7929
أحاديث رمضان 1428هـ - مقاصد الشريعة - الدرس (09- 27) : الإيمان باليوم الآخر-2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-09-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في المقاصد البعيدة لأركان الإيمان، ونتابع اليوم موضوع اليوم الآخر.

الإيمان باليوم الآخر:

1 – الإيمان باليوم الآخر يدفعك إلى بذل الجهد وخدمة الناس:

لقد بينت من قبل أنك إذا آمنت باليوم الآخر الإيمان الذي ينبغي فلا بد من أن تنعكس مقاييسك، فهناك إنسان يفرح أيّما فرح بالأخذ، وإن أيقنت باليوم الآخر تفرح أيّما فرح بالعطاء، لكن المقياس انعكس اليوم، وإن آمنت باليوم الآخر تفرح ببذل الجهد، وإن لم تؤمن الإيمان الذي فإنك ترى نفسك ذكياً إذا استهلكت جهد الآخرين، وقد كان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في سفر فأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم:

(( عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليها سلخها، وقال الثالث: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، سيد الخلق وحبيب الحق هو يخدم دائماً، قال: وعليّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك ذلك، فقال: أعلم أنكم تكفونني ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

المؤمن باليوم الآخر يفرح بالعطاء والذي لا يؤمن به يفرح بالأخذ
في بدر الصحابة كان ثلاثمئة وأربعة عشر رجلا، والرواحل قليلة، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

(( كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ كُلِّ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بَعِيرٌ، وَكَانَ زَمِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا لَهُ: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ، فَيَقُولُ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد ]

هو قائد الجيش، وزعيم الأمة، ورسول الله، ونبي الأمة، حبيب الحق، مع ذلك سوّى نفسه مع أقل جندي، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، ركب النبي عليه الصلاة والسلام، وانتهت نوبته في الركوب، وجاء دور أصحابه في الركوب، فتوسلا إليه صاحباه أن يبقى راكباً، فتعجب، قال:

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

2 – الإيمان باليوم الآخر يعكس مقاييس المؤمن:

إذا لم تنعكس مقاييسك مئة بالمئة يكون الإيمان الذي أنت عليه غير الذي ينبغي، والناس تَبَعٌ للأقوياء أو الأنبياء، فالأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا.
إيمانك بالله واليوم الآخر يجب أن يعكس مقاييسك مئة وثمانين درجة
دخل عمر بن الخطاب على النبي الكريم، وقد اضطجع على حصير أثّر في جنبه الشريف، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ:

(( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبهِ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَقَرَظٍ فِي نَاحِيَةٍ فِي الْغُرْفَةِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَالِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَلِكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا ؟ قُلْتُ: بَلَى ))

[ ابن ماجه ]

إذا لم تنعكس مقاييسك في كل شؤون الحياة مئة وثمانين درجة فإيمانك باليوم الآخر ليس كما ينبغي، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، بين أن تنطلق من العطاء أو أن تنطلق من الأخذ فرق كبير، بدل أن تكون في خدمة من حولك أو أن تكون مهيمناً على من حولك تبتز أموالهم وتنتهك أعراضهم فرقٌ كبير أيضا.

3 – الإيمان واليوم يمنعك من إيذاء المخلوقات:

لم يتلازم ركنان في القرآن كما تلازم الإيمان بالله واليوم الآخر
أيها الإخوة الكرام، ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم كالإيمان بالله واليوم الآخر، لأن بالإيمان بالله يحملك على طاعته، أما الإيمان باليوم الآخر فيمنعك أن تؤذي مخلوقاً بدءًا من نملة، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]

فما قولكم بما فوق الهرة ؟ ما قولكم بمن يدمر الشعوب، ويلقي عليهم القنابل الذرية ؟ ثلاثمئة ألف إنسان في هيروشيما فقدوا حياتهم في ثلاث ثوان بقرار.

4 – الإيمان واليوم ثابت بالعقل أيضًا:

لذلك أيها الإخوة الكرام، أغبى إنسان على وجه الأرض هو الذي يتوهم أن الإنسان يترك سدى بلا حساب، ففي الدنيا قوي وضعيف، غني وفقير، القوي سحق الضعيف، والغني استغل الفقير، وصحيح تمتع بصحة، ومريض عانى ما عانى، وتنتهي الحياة، ولا شيء بعد الموت ؟ هذا الذي قاله ابن القيم: " إن الإيمان باليوم الآخر ثابتٌ بدليل عقلي "، لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، وخَلقُ معجز، وهذا الإله العظيم الذي تظهر أسماءه الحسنى في خلقه أيعقل أن يظلم ؟ قال تعالى:

لا يضيع الله عملا مهما صغر

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾

( سورة النساء)

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) ﴾

( سورة الإسراء)

ولا تظلمون قطميرا، قال تعالى:

﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

( سورة الأنبياء)

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ (17) ﴾

( سورة غافر)

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ (70) ﴾

( سورة التوبة)

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾

( سورة القيامة)

لا تنتهي الحياة هكذا:

الأخ الأكبر يأخذ معظم التركة بحكم قوته وهيمنته، ويبقي إخوته الصغار بلا شيء، وتنتهي الحياة هكذا ؟
الموت ليس النهاية فلابد من حياة أخرى تسوى فيها الحسابات
الشريكان، شريك قوي، كل شيء باسمه، والثاني لا شيء باسمه، يأخذ معظم الأرباح، وهو مهيمن، وتنتهي الحياة هكذا ؟
زوج يتفنن بإذلال زوجته وإهانتها وضربها وسب أهلها ثم تنتهي الحياة هكذا ؟
معلم لا يعلم الناس، يمضي الوقت بلا فائدة، ويأخذ راتبه، وتمضي الحياة هكذا
قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)

مرة ثانية: إن آمنت باليوم الآخر الإيمان الذي ينبغي إن لم تنعكس انعكاسا مقاييسك كاملا فلا يكون إيمانك كما ينبغي، لذلك المؤمن بنى حياته على العطاء.

5 – أجر الآخرة أعظم فلا تطلب الأحر الدنيوي على العمل الصالح:

لكن للتقريب: لو أن ملِكًا كلف أستاذا أن يعلم ابنه، الملك عطاءه أقلّ شيء بيتٌ وسيارة الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله
لكن هذا المعلم أفُقه محدود جداً، مضت عشرة دروس، قال للابن: أين الأجرة ؟ قال: كم تريد ؟ قال له: ألف ليرة للساعة لواحدة، قال له: هذه عشرة آلاف، والملِك كان يريد أن يعطيه بيتا وسيارة، فأنت لما قبلت أن تأخذ أجرا على عملك الصالح معنى ذلك أن أفقك محدود جداً، ولو احتسبت هذا عند الله لوجد الأجر العظيم، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

( سورة البقرة)

أيّ مخلوق، هرة، كلب، إنسان تعرفه، أو لا تعرفه، من ملّتك، أو ليس من ملتك، من دينك، أو ليس من دينك، هذا عبدٌ لله عز وجل، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، هذا الدين دين إحسان لكل الخلق.

6 – لسانُ حالِ الناس تكذيبٌ باليوم الآخر:

أيها الإخوة الكرام، لأن الإيمان باليوم الآخر له مشكلة كبيرة، ليس في العالم الإسلامي كله إنسان يجرؤ أن يكذب باليوم الآخر بلسانه، لكن الشيء المؤلم أن سلوك الناس اليومي ينبئ أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، الذي يغتصب محلا، يغتصب شركة، يتفنن بظلم زوجته، يغش المسلمين، يحضر مواد غذائية لا تصلح للاستعمال البشري فيبيعها، هذا الذي يظن أن الله لا يحاسب، وأنه وذكي، هذا أغبى إنسان على وجه الأرض، قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾

( سورة البروج)

لذلك رأس الحكمة مخافة الله.

7 – الإيمان باليوم الآخر أكبر رادع للإنسان:

أيها الإخوة الكرام، بشكل صريح: ما من شيء يردع الإنسان كالإيمان باليوم الآخر، وهناك كلام يقال أنا أعتقد أنه لا معنى له، يقول لك أحدُهم: تربية بيتية، ضمير مسلكي، روادع أخلاقية، والحقيقة سوى الخوف من الله لا يردع، ويمكن للتربية البيتية أن تؤثّر على مستوى ألف أو ألفين إلى عشرة آلاف، أما على مستوى عشرة ملايين فمستحيل.
الإيمان بالله واليوم الآخر أكبر رادع للإنسان
إن معامل الأسمنت كلما طبخت طبخة تصب في مكعبات، وهناك جهاز يمسك المكعب من أعلاه وأسفله، وثمة كفة توضع فيها أثقال، على أي وزن يكسر في وزن يكسر، الإسمنت قوة صموده أمام الضغط عالية جداً، والسنتمتر المكعب يتحمل خمسمئة وخمسين كيلوا فوقه، أما على قوى الشد فعلى خمسة ونصف كيلو يقع، وكل مؤمن عنده درجة ينهار بها حسب إيمانه، وأحيانا يتعفف الإنسان عن شيء بسيط، لكنه فينسى من أجله مبادئه وقيمه من أجل عن الشيء الكبير جداً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ﴾

( سورة المؤمنون)

الخوف من الله أكبر رادع، هو الرادع الحقيقي:

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

ما مِن حل لصلاح الدنيا إلا بالإيمان باليوم الآخر.
أضرب مثلا آخر:
الذي يتصور العدل الإلهي دائما هو المستقيم حقا
لو أن إنسانا سافر إلى بلد مجاور، وفي هذا البلد المجاور حرية اقتصادية بالغة جداً، وبضائع رخيصة جداً، وممتازة جداً، والبلد الأول الذي كان فيه تكتنفه صعوبات اقتصادية كبيرة، هذا المواطن انتقل من بلد إلى بلد، في أثناء المغادرة وجد تفتيشا لا يحتمل، كل شيء يملكه المسافر العائد يفتش، وعليه غرامات كبيرة جداً، فلا يتساهلون في شيء، عندما وصل إلى البلد الذي فيه رخاء اقتصادي كلما شاهد حاجة جيدة وسعرها معقول ورخيصة جداً قال: أريد أن أشتريها، لكن لا يمكن أن تدخل إلى بلدي لأن عليها غرامة مالية، كلما قرر أن يشتري حاجة يتذكر كيف كان يحاسب المواطن في الحدود، هذا حال المؤمن ؛ كلما أراد أن يفعل شيئًا يتذكر حساب الله عز وجل، لذلك هذا الذي يتصور العدل الإلهي مستمراً ودائماً هو المستقيم.
سألوا طالبا أحرز الدرجة الأولى في الثانوية: بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي لحظة، والإيمان باليوم الآخر قبل أن تقول كلمة تسأل: يا ترى هذه الكلمة سأحاسب عليها ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

مسلم والترمذي، واللفظ للترمذي ]

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ:

(( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[ الترمذي]

(( وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

حينما تؤمن بالله واليوم الأخر فإنك تفكر مليا قبل أن تظلم مخلوقا مهما صغر
حينما تؤمن باليوم الآخر فإنك تفكِّر مَلِيًّا قبل أن تظلم مخلوقا قبل أن تدوس على نملة، قبل أن تجيع هرة:
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]

والله عز وجل قال عن ذاته العلية:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾

( سورة البروج)

لذلك مَن هو الأحمق ؟ الذي لا يخاف من الله.
مرة قال لي طالب أرعن: أنا لا أخاف من الله، سبحان الله ! الله ألهمني جوابا، قلت له: أنت بالذات معك حق، قال: كيف معي حق ؟ قلت له: يا بني، الفلاح عنده ابن صغير عمره أربع سنوات يأخذه معه إلى حقل القمح، فيضعه بين القمح، فيمر ثعبان فلا يخاف منه، لأنه لا إدراك له فلا خوف عنده، فمِن أين يأتي الخوف ؟ من الإدراك، قلت له فلما يعرف الإنسان الله، يعرف أن عنده ورما خبيثا، وفشلا كلويا، وتشمعَ الكبد، وخثرة بالدماغ، وشللا وعمى، وأمراضا وبيلة، حينئذ يخاف، وكل هؤلاء العباد عباده، والله كبير.
والله أيها الإخوة، كلمة كبير لا أرتوي منها، إياك أن تغلط مع مخلوق، إياك أن تظلم مخلوقا، إياك تظلم صانعا.

ازدواجية المعايير عنصرية وظلمٌ:

قال لي أحدُهم: عندي صانع يتيم ترجاني كثيرا أن يخرج من العمل قبل الدوام بساعة ليلتحق بمدرسة ليلية، ليأخذ شهادة الكفاءة، فما سمحت له، لأنه عندما يتعلم يهرب، ثم قال: ووضعت لابني مليون ليرة من أجل دروس خاصة ليصبح طبيبا، اتق الله فإنه سوف يحاسبك على هذا اليتيم إذا لم يتعلم، وابنك تريده طبيبا، هذا رجل عنصري، وكل إنسان يرى لنفسه ما لا يرى للآخرين فهو عنصري.
العنصري هو الذي يرى لنفسه ما لا يراه للآخرين
إذا رأى الزوج أن مِن حقه أن يستهزئ بأهل زوجته، وبأم زوجته، وبكل شيء يمس بزوجته، وإذا تكلمت الزوجة حرفا واحدا عن أمه وأبيه يسحقها، هذا عنصري.
إذا لم يَقبل الأب أن تُعامَل ابنتُه كما يعامل زوجة ابنه في البيت فهو عنصري.
إذا كان عند صاحب المحل ابنٌ، وعنده موظف في مشتركة مع ابنه، فإنه يحمِّل الشاب الموظَّف ما لا يطيق، وإذا حمل ابنه شيئًا يخاف عليه، هذا عنصري، والعنصرية شيء خطير جداً، وهي صفةٌ لإنسان أحمق يرى لنفسه ما ليس للآخرين، هذا حتى في الزواج، قال تعالى:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (228) ﴾

( سورة البقرة: من الآية 228)

النجاح أن تبني حياتك على العطاء
ما لم تكن إنسانياً فالطريق إلى الله ليس سالكاً.
أيها الإخوة الكرام، إذا آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس مقاييسك مئة بالمئة، ترى أن العطاء هو الفوز، والنجاح أن تبني حياتك على العطاء، وأحد أكبر خصائص حياة الإنسان أنه أعطى:

﴿ فَأَمّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى ﴾

والثاني بخِل:

﴿ وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾

[ سورة الليل ]

هناك إنسان يرى الذكاء والتفوق والنجاح في العطاء من جهده، من وقته، من علمه، من ماله، من كل شيء وهبه الله إياه، وهناك إنسان يرى الذكاء والتفوق في الأخذ، يقول لك: هذه بيعة غشيم، رفعت السعر خمسة أضعاف وما شعر، يظن نفسه ذكيا، وهو أغبى الأغبياء، لأنه الحساب أمامه ينتظره.

ما نسبة الدنيا إلى الآخرة ؟

أيها الإخوة الكرام، الآن ما نسبة الدنيا إلى الآخرة ؟ اطّلع على مدينة ساحلية، واركب مركبا، واسحب إبرة، واغمسها في مياه البحر، وأرجعها، ووازِنْ بنسبة دقيقة كم نقص البحر من مياهه، ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر.
لايمكن مقارنة الدنيا الفانية بالأخرة الأبدية
تصور رقم ( واحد ) في الأرض، و( أصفار ) إلى الشمس، وكل ميليمتر صفر، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر، وضع المخرج لا نهاية، القيمة صفر، أي رقم مهما يكن كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، فلذلك الدنيا ليست بشيء، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي ]

قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

( سورة الأنعام)

بالمناسبة، أيها الإخوة، لا يليق بكرم الله أن يعطي عطاءً ينقطع بالموت، هذا ليس عطاء، قد يكون ثمنُ بيت مئة وثمانين مليونًا ثمنه هذا مثوى مؤقت ثمنه لأن بعده الموت، وفي النهاية المصير الأولي إلى القبر، إذاً: هذا البيت ليس عطاءً، والثروة الكبيرة جداً المقدَّرة بتسعين مليارَ دولارٍ لا شيء، لأنه الإنسان سيموت، فليست الدنيا عطاءً، لأنها تنتهي بالموت، فلا تعدها عطاءً يليق بكرم الله، عطاء الله عز وجل أبدي، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾

( سورة ق)

كل ما ينتهي تملكه بالموت ليس بعطاء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ... ))

[ متفق عليه ]

مرة ثانية: ما في ركنين من أركان الإيمان تلازما كركن الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن الإيمان بالله به تستقيم على أمره، أما الإيمان باليوم الآخر فيمنعك أن تؤذي مخلوقاً ولو بكلمة.

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

مسلم والترمذي، واللفظ للترمذي ]

مرة قال أحدهم لشخص: لقد اغتبتني ! فقال له: ومَن أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك.
المؤمن يؤمن يقيناً أنه إذا اغتاب إنساناً أخذ سيئاته، وهذه مشكلة كبيرة.

مِن النعم اتصّالُ نِعمِ الدنيا بِنِعم الآخرة:

من النعم اتصال نعم الدنيا بنعم الآخرة
أيها الإخوة أنا أسأل الله عز وجل لكم جميعاً أن يجعل نِعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة، إنسان يعيش بصحة، بمكانة اجتماعية، بحبوحة، عنده أولاد أبرار، عنده بنات مؤمنات تقيات صالحات، عنده أصهار جيدون ما عنده مشكلة في حياته، وهذا شيء جميل، لكن البطولة أن يموت وينقلب إلى نعيم عند الله عز وجل.
والله أنا إذا أحببت إنسانا حباً جماً دعوت له بهذا الدعاء، أقول له: أسأل الله أن يجعل نعم الدنيا التي أنت فيها متصلة بنعم الآخرة، قال تعالى:

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ﴾

( سورة يس)

الخسارة الحقيقية خسارة الآخرة:

أيها الإخوة الكرام، لذلك الخسارة الحقيقية أن تخسر الأبد، والإنسان قد يخسر محلا تجاريا، يخسر شركة، يخسر بيتا بسبب تنظيم، أعطوه عُشر قيمته، هذه خسارة، سيدنا الصديق نتعلم منه أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط، فالخسارة الحقيقية خسارة الأبد، وأكبر دليل الآية الكريمة: الخسارة الحقيقية خسارة الآخرة

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾

( سورة الأنفال)

العبرة لمن يضحك آخراً، لأن مَن ضحك أولاً ضحك قليلاً، وبكى كثيراً، ومن ضحك آخراً ضحك ضحكاً طويلاً، وانقلب إلى جنة الله عز وجل:

﴿ فَالْيِوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) ﴾

( سورة المطففين )

حينما يولد الطفل يكون كلُّ مَن حوله يضحك، وهو يبكي وحده، فإذا وافته المنية كان كلُّ مَن حوله يبكي إذا كان محسنا، وإلا فإنهم يضحكون، فإذا كان بطلاً فليضحك وحده، لذلك قالوا: الموت تحفة المؤمن الموت، وعرس المؤمن:

(( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

التكذيب العملي أخطرُ من التكذيب القولي:

أيها الإخوة الكرام، أنا أتصور مقياس الإيمان، فالمؤمن فضلاً عن إيمانه بالله خالق السماوات والأرض الإيمان الحقيقي في اليوم الآخر، والتعامل الحقيقي مع اليوم الآخر، لكن هناك تكذيب عملي.
التكذيب العملي أخطر ألف مرة من التكذيب القولي
مثلاً: زرت طبيبا، وأعطاك وصفة، فأعطيته الأتعاب، وصافحته، وأثنيت على علمه وشكرته، ومشيت، لكن ما لم تصدق أنه طبيب ماهر، وما لم تشترِ الدواء، وفي بالك أن ترى طبيبا آخر، فإنّ كل كلمات الشكر، والثناء والمودة، ومصافحتك له لا تنفع، لأن الدواء ما اشتريته، فأنت كذبت بعلمه، فالتكذيب العملي أبلغ من التكذيب القولي، ولا أحد في العالم الإسلامي يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن عملياً كل إنسان يأكل مالا حراما يكذب بالآخرة، كل إنسان يظلم إنسانا يكفر بالآخرة، هذا التكذيب العملي أخطر ألف مرة من التكذيب القولي.
أنا لا أخشى من إنسان صريح وواقعي، وأحبَّ أن يبني إيمانه على الأدلة، فقال: أنا أريد أدلة قطعية على اليوم الآخر، لا مانع، أنا أحترمه كثير، لكن مَن هو المنافق ؟ الذي يقول: الله يسترنا، الله يرحمنا، وفي سلوكه اليومي، وأعماله كلها سيئة، فلذلك أخطر شيء فيما يتعلق باليوم الآخر أن تكذب تكذيباً عملياً، لأن التكذيب النظري يناقش، يحاور، يؤتى له بالدليل والبينة، أما التكذيب العملي فلا يمكن فيه النقاش والحوار، وهو يرتكب الفواحش والموبقات، ويأكل المال الحرام، ويكفي أن تغش المسلمين حتى تكذب باليوم الآخر تكذيبا عمليًّا، يكفي أن تعطي صفة للبضاعة ليست فيها أن تكون مكذِّبًا باليوم الآخر، يكفي أن تأخذ ما ليس لك لتكذب باليوم الآخر، فالذي يؤمن باليوم الآخر يستقيم على أمر الله تماماً، وهذه قضية مهمة جداً في الدين، فما لم تستقم على أمر الله فلن تقطف من ثمار الدين شيئاً
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS