ، بينك وبين سر وجودك ينبغي أن تغادر كي تحقق سرّ وجودك ، هذه الهجرة حركة من مكان إلى مكان ، لأسباب بالتعبير المعاصر إيديولوجيا ، لأسباب عقائدية ، لأسباب فكرية ، فالإنسان حينما يحول مجتمع ما بينه و بين مبادئه يهاجر كما حال مجتمع مكة بين النبي وبين أداء رسالته فهاجر ، لأن علة وجودك أن تعبد الله ، والدليل :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية:56]

علة وجودنا العبادة ، لكن أيتها الأخوات الفضليات ، أيها الأخوة الطلاب ، أيها الدكاترة الكرام ، علة وجودنا العبادة ، لذلك من أدق تعريفات العبادة ، أنها طاعة طوعية ليست قسرية ، الذي خلقنا ونحن في قبضته ، وحياتنا بيده ، وسعادتنا بيده ، ومن حولنا بيده ، والأقوياء بيده ، والضعفاء بيده ، ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة إكراه ، قال :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 256]

لكن أراد أن تكون العلاقة علاقة حب .

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[سورة المائدة الآية:54]

يحبهم ويحبونه
أراد أن تكون العلاقة فيما بينه وبين عباده علاقة ود .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[سورة مريم الآية: 96]

أراد الله عز وجل ونحن في قبضته أن تكون علاقتنا به علاقة حب ، وعلاقة ود هذا هو أصل الدين ، العلاقة بين العبد وربه علاقة محبوبية ، لذلك من هنا تأتي التربية الإلهية، الله عز وجل رب العالمين إن رأى عبده قد ضلّ سواء السبيل ، قد انحرف ، يسوق له من الشدائد ما يحمله بها على طاعته .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة الآية:21]

(( إني والإنسان والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتباغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ حديث قدسي ]

المصلي معافى من الهلع والجزع والمنع :

إذاً :

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء الآية:28]

الإنسان شديد الخوف
وخلق عجولاً ، وجعل الله حب مكان ولادته في أصل تكوينه ، ليكون للهجرة أجر كبير .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة المعارج الآية:19]

شديد الخوف ، وهذا الهلع الذي ركب في أصل خلقه نقطة ضعف فيه ، في أصل خلقه ، لكن كي تقرب إليكم : جهاز غال جداً ، كمبيوتر صناعي ، ثمنه بالملايين ، هناك قطعة اسمها الفيوز - وصلة ضعيفة - إذا جاء التيار أعلى مما ينبغي بدل أن يحترق الجهاز تسيخ هذه الوصلة فيسلم الجهاز ، فلذلك أحياناً يأتي الضعف في الإنسان لصالحه .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[سورة المعارج الآيات :19- 22]

المصلي معافى من الهلع والجزع والمنع ، لكن من هو المصلي ؟ الذي اتصل بقيوم السموات والأرض ، أي حينما قال الله عز وجل :

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه الآية:14]

معنى ذلك أن ذكر الله أكبر ما في الصلاة ، بل :

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية:152]

قال ابن عباس : "إن المسلم إذا صلى أدى واجب العبودية ، لكنه إذا ذكره الله - هنا الشاهد - منحه نعمة الأمن ، وهي أثمن نعمة على الإطلاق ، وهي من حق المؤمنين فقط" الدليل :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآيات: 81-82]

فلذلك الله عز وجل جعله هلوعاً ، وجعله جزوعاً ، وجعله منوعاً ، نقاط ضعف في أصل خلقه ، كي تعينه على الرجوع إلى الله والتوبة ، وتحقيق الهدف الذي أعد له .

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة و المكرم و المكلف :

ثم يقول الله عز وجل :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[سورة النساء الآية :147]

لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى في عالم الذر كما قال :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 72]

لأن الإنسان قبِل حمل الأمانة :

﴿َسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

[سورة الجاثية الآية:13]

ولا شك أنكم تعلمون علم اليقين أن المسخر له أكرم على الله من المسخر ، فالإنسان هو المخلوق الأول رتبةً ، وهو المخلوق المكرم ، المخلوق الأول الشاهد :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 72]

لأنه قبل حمل الأمانة كان المخلوق الأول ، وهو المخلوق المكرم :

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية:70]

وهو المخلوق المكلف ، مكلف أن يعبد الله ، والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فما عبد الله من أحبه ولم يطعه ، وما أحب الله من أطاعه ولم يحبه ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

الإسلام منهج تفصيلي :

إذاً :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية:56]

لكن العبادة التي يفهمها معظم الناس هي العبادة الشعائرية ، العبادة الشعائرية الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، والشهادة ، لكن الحقيقة كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر]

الإسلام منهج تفصيلي وليس فقط العبادات الخمس
فالإسلام شيء والخمس شيءٌ آخر ، الإسلام منهج تفصيلي ، لا أبالغ قد يصل إلى مئة ألف بند ، علاقتك مع من حولك ، مع والديك ، مع من يعلمك ، كسب المال ، إنفاق المال ، علاقاتك مع الآخرين ، مع الأقوياء ، مع الضعفاء ، أمور طويلة جداً ، لكن هذه البنود كلها أراد الله عز وجل أن تكون وسيلتنا إليه ، فعلة وجودنا في الأرض العبادة ، العبادة بالمنهج التفصيلي .
سيدنا جعفر قابل النجاشي قاله : حدثني عن الإسلام ؟ قال له :

((أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا – الآن دققوا العبادة التعاملية - بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب]

الحقيقة الدقيقة الدقيقة الدقيقة أن العبادات الشعائرية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، والدليل :

((يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة ، يجعلها الله هباء منثورا ، قيل يا رسول الله جلهم لنا ؟ قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

الصلاة :

(( مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

[ الجامع الصغير ]

الصيام :

((مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]

الحج :

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

[ورد في الأثر]

الصوم ، والصلاة ، والحج .
الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية:53]

الشهادة :

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال : أن تحجبه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

فالعبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها أصلاً إن لم تتوافر العبادة التعاملية ، وهذا ما يفتقد إليه المسلمون .

التفكر هو العبادة الأولى في الكون :

لذلك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت من التفلت من الآمر ، اعرف الآمر ، لذلك إذا عرفت الآمر كيف تعرفه ؟ تعرفه من آياته الكونية ، ومن آياته التكوينية ، ومن آياته القرآنية ، الآيات الكونية هي الكون ، والكون هو الثابت الأول : الكون هو الثابت الأول

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة يونس الآية :101]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[سورة عبس الآية:24]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[سورة الطارق الآية :5]

في القرآن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان ، وهذه الآيات ما مفادها ؟ عفواً تقرؤون آية بالقرآن فيها أمر هذه الآية تقتضي أن نأتمر بما أمر الله ، نقرأ آية فيها نهي هذه الآية تقتضي أن ننتهي عما عنه نهى الله ، هذه الآية فيها قصة نبي ينبغي أن نتعظ ، إلى آخره ، فإذا كان بالقرآن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان ، هذه الآيات ماذا تقتضي؟ تقتضي التفكر ، والتفكر هو العبادة الأولى . التفكر أقصر طريق لمعرفة الله

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية:190-191]

لأن هذه الآيات الكونية إذا تفكرت بها هي أقصر طريق إلى معرفة الله ، وأوسع باب ندخل منه ، لأن هذه الآيات الكونية تضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله .
أخواتنا الفضليات ، أخوتنا الكرام ؛ بين الأرض والشمس 156 مليون كيلو متر والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض ، الآن قال تعالى :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾

[سورة البروج الآية :1]

هناك أبراج بالسماء ، والأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً ، أحد هذه البروج برج العقرب ، بهذا البرج نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب ، الآن هيئوا أنفسكم لسماع هذه الحقيقة : قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟.

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـــــــــــــــــا فــــإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــــــــــا
ولــــــــــذ بحمانا واحتمِ بجنابنــــــــــــــــــا لـنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــــــــــــــــل وأخلص لنا تلقى المسرة والهـــــنـــا
****
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكـــــــــــن فــــما القرب والإبعاد إلا بأمرنــــــــــــــا
فيا خجلي منه إذا هو قال لـــــــــــــــي أيا عبدنا ما قرأت كتابنـــــــــــــــــــــــــــا؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جـــــــــرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا؟
* * *
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعــــــــاً وتنظـــــــــر ما جاء به وعدنـــــــــــــــــا؟
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــــــــــاً وما خالفوا في منهج الحب شرعنا
* * *
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمـــــــــــا وليت عنا لغيرنــــــــــــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــــــــا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا
ولو ذقت من طعم المحبـــــــــــــــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــا
* * *
ولــو نسمت من قربنا لك نسمـــــــــــة لمت غريبــــــــــاً واشتياقاً لقربنـــــــــــــا
فـما حبنا سهل وكل من ادّعــــــــــــــى سهولـــــتــــــه قلنا له قد جهلتنـــــــــــا
* * *

أخوتنا الكرام ؛ إذا عرفت الله عرفت كل شيء ، وإن فاتتك معرفة الله فاتك كل شيء.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء))

[ تفسير ابن كثير]

الهجرة حركة بدافع العقيدة :

الهجرة حركة بدافع العقيدة
الحقيقة الدقيقة أن الهجرة حركة ، لكنها حركة بدافع العقيدة ، فالمكان الذي يحول بينك وبين طاعة الله ينبغي أن تغادره .
مرة أخ من أخواننا الكرام يعمل في ألمانيا ، طبيب ناجح جداً ، قال لي : والله دخلي فلكي ، عنده بنت عمرها 12 سنة ، تقول له : أنتم ، يسألها : من نحن ؟ أنتم ، تلقت تعليماً بالمدارس ، نحن أمم متخلفة ، قال لي : والله أخدت قراراً بالرجوع إلى الشام ، وأن أدع الدخل الفلكي هناك ، والحياة الراقية جداً - المادية طبعاً - لأعود إلى بلدي لعل ابنتي بعد خمس سنوات تقول : نحن ، رجع من ألمانيا ، وترك دخلاً فلكياً .
إن لم يكن إبنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس
كنت أقولها بأمريكا - قصة قديمة - كان كلينتون رئيس الجمهورية كنت أقول لأخوتنا هناك : لو بلغت منصباً ككلينتون ، وثروة كأوناسيس ، وعلماً كأينشتاين ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
أي شعور قرة العين كما ذكر الله :

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾

[سورة الفرقان الآية:74]

لا يعادله شعور ، فأنا الآن كلما شاهدت أطفالاً صغاراً أقول للآباء : لم يبقَ في أيدي المسلمين الآن من ورقة رابحة إلا أولادهم ، فالبطولة أن نربي هذا الابن وهذه البنت على طاعة الله ، وبدأت محاضرتي من علّم شاباً علّم واحداً ، لكن من علّم فتاة علم أسرة .
فالهجرة حركة ، حركة أيديولوجيا ، حركة بدافع العقيدة ، حركة بطلب النجاة .

الصحوة الإسلامية في العالم :

جنات الغرب جحيم على المسلم
والله مرة كنت بأستراليا ، الحقيقة شيء لا يصدق ، قارة بأكملها عدد سكانها ثمانية عشر مليوناً ، بلاد جميلة ، خيرات وفيرة ، من خلال مغادرتي لأستراليا قال لي رئيس الجالية هناك وهو عالم كبير : قل لأخوتنا في الشام مزابل الشام خير من جنات أستراليا ، كلمة خطيرة، قلت له : ما معنى ذلك ؟ قال لي : الابن هنا في أستراليا يكون ملحداً أو منحرفاً ، أما أنتم في الشام فموضوع ثان ، أي الابن ابنك .
إنسان سافر إلى أمريكا ، وتمنى أن يتزوج من هناك ، فاستشار والده ، قال له إن تزوجت من هناك – من فتاة أمريكية - لست ابني ، ولن أعطيك شيئاً من الميراث ، هو أحبّ فتاة من هناك حباً جماّ ، بعد شهر بعث له رسالة قال له فيها : إن أسلمت هل تقبل ؟ قال له : لا يوجد مانع لدي ، أخد موافقته فكاد يطير من الفرح ، وافق والدي بشرط أن تسلمي ، اشترى لها عشرة كتب باللغة الانكليزية ، هي ذكية جداً ، طلبت منه إجازة أربعة أشهر ، لتقرأ الكتب بعيداً عن ضغوطه ، قرأت الكتب بعد أربعة أشهر - مضوا عليه كأربع سنوات - اتصل بها ، قالت له : لقد أسلمت - فاختل توازنه من الفرح - ولكنني لن أتزوجك ، لأنك بحسب ما قرأت لست مسلماً ، هي بأمريكا .
ببريطانيا إنسان يعمل أمام مسجد ، بمانشستر ، هو ساكن بلندن مع أصدقائه ، عنده سفر كل يوم ، مرة أعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، ردّ له التتمة ، عدّها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق ، وقع في صراع أن هذا المبلغ ليس له قيمة عند الشركة العملاقة الغنية ، وأنا طالب علم فقير بحاجة إلى المبلغ ، هل أرده أم لا ؟ دخل في صراع ، لكن الذي حصل بعد أن أراد أن يغادر المركبة مدّ يده لجيبه أعطى السائق العشرين بنساً ، هذه هي القصة كلها ، فابتسم السائق ، وقال له : ألست أمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله أنا قبل يومين حدثت نفسي أن أتعبد الله عندك في المسجد ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، وقع هذا الإمام على الأرض مغشياً عليه ، فلما صحا قال : يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً ، هذه قصة بلندن ، والأولى بأمريكا .
الثالثة بالشام : أحد أخواني مهندس كبير ، رجل من ميسوري أهل الشام ، أراد بناء مسجد في جنوب دمشق ، وجدوا أرضاً مناسبة جداً ، مربعة وأحد أضلاعها باتجاه القبلة صاحبها مستخدم بمدرسة ، ورثها من شهر ، عنده ثمانية أولاد ، دخله خمسة آلاف ، الآن امتلك أرضاً بأربعة ملايين ، أعطاه الغني شيكاً بمليونين ، قال له : أين البقية؟ قال له : عند التنازل ، فسأله : أي تنازل ؟ قال له : هذه الأرض سوف تغدو مسجداً ، تذهب معنا غداً إلى الأوقاف تقدم تنازلاً عنها فنعطيك الباقي ، قال له : سوف تصير مسجداً والله أنا أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتصير مسجداً ، أنا أولى أن أقدمها لك لوجه الله ، وأنتم داخلون على الشام المسجد على اليسار ، أعلى مئذنة مئذنته ، صاحب الأرض مستخدم بمدرسة ، دخله يكفيه خمسة أيام فقط ، امتلك أربعة ملايين فدفعهم ، قصة في الشام ، قصة في لندن ، قصة في أمريكا ، على كل أنا عندي تفاؤل كبير ورد :

((أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره))

[صحيح عن أنس]

((الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة))

[ البيهقي عن جابر]

وكما تعلمون هناك صحوة إسلامية في العالم العربي والإسلامي ، هذه من فضل الله علينا ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بما علمنا ، وأن يكرمنا .

أسئلة و أجوبة :

الأستاذ :
إذا كان هناك أناس هل من الممكن أن يسألوك فضيلة الشيخ خلال خمس دقائق ، تفضلي فرصة لنستفيد من وجود الشيخ معنا .
السائلة :
كم سنة استغرق من عمره حتى تعلم هذا الدين ؟

من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :

إذا أردت الدنيا والآخرة فعليك بالعلم
الدكتور :
والله أنا نشأت من صغري على طلب العلم .
الأستاذ :
الحمد لله ، نحن ذكرنا هذا في الصيغة الذاتية لفضيلة الشيخ .
الدكتور :
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل العالم عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
الأستاذ :
تفضلي .
السائلة :
دكتور متفائل بالدولة السورية أن تصير دولة إسلامية أم دولة علمانية ؟

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

التفاؤل من أخلاق المؤمن

الدكتور :
التفاؤل من أخلاق النبي الكريم ، أنا والله متفائل ، لأن الله عز وجل لا بد من أن يرحم هذه الأمة ، هذه رحمة الله عز وجل ، لأن كل شيء وقع بالقارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أراده الله ، ما معنى أراده؟ لا تعني أراده أنه أمر به ، و لا تعني أراده أنه رضيه ، لكن سمح به ، كيف ؟ طبيب تزوج ما أنجب أولاداً ، مضى على زواجه عشر سنوات ، ثم أكرمه الله بطفل في الجمال خارق ، تعلق به تعلقاً مذهلاً ، اكتشف أن معه التهاب زائدة ، هذا الأب الطبيب الذي يحب ابنه حباً جماً ، يسمح بفتح بطن ابنه لاستئصال الزائدة الدودية ، هذا معنى أراد ، لم يأمر ، ولم يرضَ ، فكل شيء وقع أراده الله ، لم يأمر به ، ولم يرضه ، لكن سمح به كما سمح الطبيب الأب أن يفتح بطن ابنه لإجراء هذه العملية ، كل شيء أراده الله وقع ، معكوسة ، إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، فالذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، بالكون لا يوجد شر مطلق ، هناك شر موظف للخير .

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

[سورة القصص الآية:4]

والفراعنة كثر .

﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص الآيات:4-6]

هذه الآية تنطبق على أي بلد مسلم يعاني ما يعاني ، قال تعالى :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة الآية:21]

والحقيقة المرة : ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة .
الأستاذ :
تفضلي .
السائلة :
ما أنواع اليقين؟

أنواع اليقين :

الدكتور :
الحقيقة أنا واقف أمام جدار ، وراؤه دخان ، أنا أقول : لا دخان بلا نار ، النار أنا لا أراها لكن أرى آثارها ، هذا يقين استدلالي عقلي ، هناك يقين حسي ، هذه باقة ورد صناعية، أراها بعيني ، إذاً عندنا يقين حسي ، ويقين عقلي ، واليقين الثالث اليقين الإخباري ، الله أخبرنا عن الآخرة ، أخبرنا عن أسمائه الحسنى ، أخبرنا عن الماضي السحيق والمستقبل البعيد ، هذه كلها آيات إخبارية ، الإخباريات متعلقة بالمخبر ، من المخبر ؟ أنا أريد سؤالاً منكم .

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾

[سورة الفجر الآية:6]

اليقين حسي أو عقلي أو إخباري
هل هناك واحدة منكن رأت ما حصل بعاد ؟ أبداً ، ما معنى هذه الآية ؟ قال : ينبغي أن تأخذ إخبار الله لك كأنك تراه ، من المخبر ؟ هو الله ، فهناك يقين حسي ، نحن والمخلوقات كلها سواء ، يقين حسي ، أي السمع والبصر ، الحواس الخمس ، أرى بعيني ، أسمع بأذني ، أتلمس بجلدي ، هذا اليقين الحسي ، هذا عادي جداً ، اليقين الثاني اليقين الاستدلالي العقلي ، مثلاً عندما أتكلم أنا صوتي أكبر من صوتي الطبيعي ، معنى هذا هناك مكبر صوت ، هذا يقين عقلي ، هناك جهاز تكبير صوت قطعاً ، من آثاره ، فالخلق يدل على الخالق ، والتربية تدل على الرب ، والتسيير يدل على المسير ، هذا يقين عقلي ، الإخباري الماضي السحيق ، المستقبل البعيد ، الذات الإلهية ، الله أخبرنا عن ذاته العلية ، فأنا أمام يقين حسي ، يقين عقلي ، يقين إخباري ، لذلك اليقين الإخباري ليس له دليل ، إلا أن الله أخبر به فقط ، فأنا أنصح أخواتنا الطالبات ألا يدخلن بنقاش باليقين الإخباري ، أنت حينما تؤمن بالله خالقاً ، مربياً ، مسيراً ، أسماءه حسنى ، وحينما تؤمن بكتابه المعجز ، الآن تؤمن بما أخبرك الله به ، فبين يقين حسي ، ويقين عقلي ، ويقين إخباري .
الأستاذ :
تفضل .
السائل :
كل إنسان يمر بمراحل بحياته ، كيف يحس أن هذه المرحلة ربنا يحبه فيها، حتى لو صار معه أشياء ليست جيدة ؟

الله عز وجل رحيم ودود يلقي في قلب من يحبه أنه يحبه :

الدكتور :
عفواً إذا حصّلت علامات عالية ورآها والدك ، هل من المعقول ألا يتكلم بأية كلمة؟ أي إذا أنت عملت عملاً طيباً الله يكافئك ، يلقي في روعك أنه يحبك ، قالوا : من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ، الله عز وجل ودود ، أنت تخطب وده ، تطيعه ، تبر والديك ، تكون صادقاً و أميناً مع الناس ، هل من المعقول الله عز وجل هذا الإله الرب العظيم لا يلقي في روعك أنه يحبك ؟
السائل :
هناك أناس ماذا تقول ؟ تقول : إذا أحبّ الله عبده ابتلاه ، الآن هناك أناس تقول : إن الله أعطاك هذه المصيبة لأنه يحبك ، أنا كيف أعرف إذا كان الله يحبني أم أن هذه المصيبة عقاب لي ؟

المصائب للإنسان المقصر ليرجع إلى الله :

الدكتور :
الفكرة دقيقة ، طفل بالصف الخامس قال لأبيه : لا أريد أن أدرس ، فأجابه والده : كما تريد ، هذا استيقظ في اليوم التالي الساعة العاشرة ، أكل خمس بيضات ، وراح إلى السينما، فوجد أنه أسعد طفل بالمدينة ، هذا كبر لا زوجة ولا بيت ، ورفاقه أطباء و مهندسون، وسيارات، ومكانة اجتماعية ، وهو بالطريق ، فقال لوالده : يا أبي عندما قلت لك لا أريد أن أدرس لماذا لم تضربني ؟ اسمعوا هذه الآية :

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ ﴾

[سورة القصص الآية:47]

الله يسوق للإنسان مصيبة عندما يكون مقصرا
من قبل أن نذل ونخزى ، فأنت عليك أن تعلم أن الله عز وجل يسوق للإنسان مصيبة عندما يكون مقصراً ، ويلقي في روعه أنها من أجل كذا .

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن الآية : 11]

إلى حكمتها ، فالتعامل مع الله سهل جداً ، الله ينتظرنا ، فإذا أخطأنا يعالجنا ، ومع المعالجة ، عفواً هناك أب يعاقب ابنه عقاباً شديداً و يبقى ساكتاً ، عليه أن يقول لك : ضربتك للسبب الفلاني ، الله يلقي في روع المؤمن أن هذه المصيبة من أجل كذا ، والمؤمن :

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن الآية : 11]

إلى حكمتها ، هناك معالجة دائمة .
الأستاذ :
تفضلي .
السائلة :
هناك فكرة ارتبطت بأذهاننا أن من تعرض لعدوان يجب عليه أن يدافع عن أرضه ، دكتور أنت نستخدم فكرة جديدة ، وتجعل الإنسان يغير من وجهة نظره أحياناً ، أن هناك غاية أكبر من الدفاع عن الأرض ، وهي الجهاد بالنفس ، فما هو ردك ؟ السؤال الأول .
السؤال الثاني ؛ في تفسير الآية :

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾

[سورة الكهف الآية : 29]

النار هنا التخيير أم التسيير ؟

أخطر عقيدة فاسدة في الدين هي عقيدة الجبر :

الدكتور :
لولا أن الإنسان مخير ، الدين ليس له معنى اطلاقاً ، من دون تخيير ليس للجنة والنار معنى ، ولا للثواب والعقاب ، لا شيء له معنى .

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف الآية : 29]

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

[سورة الإنسان الآية:3]

فإذا ألغينا الاختيار ألغينا كل شيء .
لامعنى للدين إن لم يكن الإنسان مخيرا
لو أجبر الله عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة - كلام سيدنا علي - إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .
أخطر عقيدة فاسدة في الدين عقيدة الجبر، أن تقول : إن الله خلقه كافراً ، ماذا يعمل ؟ خلقه كافراً ، الله قال :

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾

[سورة الأنعام الآية:149]

إنسان شرب خمراً بعهد سيدنا عمر ، فقال عمر : أقيموا عليه الحد ، فقال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ، عندما تلغي الاختيار التغى الدين كله ، عفواً هل من الممكن مدير مدرسة يبعث من عنده موظفاً للعقبة ، يأتي في اليوم التالي لا يجده فيعاقبه !! هو بعثه بمهمة يعاقبه !! غير معقول ، قال له : الله قدر عليّ ذلك ، قال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ، عندما تلغي الاختيار التغى كل شيء :

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا﴾

[سورة النحل الآية :53]

كلام من هذا ؟ كلام الشرك .

﴿وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة النحل الآية :53]

﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:148]

واضحة .
الأستاذ :
أعد السؤال الأول .
السائلة :
هل على الإنسان أن يدافع عن أرضه أم يجاهد نفسه ؟

الدفاع عن الأرض ضد العدوان :

الدكتور :
والله في العدوان يجب أن يدافع عن أرضه ، إذا كان هناك عدوان لا يحتاج المجاهد إلى استئذان أمه وأبيه ، هناك تعريف فقهي إذا عدو دخل أرضنا استئذان الأب والأم بالجهاد غير وارد اطلاقاً .
الأستاذ :
تفضلي سؤال واحد .
السائلة :
من أرادت شراء شيء هل تتكلم مع البائع أو تطلب منه أن يراعيها ؟

انضباط الكلام عند شراء السلع :

الدكتور :
اذا كان هناك أخت كريمة تريد أن تشتري شيئاً ، فكان سعره دينارين ، وجدت السلعة غالية فقالت للبائع : لماذا قلبك قاس علينا ؟

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 32 ]

مادام الكلام عادياً لا يوجد شيء إطلاقاً ، سعره ؟ شكراً ، ونمشي فقط :

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾

ممكن أن يكون هناك كلام ، لكن ينبغي أن يكون الكلام منضبطاً ، جاداً ، لا يوجد رخاوة بالصوت و لا تنغيم :

﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 52 ]

خاتمة و توديع :

الأستاذ :
الآن انتهى الوقت ، في نهاية هذا اللقاء الطيب المبارك نشكر فضيلة العلامة الداعية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على ما متعنا به من علم نافع ، وتوجيهات طيبة ، ونسأل الله أن تكون في ميزان حسناتنا وحسناته يوم نلقاه .
نشكر لكم حضوركم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS