20808
خطبة الجمعة - الخطبة 1202: خ 1- الإنسان هو المخلوق الأول عند الله ، خ2- توجيهات النبي والتفكر في خلق الله .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-04-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا imاللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم age
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين . اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العاقل من يعمل لما بعد الموت :

أيها الأخوة الكرام ؛ قيل من عرف نفسه عرف ربه ، فمن أنت أيها الإنسان ؟ العاقل من يعمل لما بعد الموت
تأكل وتشرب وتتزوج وتنجب ولك عمل وعندك مهمات ، لكن ما حقيقتك ؟ ما مرتبتك بين المخلوقات ؟ لماذا خلقت ؟ هذه أسئلة كبرى ، هذه كليات الدين ، نحن في معظم الأحيان نغرق في جزيئات الحياة ، أكلنا وشربنا وتزوجنا وأنجبنا وزوجنا أولادنا ثم ماذا ؟ ماذا بعد الحياة ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا في القبر ؟ ماذا في البرزخ ؟ ماذا في الآخرة ؟ هذه أسئلة كلية ، لذلك قالوا : ما كل ذكي بعاقل ، الذكاء متعلق بالجزئيات ، فقد تحمل أعلى شهادة دكتوراه في الفيزياء النووية ولأنك ما عرفت الله أنت لست بعاقل ، الجزئيات شيء والكليات شيء ، الكليات متعلقة بفلسفة وجودك ، بهويتك ، من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ ما الموت؟ ماذا بعد الموت ؟ ما الجنة ؟ ما النار ؟ ما الآخرة ؟ ما حقيقة هذا الكون ؟ من خلقه؟ لماذا خلقه ؟ هذه كليات الدين ، فالذي يغرق في الجزئيات يغرق في شيء تافه ، إذا جاء الموت أنهى كل شيء ، الموت ينهي الغنى والفقر ، ينهي القوة والضعف ، ينهي الذكاء والغباء ، ينهي الوسامة والدمامة ، الموت ينهي كل شيء ، ما الذي يبقى بعد الموت ؟ هذا هو العقل أن تعمل للنهاية ، أن تعمل لما بعد الموت .

الإنسان هو المخلوق الأول عند الله :

لذلك أيها الأخوة ؛ الإنسان هو المخلوق الأول عند الله
الشيء الدقيق والأساسي في هذا اللقاء الطيب أن الإنسان هو المخلوق الأول عند الله ، لأن الله عز وجل حينما عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال في عالم الأزل أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ، قال : يا رب أنا لها ، فلما قبِل الإنسان حمل الأمانة سخر الله له ما في السموات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم ، موقف المؤمن من تسخير التعريف أن يؤمن ، موقف الإنسان من تسخير التكريم أن يشكر ، أنت إذا آمنت بالله خالقاً ورباً ومسيراً ، أسماؤه حسنى ، صفاته علا ، واتبعت منهجه وعبدته تستحق الأبد ، وأنت مخلوق للأبد ، لست مخلوقاً لسنوات محدودة ، مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .


طلب العلم فرض على كلّ مسلم :

أنت مخلوق للجنة ، فالذي ظنّ أنه مخلوق للدنيا أكبر خاسر ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الزمر: 15 ]

طلب العلم فرض على كلّ مسلم
أن تأتي إلى الدنيا ، وأن تظن أن المال هو كل شيء ، أو أن الشهوة هي كل شيء، أو أن المكانة هي كل شيء ، وتغادر هذه الدنيا ، وقد غفلت عن سرّ وجودك وغاية وجودك ، أنت أكبر خاسر .
فلذلك طلب العلم فرض على كل مسلم ، ليس وردة أتزين بها ، العلم هواء تستنشقه فإن لم تستنشق العلم فأنت ميت ، دققوا في آيات دقيقة جداً تصف الذي أعرض عن ذكر الله ، قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل : 21 ]

عند الله ميت ، قال تعالى :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5 ]

الإنسان بالإيمان حي ومن دون إيمان ميت
أوصاف القرآن الكريم لمن أعرض عن ذكر الرحمن ، فالقضية ليست شيئاً ثانوياً نتزين به أو لا شيء مرتبط بوجودك ، مرتبط بعلة وجودك ، مرتبط بغاية وجودك ، مرتبط بمستقبلك في الدنيا والآخرة ، فالبطولة أن نعرف الله .

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء إليك ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]

أخوتي الكرام ؛ الإنسان هو المخلوق الأول من بين جميع المخلوقات ، والدليل قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

على الإطلاق فوق الملائكة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

بين أن تكون فوق الملائكة وبين أن تكون دون الحيوان ، أن تعرف الله ، معرفة الله مرة ثانية ليست وردة تتزين بها ، هواء تستنشقه ، أنت بالإيمان حي ، من دون إيمان ميت ، قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل : 21 ]

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
***

الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك :

الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك
أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، فإذا غذيت عقلك بالعلم ، بحثت عن الحقيقة ، بحثت عن كليات الحياة ، بحثت عن سرّ وجودك ، عن غاية وجودك ، عن علة وجودك ، عن مصيرك ، بحثت عما بعد الموت ، بحثت عن الجنة والنار ، حققت الهدف من وجودك ، فإذا غفلت عن هذه الأشياء وقعت في شر كبير ، الآية الدقيقة جداً :

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

أنت عقل يدرك ، غذاؤه العلم ، وقلب يحب ، غذاؤه الحب ، وجسم يتحرك ، غذاؤه الطعام والشراب .

الإنسان خاسر لأن مضي الوقت وحده يستهلكه :

وأنت في الأدق الأدق بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، أنت إذاً زمن ، أنت زمن ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن ، فقال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

الإنسان خاسر لأن مضي الوقت وحده يستهلكه
العصر مطلق الزمن .

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

إله يقسم لك أيها الإنسان وفي جواب القسم شيء ينخلع له القلب ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ِ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

ما معنى في خسر ؟ أن مضي الوقت وحده يستهلكك ، قبل أن تقول : مؤمن وغير مؤمن ، أول عقد عشر سنوات ، ثاني عقد ، الثالث ، الرابع الأوج ، الخامس فيه متاعب صحية، السادس متاعب أكثر بعد ذلك تأتي النعوة .
المؤمن خطه البياني صاعد بعد الموت أما الخاسر يأتي الموت يرجعه للصفر
معترك المنايا بين الستين والسبعين ، هل يستطيع إنسان أن يقول : أنا لا أموت ؟ هل يقدر إنسان أن يستيقظ كل يوم كاليوم السابق ؟ أبداً هناك موت ، هذا الموت ماذا أعددنا له؟ هنا الذكاء ، ليس الذكاء في جمع الأموال ، الأموال تنتهي مع وقف دقات القلب ، القلب ينبض إذا توقف القلب بناء مئة طابق ليس لك ، تنتهي الملكية ، الأراضي والعمارات والشركات والمكانة الاجتماعية والمناصب كل هذا منوط بضربات القلب ، توقف القلب انتهى كل شيء ، وكأن الإنسان في خط بياني صاعد ولد ، دخل المدرسة ، تخرج ، نال ليسانس ، توظف ، تزوج، أنجب أولاداً ، خط صاعد ، يأتي الموت يرجعه إلى الصفر ، كل شيء جمعه الإنسان بثمانين سنة يخسره في ثانية واحدة مع وقف ضربات القلب ، إلا المؤمن خطه البياني صاعد بعد الموت ، والصعود مستمر بل إن موت المؤمن نقطة على خطه البياني الصاعد ، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم اجعل نِعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة ".
تمتع بالدنيا بصحة طيبة ، وأهل أطهار ، وأولاد نجباء ، ومكانة اجتماعية ، جاء ملك الموت إلى الجنة ، اللهم اجعل نِعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة ، والآية تقول :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

جنة في الدنيا وجنة في الآخرة ، الجنة في الدنيا كما قال بعض العلماء هي جنة القرب ، أحد كبار العلماء يقول : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة .
لمجرد أن تعرف الله أنت أسعد الناس حياً وميتاً ، غنياً وفقيراً ، قوياً وضعيفاً ، صحيحاً ومريضاً .

أركان النجاة :

أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان بضعة أيام ، لأنه بضعة أيام أقسم الله له بالزمن ، والزمن هو العصر وجاء جواب القسم :

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر:2]

أركان النجاة هي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر
إلا أن رحمة الله في إلا ، حرف استثناء :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

أربعة أشياء سماها الإمام الغزالي أركان النجاة ، لذلك ورد في بعض الآثار النبوية: " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ".
بطولتك ، تفوقك ، ذكاؤك ، توفيقك ، نجاحك ، فلاحك ، أن تزداد علماً وقرباً مع مضي الأيام والليالي ، فذلك هذه الجنة :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

شيء ما رأيته في حياتك ، ما لا عين رأت ، أنت مثلاً زرت عشرين دولة في العالم لكن يوجد مدينة بألاسكا ما زرتها سمعت بها :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

هذه الجنة التي عرضها السموات والأرض نزهد بها ؟ لا نسعى إليها ؟

طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً :

أخواننا الكرام ؛ من هو الله ؟ خالق السموات والأرض ، أقرب نجم إلى الأرض ملتهب يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الدقيقة ضرب ستين ، بالساعة ضرب ستين ، باليوم ضرب أربع وعشرين ، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، ضرب أربع سنوات طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً
هذا الرقم رقم كيلو متري ، لو أردنا أن نصل إليه بسيارة لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ، خمسون مليون عام من أجل أن نقطع أربع سنوات ضوئية ، بعد الأرض عن نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية ، بعد الأرض عن مجرة المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية ، بعض المجرات الحديثة أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية ، اقرأ قوله تعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

لو تعلمون ؟ إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
أخواننا الكرام ؛ مرة ثانية : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ما معنى فريضة ؟ للتقريب ، تنفس الهواء فريضة على وجودك ، فإن لم تتنفس خسرت وجودك ، أنت وجودك بالإيمان ، وجودك بالإسلام ، وجودك بمعرفة الواحد الديان ، هذا وجودك ، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء ، تأتيك الدنيا عندئذ وهي راغمة ، إن لم تقل كمؤمن ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني ، عندك مشكلة بإيمانك ، لأنك مع من ؟ مع الخالق ، مع القوي ، مع العزيز، مع الرحيم ، مع اللطيف .

من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه :

لذلك أخواننا الكرام ؛ مرة ثالثة : ليس الدين وردة تتزين بها ، الدين هواء نستنشقه ، هذه الحقيقة الأولى ، الإنسان لأنه زمن ، لأنه بضعة أيام ، والله ما قرأت تعريفاً للإنسان جامعاً مانعاً بحياتي كتعريف الإمام الحسن البصري ، قال : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .
من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه
كلما مضى يوم مضى جزء منك ، إنسان يمشي بطريق النهاية محددة ، كلما قطع كيلو متراً هذا الكليو قربه من النهاية ، لو نظر إلى ساعته كلما تحرك العقرب ، عقرب الثواني ثانية واحدة اقترب من النهاية ، نحن جميعاً إلى نهاية محددة ، هذه النهاية المحددة هي الموت إما أن تعد له الإعداد الكافي ، والإعداد ضمن إمكانيتك أن تستقيم على أمر الله ، الآية الدقيقة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص: 50 ]

المعنى المخالف عند علماء الأصول ، من اتبع هواه و شهوته وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه ، اشتهى المرأة تزوج ، اشتهى المال عمل عملاً معيناً كسب منه المال ، ما من شهوة أودعها الله فينا إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، المؤمن ليس محروماً من شيء لكن كل أموره ضمن المنهج ، وفق هدى الله ، وفق طاعة الله ، وفق رضوانه .

أربعة أشياء تنجي الإنسان من الخسارة :

الإنسان ، قال تعالى : أسباب النجاة أربعة المعرفة والتطبيق والدعوة والصبر عليها

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

الذي ينجينا من الخسارة أربعة أشياء ، أن نعرف الحقيقة ، هل تستطيع أن تكتب دكتور على البطاقة التي تخصك وأنت أمي ؟ أن تعرف الحقيقة لا بد من وقت ، لا بد من طلب علم ، لا بد من حضور درس في مسجد ، لا بد من قراءة كتاب ، فهم تفسير ، لا بد لطلب العلم من أن تعرف الحقيقة أولاً ، وأن تطبقها ثانياً ، وأن تدعو إليها ثالثاً ، وأن تصبر على معرفتها والعمل بها والدعوة إليها رابعاً ، وهذه السورة سورة العصر جامعة مانعة ، قال عنها الإمام الشافعي : "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم ".

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

إله يقسم لك ، وهذه أسباب النجاة .

اللهو و التكاثر :

أخواننا الكرام ؛ لكن ما هو اللهو ؟ قال تعالى : ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

أي الإنسان بعد ما يؤمن حاجاته الأساسية ، بيت ومسكن ومأوى وزوجة وأولاد يدخل بحالة اسمها التكاثر ، الجمع ، قال تعالى :

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 32 ]

الذي تجمعه تخسره في ثانية واحدة مع وقف ضربات القلب ، كل شيء جمعته في حياتك تخسره في ثانية واحدة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر:2]

أما الذي تعمله للجنة فيبقى .

القلب السليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله :

لذلك قال تعالى : القلب السليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

ما القلب السليم ؟ القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد غير الله، لذلك هؤلاء البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وطوائفهم ، وأنسابهم ، كل هذه التقسيمات أرضية ، دول الشمال دول الجنوب ، الدول الصناعية الدول النامية المتخلفة ، الدول المستعمِرَة الدول المستعمَرة ، تصنيفات الأرض ، أما الله عز وجل فقد قال :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل 1-4]

تصنيف الله عز وجل للبشر :

على الأرض الآن سبعة مليارات ومئتا مليون ، كل واحد يتحرك بجهة ، لكن الله عز وجل جمع كل هذه الحركات في حقلين اثنين ، قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6]

البشر نوعان من صدق بالحسنى ومن كذب بالحسنى
الصنف الأول الناجح الناجي ، صدَّق أنه مخلوق للجنة ، بعد هذا التصديق اتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، تركيب معكوس لحكمة ، صدق بالحسنى هي الجنة فاتقى أن يعصي الله فبنى حياته على العطاء ، والثاني :

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 8-9 ]

كذب بالآخرة ، آمن بالدنيا ، استغنى عن طاعة الله ، بنى حياته على الأخذ ، لذلك هؤلاء البشر السبعة مليارات على رأسهم زمرتان كبيرتان ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم ، والأنبياء يمدحون في غيبتهم ، الأقوياء عاش الناس لهم ، كل البشر تبع لقوي أو نبي ، إن كنت تابعاً للأنبياء تعطي عطاء كثيراً ، وترحم ، وتتواضع ، وتحسن ، إن كنت تابعاً للأقوياء تأخذ ، تظلم ، فالبطولة أن تكون أحد أتباع الأنبياء .
أخواننا الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

توجيهات النبي و التفكر في خلق الله عز وجل :

أخواننا الكرام ؛ هذا النبي الأمي الذي بعثه الله إلينا قبل ألف وأربعمئة عام ، من توجيهاته الدنيوية أنه ينبغي قبل أن نأكل الذبيحة ألا نقطع رأسها عند الذبح ، لم ؟ لو زرت بلاد العالم تعلق الدابة من رجليها وتقطع رؤوسها إلا أن هذا النبي الكريم نهى عن قطع رأس الدابة ، بل أمر بقطع أوداجها فقط ، لا أحد يعلم ، لا في حياته أحد يعلم ولا بعد مئة عام أحد يعلم ولا بعد خمسمئة عام أحد يعلم ، ولا بعد ألف وأربعمئة عام أحد يعلم إلا الآن .
الغدة النخامية تفرز تسع هرمونات لولا أحدها لكانت حياة الانسان جحيما
تبين أن هذا القلب ينبض ثمانين نبضة ، بهذه النبضات يصل الدم إلى كل أنحاء الجسم ، لكن حينما يواجه الإنسان طريقاً صاعداً ، جهداً بالغاً يحتاج إلى مئة وثمانين نبضة ، كيف ينبض القلب مئة وثمانين نبضة ؟
قال : هناك إدراك للخطر ، يمشي بطريق وجد ثعبان أدرك الخطر يجب أن يهرب أو أن يقتله ، إدراك الخطر أحد البنود ، هناك غدة بالدماغ اسمها النخامية وزنها نصف غرام تقوم بإفراز تسعة هرمونات ، لولا أحدها لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، أحد هذه الهرمونات هذا الهرمون ، لما رأى الثعبان أدرك الخطر ، الدماغ أرسل رسالة هرمونية إلى الكظر فوق الكلية ، هذا الكظر غدة صغيرة ، ترسل له رسالة من الملكة النخامية ملكة الغدد ، هناك خطر تصرف ، الكظر يعطي خمسة أوامر ، أول أمر يرفع النبض إلى مئة وثمانين ، النبض مرتفع جداً يجب أن يقابله وجيب رئتين مرتفع ، ويرفع وجيب الرئتين ، فلو قسنا نبض إنسان خائف لوجدته مئة وثمانين مئة وستين ويلهث ، يعطي أمراً ثانياً للأوعية الدموية تضيق لمعتها ويصفر لونه ، لأنه خائف يوفر الدم للعضلات ، يعطي أمراً ثالثاً للكبد يفرز هرمون التجلط إذا صار في جرح الدم لا يسيح كله يتجلط ، يغلق الفتحة ، وهناك أوامر كثيرة خمسة أوامر تنفذ في ثوان ، ما هذا الخلق ؟ هذا خلق الله .

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان : 11]

التفكر في الآفاق والنفس باب واسع
لذلك قال تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

التفكر في الآفاق باب واسع ، في المجرات ، في الشموس ، في النجوم ، في المذنبات ، والتفكر في النفس ، في الدماغ مئة وأربعون مليار خية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن ، بالقشرة أربعة عشر مليار خلية ، العين والله لو أمضينا عاماً بأكمله لا ننتهي من العين ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد : 8]

الأذن ، الحنجرة ، الرئتان ، المعدة ، الكليتان ، الدم يمشي في اليوم بالكلية مئة كيلو متر، الأوعية الدموية طولها مئة كيلو متر كي يصفى الدم ، لو تفكرتم في خلق الإنسان ، قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[سورة العلق: 1-2]

من نطفة لا ترى بالعين ، وبويضة بعد تسعة أشهر دماغ وشعر ، وأسنان ورئتان وقلب وأعضاء ، شيء مذهل ، خلق الإنسان وحده يدل على الله .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، هيئ لهم بطانة خير يا رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS