1337
ندوات تلفزيونية - قناة اقرأ – ويتفكرون - الحلقة الثالثة : مقومات حمل الأمانة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-06-08
بسم الله الرحمن الرحيم

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة عند الله :

  أخوتي المشاهدون ؛ أعزائي المؤمنون ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، فمن أنت أيها الإنسان ؟ لا بد أن يعرف الإنسان حقيقة مهمته في الحياة الدنيا ، لماذا جاء الله به إلى الدنيا ؟ ما حقيقة الموت ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما هي الدار الآخرة ؟ هذه كليات في حياة الإنسان ، فإذا أدركها وأدرك أبعادها انعكست على سلوكه ، وعلى سلامته ، وعلى سعادته .
 فلذلك الإنسان في التعريف الدقيق هو المخلوق الأول عند الله ، الأول رتبة لأن الخلائق جميعاً كانت في عالم الأزل ، عالم التكليف ، وعرضت الأمانة عليها ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 وكأن كلمة السموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 هذا الإنسان هو الذي قبِل حمل الأمانة في عالم الأزل ، فلما قبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة ، رُكِّب الملَك من عقلٍ بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته كان أفضل الناس ، وإن سمت شهوته على عقله كان في السلم الأدنى من البشر .

مقومات حمل الأمانة :

1 ـ الكون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان المخلوق الأول ، عرضت عليه الأمانة ، ووقف من هذا العرض مواقف متباينة ، فالذي قبِل حمل الأمانة ، وصدق في قبوله حمل الأمانة كان هو المؤمن ، فلذلك أعطانا الله مقومات هذا الإيمان ، وبكلمة أخرى أعطانا الله مقومات هذا التكليف لأنه كلفنا حمل الأمانة ، فلما كلفنا حمل الأمانة أعطانا مقوماتها ، ما مقومات حمل الأمانة ؟
 أولاً : هذا الكون ، هذا الكون هو الثابت الأول ، لا يتبدل ، لا يتغير ، لا يستطيع كائن في الأرض أن ينكر وجوده وخصائصه ، هذا الكون يشف عن أسماء الله الحسنى ، وعن صفاته العلا ، هذا الكون يشف عن خالق عظيم ، خالق موجود واحد ، خالق موجود كامل واحد، هذا هو أصل الإيمان بالله عز وجل ، وحينما يتبع الإنسان منهج الله ، القرآن الذي أنزله الله على نبيه الكريم ، يتعرف إلى مكانته ، وإلى سرّ وجوده ، وإلى غاية وجوده ، وإلى كمال وجوده ، وإلى استمرار وجوده ، فلذلك من مقومات التكليف هذا الكون هو الثابت الأول .

2 ـ العقل :

 ومن هذه المقومات العقل ، العقل أعقد جهاز في الكون ، العقل كي نعرف الله عز وجل ، العقل كي نرى طريقنا إلى الله عز وجل ، فلذلك هذا العقل أحد أكبر مقومات الإيمان، لكن هذا العقل جهاز حيادي فإذا وجهته نحو معرفة الحق وصلت إلى الحق ، إن وجهته نحو مصالحك اليومية وصلت إليها ، فهو جهاز حيادي ، فالبطولة أن تستخدم هذا العقل الذي أكرمنا الله به في معرفته ، ومعرفة منهجه ، وسر وجودنا في الدنيا ومصالحنا في الآخرة .
 الكون أحد هذه المقومات ، يشف عن وجود الله ، وعن كماله ، وعن وحدانيته ، والعقل كأن فيه مبادئ ثلاثة ، مبدأ السببية ، و مبدأ الغائية ، و مبدأ عدم التناقض ، فالعقل لا يفهم شيئاً من دون سبب ، كما أنه لا يفهم شيئاً من دون غاية ، ولا يقبل هذا العقل البشري التناقض ، هذه سماها علماء المنطق مبادئ العقل الثلاثة ، هذه المبادئ الثلاثة متوافقة مع قوانين الكون ، فكما أن العقل لا يقبل شيئاً بلا سبب ، الله عز وجل هو مسبب الأسباب ، فكأن الله أخذنا بيده بلطف لمعرفته من خلال معرفة الأسباب التي بني عقلنا عليها ، هذا العقل البشري هذه خصائصه .

3 ـ الشهوات :

 والشيء الثاني أعطانا فوق الكون والعقل أعطانا الشهوات ، والشهوات قوى محركة بالأصل ، بالأصح لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات ، كيف أن هذه المركبة فيها محرك ، وكأن المحرك هو الشهوة ، وكأن المقود هو العقل ، وكأن الشريعة هي الطريق ، فالبطولة من خلال المقود أن نبقي هذه المركبة المتحركة بقوة الشهوة على هذا الطريق الذي هو الشرع .

4 ـ الفطرة :

 إذاً نحن أمام مقومات التكليف كون ، وعقل ، وفطرة ، إذا كان العقل مقياساً علمياً فالفطرة مقياس نفسي ، فأنت بفطرتك تعرف الحق من الباطل ، قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم: 30]

 ما من أمر أمرت به إلا وفطرت على محبته ، ما من أمر نهاك الله عنه إلا فطرت على كراهيته ، قال تعالى :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 إذاً السر الذي يسعد الإنسان حينما يصطلح مع ربه أنه اصطلح مع ذاته ، مع فطرته .

5 ـ حرية الاختيار :

 هناك شيء آخر أعطانا الكون ، أعطانا الفطرة ، أعطانا الشهوة ، أعطانا العقل ، ثم أعطانا الاختيار ، لولا الاختيار لما ثمن عمل الإنسان ، الإنسان حينما يأتي ربه مختاراً قال تعالى :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 حينما يأتي ربه مختاراً يثمن عمله الصالح .

طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة :

 وهناك شيء آخر أن هذا الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية ، الجماد له حجم وطول وعرض وارتفاع ، والنبات يزيد عليه في النمو ، والحيوان في الحركة ، والإنسان يزيد على كل هذا بالتفكير ، أعطاه قوة إدراكية ، وهذه القوة الإدراكية مالم تلبَّ بطلب العلم هبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به ، لذلك طلب العلم فريضة على كل مسلم ، والعلماء قالوا ومسلمة ، أي على كل شخص مسلم .
 أودع فينا قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم ، لذلك أول كلمة في أول آية في أول سورة اقرأ ، اطلب العلم ، ابحث عن الحقيقة ، ابحث عن سرّ وجودك ، عن غاية وجودك ، عن الهدف من وجودك ، ابحث عن الله عز وجل من خلال هذا الكون ، من خلال هذه الكتب التي أنزلها على أنبيائه .

أنواع القراءات :

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ الإيمان الحقيقي أن تعرف سرّ وجودك ، وغاية وجودك ، أعطانا الكون ، أعطانا العقل ، أعطانا الفطرة ، أعطانا الاختيار ، ثم أمرنا أن نطلب العلم ، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[ سورة العلق: 1-2 ]

 هذه قراءة البحث والإيمان ، اقرأ من أجل أن تؤمن ، هناك قراءة الشكر والعرفان ، منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، هذه القراءة الثانية ، والقراءة الثالثة اقرأ من أجل أن تعرف وحي الله ، الوحي والبحث عن هذا الوحي ، والقراءة الرابعة قراءة أهل الدنيا قراءة العدوان والطغيان ، فلذلك اقرأ أول كلمة في أول آية في أول سورة أمرنا الله بها أن نطلب العلم ، والإنسان ما لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذه الحقائق ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع