3100
أحاديث رمضان 1436 ـ درر 1 ـ الحلقة الثالثة : الإيثار .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-06-20
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ بلال :

وتركي مواساة الأخـــلاء بالذي تنال يدي ظلـم لهم وعقـوق
وإني لأستحيي من الله أن أرى بحال اتساع والصديق مضيق
***

إنه الإيثار درة من درر الإسلام ، وصف ربنا جلّ جلاله مجتمع المؤمنين بمدينة رسول صلى الله عليه وسلم ، فقال :

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

المستوى الأول للإيثار أن تؤثر رضا الله على حظوظ نفسك
فهلموا بنا نتعلم الإيثار ونعيشه واقعاً في حياتنا ليغدو المجتمع المؤمن كلاً متماسكاً متكاتفاً فهيا بنا .
بسم الله ، الرحمن علم القرآن ، خلق الإنسان علمه البيان ، والصلاة والسلام على النبي العدنان وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، أهلاً وسهلاً بكم أخوتي المشاهدين أينما كنتم ، أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات ، وإلى لقاء جديد بصحبتكم ومع درة جديدة من درر الشريعة الإسلامية نحاور فيها كالمعتاد فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، حياكم الله .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم درتنا اليوم هي الإيثار ، والإيثار خلق إسلامي رفيع ، وفيه قوله تعالى في وصف المؤمنين :

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

وللإيثار مستويان كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى ، المستوى الأول من الإيثار أن تؤثر رضا الله على حظوظ نفسك ، كيف يؤثر المؤمن رضا الله عز وجل على حظوظ نفسه ومصلحته المتوهمة ؟

الإيثار :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
عندما تؤثر النوم على صلاة الفجر فقد آثرت مصلحتك على طاعة الله
أقرب مثل أن الإنسان حينما يأوي إلى فراشه وهو مرتاح ، والفراش دافئ ، والنوم عميق ، ويؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، فإذا آثر راحته وبقاءه في الفراش الوثير على طاعة الله في صلاة الفجر فقد آثر مصلحته وراحته على طاعة الله ، هذا الإيثار بالمفهوم العكسي ، أما إذا ألقى الغطاء عنه ووقف وتوضأ وصلى الآن ينام بعد الصلاة براحة نفسية عجيبة ، فالإنسان حينما يؤثر حظوظ نفسه على طاعة الله يبتعد عن الله ، أما حينما يؤثر طاعة الله على حظوظ نفسه فيتقرب إلى الله ، والمؤمنون من صفاتهم التي ذكرها القرآن :

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

طبعاً الإيثار مستويات كثيرة ، بين الأمر الإلهي وبين حظ نفسك ، أن تؤثر أمر الله على حظ نفسك ، وأنا أقول : ما من إنسان على وجه الأرض يؤثر طاعة الله على حظ نفسه إلا ارتقى وتألق وسعد في الدنيا والآخرة .
الأستاذ بلال :
ولعل الآية الكريمة :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

تخدم موضوع الإيثار ؟

من آثر حظ نفسه على النص القرآني فهو في حجاب عن الله :

من يؤثر نفسه على النص القرآني فهو في حجاب عن الله

الدكتور راتب :
تخدمه في الصميم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾

[ سورة التوبة : 24]

أي الطريق طويل ، ما دام الإنسان يؤثر حظه نفسه ، أو يؤثر شهوته ، أو يؤثر مصلحته على النص القرآني فهو في حجاب عن الله ، والطريق إلى الله طويل ، وقد لا يصل .
الأستاذ بلال :
ولعل ثمرة حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .

الفرق بين حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان :

الدكتور راتب :
الحقيقة كما تفضلت كلمة حلاوة الإيمان كلمة من كلام صلى الله عليه وسلم الفرق بين حقائق وحلاوة الإيمان كامتلاك صورة سيارة وامتلاك سيارة
فالإيمان له حقائق وله حلاوة ، حقائق الإيمان أن تقتني مصور لأحدث سيارة ، طبعاً التصوير رائع جداً ، ألوان السيارة ، الفرش الداخل ، الإطلالة من السيارة ، الطرقات في الجبال وهي تسير ، هذا كاتالوج صور ، أما أن تمتلك السيارة وأن تركبها فهذه حلاوة الإيمان ، يوجد معلومات ويوجد حلاوة :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ...))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أنا حينما أبقى بالمعلومات والخارطة والأبعاد والمسافات والمقاييس والصور، هذه حقائق ، أما حينما أسكن هذا القصر ، قد أقدم لك خارطة عن قصري ، البهو ثمانية بستة ، الحدائق ، الإطلالة ، البحيرات ، الورود ، الزهور ، غرف الاستقبال ، غرف النوم ، غرف المعيشة ، صور عن القصر ، فرق كبير وكبير وكبير بين أن أمتلك هذه الصور وبين أن أمتلك هذا القصر وأن أسكن فيه ، أنا أرى أن الصحابة ذاقوا حلاوة الإيمان فكانوا رهباناً في الليل فرساناً في النهار ، ذاقوا حلاوة الإيمان ، وصلت فتوحاتهم إلى مشارف الصين شرقاً وإلى مشارف باريس غرباً ، ذاقوا حلاوة الإيمان فكانوا أبطالاً ، وكانوا بين الأبطال مثلاً ، فحقيقة الإيمان شيء دقيق جداً ، أما إذا اكتفينا بمظاهر الإيمان ، اكتفينا بأشياء لا تقدم ولا تؤخر ، اكتفينا أن ننتمي إلى الدين انتماء شكلياً ، أن نعجب بالدين إعجاباً سلبياً ، ألا نجاهد أنفسنا وأهواءنا ، ألا نقيم الإسلام في نفوسنا أولاً ، وفي بيوتنا ثانياً ، وفي أعمالنا ثالثاً ، هذه العلاقة الشكلية مع الإسلام ليس لها ثمار يانعة لذلك تمل أحياناً لن نذوق حلاوة الإيمان إن كان انتماؤنا للدين شكليا
أما الذي يجعلك تتألق ، أنا أقول مثلاً من هو الشاب ؟ الشاب أي إنسان كانت أهدافه أكبر منه ، هدفه الله عز وجل ، فهو في شباب دائم ، ولو كان في التاسعة والتسعين ، لأن هدفه أكبر منه ، وأي إنسان ولو كان في الأربعين هدفه المال ، حصل المال ، ورث عن أبيه مالاً كثيراً ، فلما حصّل المال بعد موت والده هو انتهت سعادته كأنه شيخ بالمعنى السلبي ، فبين أن يكون هدفك أكبر منك فأنت في شباب دائم ، وأنا أقول لكم : المؤمن لا يشيخ شاب دائماً ، و بين أن يكون هدفك صغيراً و كأنك شيخ بالمعنى السلبي .
عندما يكون هدفك أكبر منك تسعى له فأنت في شباب دائم
أذكر مرة طرقت باب صديقي في العيد استقبلني والده ، قال : والله محمد غير موجود ، تفضل فدخلت إلى أن جاء صديقي حدثني والده بما يلي ، قال لي : عمري ثمان وتسعون سنة ، والبارحة أجريت تحاليل كاملة ، و الفضل لله كله طبيعي ! ثم قال لي : والله ما عرفت الحرام في حياتي ، لا حرام المال ، ولا حرام النساء . أنا ربطت بين هذه الصحة المتألقة في الثامنة والتسعين وبين هذا العمر المديد .
عالم آخر لما سئل عن هذه الصحة التي حباه الله بها وكان في السابعة والتسعين، وكانت قامته منتصبة ، وبصره مرهف ، وسمعه حاد ، وأسنانه في فمه ، وكان يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .
الأستاذ بلال :
بارك الله بكم أستاذنا الكريم وشكر لكم ، الآن أريد أن أنتقل إلى المحور الثاني ولكن الوقت قصير فأردت أن أتمم ما بدأنا به :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ... ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أريد الثمن الأول لأنه يتعلق بالإيثار .

من آثر طاعة الله على حظ نفسه كسب الدنيا والآخرة :

الدكتور راتب :
الأول :

(( ...أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.. ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أن يكون الله أي في قرآنه ، ورسوله أي في سنته ، أحب إليه مما سواهما ، متى؟ عند التعارض ، حينما تتعارض مصلحة الإنسان المتوهمه والمادية مع نص شرعي ويؤثر النص الشرعي ، وطاعة الله ورضوانه دفع ثمن حلاوة الإيمان .

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ...))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أنت تدفع ثمن حلاوة الإيمان عندما تؤثر إرضاء الله على إرضاء نفسك
أنا حينما أؤثر تطبيق النص الشرعي ، أؤثر إرضاء الله عز وجل ، أؤثر طريق الجنة على حظ نفسي من أي شيء ، أنا دفعت ثمن حلاوة الإيمان ، وحلاوة الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها ، تجعل الإنسان بطلاً ، تجعله متوازناً ، تجعله راضياً ، تجعله متألقاً ، تجعله ذا شخصية قوية ، تجعله أكبر من همومه كلها ، الإنسان أكبر من أكبر مشكلة إذا عرف الله وإلا فهو أصغر من أصغر مشكلة ، إما أن يكون أكبر من أكبر مشكلة أو أن يكون أصغر من أصغر مشكلة ، فلذلك الإنسان إذا آثر طاعة الله على حظ نفسه كسب الدنيا والآخرة .

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))

[الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]

الأستاذ بلال :
أستاذناهذا المفهوم الأول للإيثار وهو أن تؤثر رضا الله عز وجل على حظوظ نفسك ، لو انتقلنا إلى القسم التالي .
الدكتور راتب :
لكن لحظة من آثر طاعة الله على حظ نفسه ربح الدنيا والآخرة معاً ، ومن آثر مصلحته وحظه من الدنيا على طاعة الله خسر الدنيا والآخرة معاً .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم القسم الثاني من الإيثار أن أؤثر أخي في أمور الدنيا ، قبل أن نتحدث في أمور الدنيا ، هل هناك إيثار في الطاعات ؟ في القربات ؟ أن أؤثر أخي في قربة من الله عز وجل ؟

لا إيثار في الدين :

الدكتور راتب :
أبداً مستحيل ، أنا لا أقدم خدماتي لوالدتي أؤثر أخي بهذه الخدمات ؟ هذه مستحيلة ، لا إيثار في الدين ، لا إيثار في أوامر الله ، لا إيثار في طاعة الله ، لا إيثار في طريق الجنة ، لا يمكن ، ليس هذا إيثاراً هذا تنصلاً ، يعد تنصلاً وانسحاباً من أوامر الدين .
الأستاذ بلال :
بعض الناس نسأل الله العافية يبذلون الدين من أجل الدنيا .

المداراة و المداهنة :

الدكتور راتب :
الآن دخلنا في مصطلحين ؛ مصطلح المداراة ومصطلح المداهنة ، أنا حينما أبذل الدنيا من أجل الدين فأنا أداري ، بعثت لمداراة الناس ورد في الأثر النبوي ، أما حينما أضحي بحظي من الدين من أجل الدنيا ، حينما أبذل الدين من أجل الدنيا فهذه مداهنة ، وقال تعالى :

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾

[ سورة القلم : 9]

المداراة بذل الدنيا من أجل الدين والمداهنة بذل الدين من أجل الدنيا
المداهنة رذيلة والمداراة فضيلة ، فرق كبير بين المداراة وبين المداهنة ، المداراة بذل الدنيا من أجل الدين ، أما المداهنة فبذل الدين من أجل الدنيا ، فحينما يفتي الإنسان بفتوى ليس قانعاً بها أصلاً هو ، وليست في مرضاة الله أبداً ، لكن تقرباً من قوي ، هذه مداهنة :

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾

[ سورة القلم : 9]

الأستاذ بلال :
بارك الله بكم أستاذنا الكريم في محورنا الأخير أنتقل إلى مفهوم الإيثار الشائع وهو أصل من أصول الإيثار وهو أن أؤثر أخي في شيء من أمور الدنيا ، قال تعالى :

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

يصف مجتمع المؤمنين يوم آثر الأنصار المهاجرين بما يملكون ويقول له : هذا بيتي وهذا مالي وهذا وهذا إلى آخره ، أريد أن أتحدث عن هذا المفهوم .

إيثار الآخرين على النفس في أمور الدنيا :

الدكتور راتب :
هذا الذي ذكرته بارك الله بك له تتمة ، الصحابة آثروا المهاجرين بكل شيء ولكن الآخرين تعففوا تعففاً مذهلاً ، هذا نصف مالي ونصف بيتي ونصف حانوتي ، قال له : بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق . نحن إذا ذكرنا إيثار الصحابة للمهاجرين قد نغفل عن موقف المهاجر المتعفف لدرجة لا تصدق ، بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق. هذه الحياة جنة الأول يؤثر والثاني يتعفف ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة ، وفي متعلقات هذا اللقاء الطيب وأن تؤثر أخاك على ما تحب فهذه جنة .
الأستاذ بلال :

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

أستاذنا الكريم من ثمار الإيثار اليانعة تآلف المجتمع وتماسكه .

ثمار الإيثار :

الدكتور راتب :
الألفة ، والمودة ، والمحبة ، والصف الواحد الذي لا يخرق ، والتعاون ، والتناصح.
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم الإيثار قيمة عظمى ، ونحن جميعاً بحاجة إليها في مجتمعاتنا بدءاً بالبيت ، بعض الناس وبعض الآباء أو بعض المربين يظن أن من هيبته أو من مكانته ألا يتواضع أو يؤثر غيره في حظوظه ، ماذا نقول لهؤلاء ؟

المجتمع الذي يؤثر بعضه بعضاً مجتمع متماسك و محبّ :

الدكتور راتب :
والله نقول لهم : أنت حينما تؤثر الآخر وقد يكون قريباً تؤثره على حظ نفسك ترتقي عند الله وعند أخيك ، هذا المجتمع المؤمن مجتمع متماسك ، أحد أسباب التماسك الإيثار، أنا لا يمكن أن آخذ الشيء الذي يعجبني و أدع لأخي الدرجة الثانية ، أنا أفعل العكس دائماً ، أيضاً الذي يحصل أن الآخر يؤثرك أيضاً ، أنت حينما تؤثره هو يؤثرك بموضوع ثان ، تصور مجتمعاً يؤثر بعضه بعضاً ، هذا المجتمع متماسك لا يخرق ولا بشكل ، مجتمع محب : بالإيثار يصبح المجتمع المؤمن مجتمعا متماسكا

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ ، والمُتجالِسينَ فيَّ ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ ، المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور ، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

الأستاذ بلال :
بارك الله بكم أستاذنا الكريم ، إذاً أنا أؤثر أخي وهو يؤثرني ، أنا أؤثره وهو يتعفف كما كان وضع المهاجرين والأنصار يقول : بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق . وهذا من خلق الإسلام الرفيع ، أستاذنا الكريم هنا أذكر قصة رواها حذيفة العدوي ، قصة مشهورة ، يقول :

(( انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمِّي ، وَمَعِي شَنَّةٌ مِنْ مَاءٍ ، وَإِنَاءٌ ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ مِنَ الْمَاءِ ، وَمَسَحْتُ بِهِ وَجْهَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِهِ يَنْشَغُ , فَقُلْتُ لَهُ : أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ ، فَإِذَا رَجُلٌ , يَقُولُ : آهِ ، فَأَشَارَ ابْنُ عَمِّي أَنِ انْطَلِقْ بِهِ إِلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : أَسْقِيكَ ؟ فَسَمِعَ آخَرَ , يَقُولُ : آهِ ، فَأَشَارَ هِشَامٌ أَنِ انْطَلِقْ بِهِ إِلَيْهِ ، فَجِئْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ عَمِّي ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ ))

[الزهد والرقائق لابن المبارك عن حذيفة العدوي]

ما هذه الحالة التي كانوا عليها وهم في آخر لحظة من لحظات حياتهم ؟

من خلق الإسلام الرفيع إيثار الآخرين على النفس في كل شيء :

الدكتور راتب :
والله هذه الحالة أنا أعدها وسام شرف بحق هذه الأمة ، الإنسان وهو جريح وعلى مشارف الموت وفي أمس الحاجة إلى شربة ماء وهو في هذه الحالة الصعبة جداً يؤثر أخاه ، والأخ يؤثر أخاه ، والأخ يؤثر أخاه ، وماتوا جميعاً على أجمل طاعة لله عز وجل .
الأستاذ بلال :
مسك الخاتمة .

الفرق بين مجتمع المؤمنين و مجتمع المتفلتين :

الدكتور راتب :
أذكر مقابلها باخرة غرقت وركب بعض الناجين في قوارب ، كلما غفل أحدهم ألقوه في البحر من أجل شربة ماء .
الأستاذ بلال :
هذه أثرة .
الدكتور راتب :
بين مجتمع المؤمنين ، ومجتمع المتفلتين ، مسافة كبيرة جداً ، قال تعالى :

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1-2]

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
بارك الله بكم ، ونفعنا بما سمعنا ، وجعلنا إن شاء الله ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وأنتم أخوتي المشاهدين لم يبق لي في ختام هذا اللقاء الإيماني إلا أن أشكر لكم حسن المتابعة ، راجياً الله تعالى أن نلقاكم في حلقة جديدة من درر الشريعة ، وحتى ذلك الوقت أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS