8868
أحاديث رمضان 1435 – خواطر إيمانية - الدرس ( 02 ) : الحديث الشريف ( يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ... )
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-06-30
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

من آمن بالله العظيم تقصى طاعته واهتمّ بالخضوع لمنهجه :

أيها الأخوة الأكارم ، الحديث اليوم حديث أخرجه البيهقي في الشعب ، وابن عساكر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه : قال داود عليه السلام فيما يخاطب ربه : " يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال : يا داود أحبّ عبادي إليّ تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحبّ من أحبني ، وحببني إلى عبادي ، فقال : يا رب إنك تعلم أني أحبك ، وأحبّ من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي "
إذا آمنت بالله العظيم تقصيت طاعته
أي في الشرح ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، معنى ذلك أنه لا بد أن يكون في القلب مشاعر ثلاثة ، شعور التعظيم لله:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة 30-33]

إبليس آمن به ، الدليل :

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: 82 ]

إبليس آمن باليوم الآخر :

﴿ فأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة ص: 79 ]

لكن ما آمن بالله العظيم ، سكان الأرض تسعة مليارات لا أعتقد أن هناك نصف مليار إنسان يشك في وجود الله ، تقريباً معظم سكان الأرض يؤمنون بالله خالقاً ، لكن ما آمنوا به إلهاً عظيماً لذلك ما أطاعوه ، المشكلة أن تؤمن بالله العظيم لأنك إذا آمنت بالله العظيم تقصيت طاعته ، اهتممت بالخضوع لمنهجه ، أما إذا لم تؤمن بالله العظيم تفننت في معصيته ، فلذلك إذا عرفنا الآمر ثم عرفنا الأمر تفانينا في طاعة الآمر ، أما إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر .

الجمع بين الترغيب و الترهيب في الدعوة إلى الله :

إذاً : " أحبني ، وأحبّ من أحبني ، وحببني إلى عبادي فقال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحبّ من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ "
الداعية يجمع بحديثه بين الترغيب والترهيب
أي هذا منهج للدعاة ، لأي داعية ، يجب أن تلقي على أخوانك حديثاً يعظمون الله فيه ، وحديثاً آخر يحبونه ، وحديثاً ثالثاً يخافونه ، فالداعية الذي يأتي بالوعود الإلهية وحدها يجد أن الإنسان يبتعد عنه ، وإذا تحدث عن النار ، وعن ألسنة اللهب ، وعن الثعابين في القبر أيضاً نفرهم ، ينبغي أن تجمع بين الترغيب والترهيب ، سهل جداً أن ترهب فقط أو أن ترغب فقط لكن البطولة أن تعبد الله رهباً ورغباً ، أي تطمع في محبته ، وفي عفوه ، وفي رحمته ، وتخاف منه، والنقطة الدقيقة دائماً الوضع المتطرف سهل ، سهل ان تكون مع أولادك قاسياً لدرجة غير معقولة يخافونك ، وسهل أن ترخي الحبل فلا يعبؤون بكلامك ، لكن البطولة أن يكونوا في حالة يخافونك بقدر ما يحبونك ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن : 78]

تعظمه ذي الجلال ، وتحبه ذي الإكرام ، أن تجمع بين الحب والخشية ، هذا الكلام يحتاجه الأب والأم ، المعلم والمدرس ، وأي منصب قيادي في الأرض ، هؤلاء الذين حولك إن عاملتهم بقسوة بالغة قد تنفرهم ، أي الله عز وجل يخاطب سيد الأنبياء الإنسان الأول ، سيد الأنبياء والمرسلين الذي بلغ سدرة المنتهى ، قال له : أنت أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

أي مربي يجب أن يكون رحيما بمن يربيه
فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم والذي يوحى إليه إذا كان هذا الإنسان العظيم فظاً ، غليظ القلب ، لانفض الناس من حوله ، فكيف بإنسان ليس نبياً ولا رسولاً ولا مقرباً وغليظاً ؟ قال له : ولم الغلظة يا أخي ؟ أحدهم قال للآخر : سأعظك وأغلظ عليك ، قال له : ولم الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني ، أرسل موسى إلى فرعون وقال له : فقولا له قولاً ليناً ، أي هذا الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾

[ سورة طه: 43 -44 ]

فالغلظة ليست واردة في الدين إطلاقاً ، أنت لا تملك سلطة على الآخرين لكنك تملك سلطة المحبة بكمالك ، ولطفك ، وذكائك ، واحترامك للآخرين فيلتفون حولك :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

عظمة الله عز وجل في الكون :

إذاً : ذكرهم بآلائي .
أخواننا الكرام : شيء من بديهيات العلوم الفلكية أن الأرض تدور حول الشمس ، لكن هذا المسار ليس دائرياً ، لكنه بيضوي الأرض تدور حول الشمس بمدار اهليلجي
ومعنى مسار بيضوي أي هناك قطران ؛ قطر طويل وقطر قصير ، الأرض هنا تتجه إلى القطر القصير فإذا قلت المسافة ازدادت الجاذبية ، معنى ذلك لا بد من أن تنجذب الأرض إلى الشمس ، وحينما تنجذب الأرض إلى الشمس تتبخر في ثانية واحدة ، حرارة الشمس عشرون مليون درجة ، ، أحد الدعاة قال : يا بني صعدوا إلى الشمس - فكل الكلمات عن القمر - فقال له أحدهم : يا سيدي كيف ذلك ؟ لسان اللهب طوله مليون كيلو متر ؟ فقال له : صعدوا بالليل .
ذكرهم بآلائي ، هذه الأرض تدور حول الشمس في مسار اهليلجي ، فإذا اقتربت من القطر الأصغر ازدادت الجاذبية ، إذاً لا بد من أن تنجذب إلى الشمس وأن تتبخر في ثانية واحدة ، قال : هنا ترفع الأرض سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة ، فتبقى على مسارها، الآية الكريمة :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41 ]

والزوال هنا الانحراف ، لو أنها انحرفت نحو الشمس لانتهت الحياة ، أما إذا بلغت المنطقة الأخرى المعاكسة أضعف منطقة بالانجذاب ولم يكن هناك خفض للسرعة – لأنه ينشأ من خفض السرعة قوة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل - تفلتت الأرض في الفضاء الكوني ، وعندئذ تصبح الحرارة مئتين وسبعين تحت الصفر ، تنتهي الحياة ، تنتهي الحياة إذا انجذبت ، وتنتهي إذا تفلتت ، من هذا الإله العظيم الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ؟

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

هذا الإله العظيم يعصى ؟! هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــا فإنا منحنا بالرضا مـــن أحبنـــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنـــابنـــــــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنــــا
* * *

تذكير الإنسان بنعم الله عز وجل :

أخواننا الكرام ، ذكرهم بآلائي ، الآن ونعمائي ، هل تصدقون أن أقصر الخلايا في الإنسان عمراً زغابات الأمعاء ؟ عمر الخلية ثمان وأربعون ساعة ، أي كل ثمان وأربعين ساعة تتجدد خلايا الأمعاء كلها ، وأطول عمر خلية الخلية العظمية كل خمس سنوات

image

خلايا زغابات الأمعاء أقصر الخلايا عمرا عمرها 48 ساعة

فأنت تتجدد كلياً كل خمس سنوات ، تتجدد كلياً كل خمس سنوات قال : إلا الدماغ ، لو تجدد الأخ ماذا يشتغل ؟ كنت طبيباً ، كان طبيباً عندما صار تجديد خلايا الدماغ نسي كل معلوماته ، ثبات خلايا الدماغ وخلايا القلب ، القلب البحث فيه قريب وليس بعيداً، تبين لما زرعوا قلباً لإنسان تغيرت مشاعره ، تغيرت أذواقه ، كان يحب طعاماً معيناً فكرهه ، كان يحب موسيقى معينة بحسب مقاييسهم فكرهها ، تبدل جذري ، بعدما بدلوا القلب لسبعين إنساناً وجدوا أن الدماغ مركز المعلومات ، والقلب مركز المشاعر والأحاسيس
image

أطول الخلايا عمرا الخلية العظمية عمرها خمس سنوات

من بدل قلبه بقلب صناعي ما عرف أحفاده ، موضوع طويل ، هذا الموضوع أحدث موضوع في موضوع القلب ، القلب ليس مضخة فقط القلب فيه خلايا عصبية قدراتها خمسة آلاف ضعف عن خلايا الدماغ ، تفتح القرآن :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف: 179 ]

هذه الآية تنطبق انطباقاً تاماً على أحدث موضوع في موضوع القلب ، فلذلك ذكرهم بآلائي الكونية ونعمائي .

آيات الله عز وجل في جسم الإنسان:

قال : وبلائي ، أي في القلب ثقب بين الأذنين ما دام الطفل في رحم أمه
image

برحمة من الله يغلق ثقب بوتال بعد الولادة مباشرة كي لا يصاب الطفل بداء الزرق

لا يوجد في الرحم هواء ، هناك دورة صغرى إلى الرئتين ، الرئتان معطلتان في الجنين ، ما الذي يحصل؟ هناك ثقب بين الأذينين اكتشفه عالم فرنسي اسمه بوتال ، فالدم بدل أن ينتقل من البطين إلى الرئتين ليتجدد بالأوكسجين ويرجع ينتقل الدم من الأذين إلى الأذين عبر ثقب بوتال، لكن عند الولادة تأتي جلطة تغلق هذا الثقب لولا منعكس المص لما عاش إنسان على وجه الأرض
فالله يترك كل خمسمئة ألف ولادة ولادة واحدة فيها الثقب يبقى مفتوحاً ، اسمه داء الزرق ، الدم لم يعد يتجدد ، يستقرب من الأذين إلى الأذين ، فمن الأذين إلى الأذين إلى الرئة أسهل ، يكون الطفل لونه أزرق ، يعيش سنوات عديدة ويموت، هذا داء الزرق ، كم مليون طفل يولد فتأتي جلطة تغلق هذا الثقب ؟ هذه نعمة كبيرة يقابلها عملية جراحية عندنا في بلدنا تكلف خمسمئة ألف ، خمسمئة ألف من أجل عملية فتح قلب وإغلاق الثقب بين الأذينين ، كم نحن بنعم كبيرة .
شيء آخر الطفل الآن ولد يلتقم ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب ، عملية معقدة جداً ، هل هناك قوة في الأرض تعلم الطفل الذي ولد الآن كيف يلتقم ثدي أمه ويحكم الإغلاق ؟ العلماء سموا هذه العملية المعقدة بمنعكس المص ، ولولا منعكس المص ، لما كان هذا الدرس ، ولا كان هناك عمان ، لولا ثقب بوتال لما وجد هذا الدرس كله ، يا أخوان بالجسم شيء عظيم جداً .

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
***

اجتماع شعور التعظيم لله و الحب و الخوف معاً في قلب المؤمن :

الحديث :" أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال : يا داود أحبّ عبادي إليّ تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحبّ من أحبني ، وحببني إلى عبادي ، فقال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحبّ من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي " .
المؤمن يعظم الله ويحبه
ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، معنى ذلك أنه لا بد من أن يكون في قلب المؤمن شعور التعظيم لله ، وشعور الحب وشعور الخوف معاً .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS