404
محاضرات وندوات مصورة - أمريكا – الرحلة5 : معرفة الله أساس في طاعته .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-03-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

طلب العلم سبب ارتقاء الإنسان عند الله و عند الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فهي تدل على شيئين ؛ على حسن الظن بي ، ورغبتكم في طلب العلم ، وفي الإنسان جزء أعلى كرمه الله به ؛ الخاصة المعرفية ، فإذا لبيت هذه الخاصة ارتقى الإنسان عند الله وعند الناس ، فإذا أهملها سقط من عين الله ، ومن عين الناس ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، و إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا اذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل الرجل عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ألّفت قديماً كتاباً درس في الثانويات لعشر سنوات ، بقي في ذهني عبارة صدرته بها "إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيريه قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان " .
 سمعت قصة من عالم جليل من علماء الشام توفي رحمه الله ، قال هذا العالم الجليل : إن شاباً في إحدى قرى الصعيد أرسله أبوه إلى الجامع الأزهر ليطلب العلم ، أمضى السنوات المعدودة وعاد إلى قريته خطيب مسجد ، وحضر الأب خطبة ابنه في آخر المسجد وبكى بكاء شديداً ، أبوه في الخامسة والخمسين من عمره ، أمي ، فظن الناس جميعاً أن هذا البكاء بسبب تألق ابنه في الخطابة ، والحقيقة ليس كذلك ، هو يبكي على جهله - والقصة لا تصدق – و في اليوم التالي ركب دابته وتوجه من الصعيد إلى القاهرة ، كلفته الرحلة شهراً بكامله ، وصل إلى القاهرة وقال : أين الأزعر ؟ ما معنى أزعر ؟ قال : مكان التعلم ، قالوا له : أزهر وليس أزعر ، دخل الأزهر وتعلم القراءة والكتابة ثم تعلّم علوم الدين ثم تخرج ، المفاجأة وما مات إلا وهو شيخ الأزهر ، وهو أعلى منصب ديني في العالم الإسلامي ، ما مات إلا شيخ الأزهر : " إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيريه قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان ".
 طالب دخل الجامعة فلم ينجح ، فترك الدراسة ، جالس فرأى نملة تصعد على الحائط وقعت ، أعادت الكرة ، عدّ محاولتها فإذا هي ثلاث وأربعون مرة ، فاستحى من النملة وتابع الدراسة ، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيريه قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان ويقين .

طلب العلم يؤكد إنسانية الإنسان :

 أخواننا الكرام ؛ لا يؤكد إنسانية الإنسان إلا طلب العلم ، وكلكم يعلم تعلمنا في المدارس أن الكون جماد ، شيء جامد له وزن ، له حجم ، له أبعاد ثلاثة ، يشغل حيزاً في الفراغ ، أما النبات فشيء جامد له وزن ، له حجم ، له أبعاد ثلاثة ، يشغل حيزاً في الفراغ لكنه ينمو ، اختلف في النمو ، الحيوان شيء جامد له أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وله حجم ، وينمو كالنبات لكنه يتحرك ، والإنسان شيء مادي له أبعاد ثلاثة ، وله وزن وحجم ، وهذا الإنسان ينمو كالنبات ، ويتحرك كبقية المخلوقات لكنه يفكر ، فإذا لبى هذه الحاجة أصبح إنساناً ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك .
 أخواننا هناك مرض يصيب الناس جميعاً في هذا العصر ، هذا المرض سماه بعض العلماء : الغرق في الجزئيات ، عندك جدول أعمال كل يوم ، عندك متطلبات للبيت وللعمل ، وعندك مطالعات ، وعندك سفر ، وعندك حاجات ، وعندك تجارة ، هذه الأشياء اليومية تستهلكنا وقد ننسى من نحن ، وقد ننسى سرّ وجودنا ، وغاية وجودنا ، هذه الأشياء الكلية لا بد منها، والأصح أن نجمع بين جزيئات حياتنا وبين كلياتنا .

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 هل تصدقون أن الإنسان مبدئياً أي إنسان هو المخلوق الأول عند الله ؟ لأن الله حينما عرض الأمانة على الأرض والسموات والجبال أشفقن منها وحملها الإنسان ، فلما قبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول ، لذلك سخر له ما في السموات ومافي الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتسخير تكريم ، أي قد يقدم لك صديق آلة حاسبة ، يوجد فيها شيء جديد مبتكر ، قدمها لك هدية ، فأنت أمام شعورين شعور الامتنان لأنها هدية ، وشعور الإعظام لما فيها من ميزات جديدة لم تكن من قبل ، فلذلك هذا التسخير للكون تسخير تعريف وتكريم ، ردّ فعل التعريف أن تؤمن ، وردّ فعل التكريم أن تشكر .

علة وجود الإنسان معرفة الله و شكره :

 الآن إذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك قال تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء :147]

 علة وجودنا أن نعرفه ، وأن نشكره ، والجزاء جنة عرضها السموات والأرض ، ولكن للأسف الشديد أقول لكم أحياناً : الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، الحقيقة المرة معظم المسلمين لا يدخلون الآخرة في حساباتهم ، فوالله الذي لا إله إلا هو لو أدخلنا الآخرة في حساباتنا لانعكست كل موازيننا ، لكن نؤمن بها إيماناً لفظياً ، أما نعمل لها ، عندما نقدم على عمل هل نسأل : هل يرضى الله عن هذا العمل ؟ حينما نصل ، حينما نقطع ، حينما نعطي ، حينما نأخذ ، حينما نرضى ، حينما نغضب ، هل هذه الأفعال والمشاعر وفق منهج الله ؟ أنت المخلوق الأول عند الله ، ولك أيها الإنسان صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حرصك على ذاتك ، وعلى سلامتك ، وعلى سعادتك ، ينبغي أن تتبع الجهة الوحيدة التي لا بد من تطبيق تعليماتها لأنها الخبيرة ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 أخواننا الكرام ؛ مثل تقريبي إنسان يمشي في الفلاة ، رأى لوحة كتب عليها : ممنوع التجاوز حقل ألغام ، بربكم هل يشعر أن هذه اللوحة قيدت من حريته أم ضمنت سلامته ؟ في اللحظة التي نتوهم أن الدين قيد لحرياتنا هذا عين الجهل ، وفي اللحظة التي تعتقد يقيناً أن هذا الدين ضمان لسلامتنا وسعادتنا فهذا هو العقل .

استمرار وجود الإنسان بأولاده :

 هناك على وجه الأرض سبعة مليارات إنسان ليس فيهم واحد إلا وهو حريص على سلامته واستمراره وسعادته ، سلامته بتطبيق تعليمات الصانع ، لأن الصانع الجهة الوحيدة الخبيرة ، وسعادته بالتقرب منه ، واستمراره - وهذه النقطة الثالثة أخطر نقطة لأخوتنا في أمريكا - استمرار وجودك بأولادك ، فإذا لم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس ، لذلك ابحث عن سعادتك كمسلم في تربية أولادك ، لذلك إن هذه البلاد مرة سألني إنسان قلت له : على الشبكية جنة ، اصعد عشرة سنتمترات إلى الأعلى إذا الإنسان فقد أولاده ، خسر أولاده ، خسر بناته ، فقد أشياء كثيرة ، يكون أخطأ حينما يغلب على ظنه أنه إذا بقي في هذه البلاد يخسر أولاده ، هذه النقطة الوحيدة ، أنت لن تخسر ، أنت شكلت نفسك قبل أن تأتي لكن هذا الطفل ينشأ على مجتمع أقوى من أي دعوة في الحقيقة ، هذه الحقيقة المرة ، فأنا أتمنى أن ألفت النظر لأخوتي الكرام ، وأنا جئت من عشرة آلاف كيلو متر لأنصحكم أي اهتموا بأولادكم ، لن تسعد إلا إذا كان ابنك كما تتمنى ، وكلمة أقولها مئات المرات – في وقت كان الحاكم كلينتون - لو بلغت منصباً ككلينتون وثروة كأوناسيس وعلماً كأنشتاين ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
 فأنا أريد أن أضع يدي على المشكلة التي يمكن أن تعانوا منها ؛ الأولاد ، ابنك امتدادك ، ابنك خليفتك ، ابنك سعادتك .

الإنسان لا يسعد السعادة التي أرادها الله له إلا عند التفوق :

 أخواننا الكرام ؛ كلكم يعلم ان هذا الكون فيه كمال مطلق ، وقالوا : كمال الشيء يدل على كمال خالقه ، لكن هذا الكمال يقتضي كمالاً في التصرف ، كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، فلا بد من إله عظيم حكيم ، رحمن رحيم ينبه عباده إلى سرّ وجودهم ، وغاية وجودهم ، مثلاً إنسان ذهب إلى باريس وقال : إلى أين أذهب ؟ نقول له : عجباً من هذا السؤال! لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى السوربون ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى برج إيفل ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى الأسواق ، أي أنت كائن متحرك ما الذي يحركك ؟ هذا كائن ثابت أما أنت فكائن متحرك ما الذي يحركك ؟ الحاجة إلى الطعام والشراب من أجل بقاء وجودك كفرد ، وما الذي يحركك من دون أن تشعر ؟ الزواج من أجل بقاء النوع، و هناك شيء ثالث أهم سماه علماء النفس تأكيد الذات ؛ أكلت وشربت وتزوجت وأنجبت بقي حاجة ثالثة أن يشار إليك بالبنان ، الطبيب الأول ، المحامي الأول ، المخترع ، المهندس ، هذه حاجة سموها تأكيد الذات أو التفوق ، لذلك أنت لا تسعد السعادة التي أرادها الله لك إلا عند التفوق ، وهذه الدنيا كما ترون خط بياني صاعد ، الإنسان ينمو شيئاً فشيئاً ، كلما ازداد مالاً ازداد نموه ، وسع بيته ، غير سيارته مثلاً ، ولكن هذا الخط الصاعد ما مصيره بعد حين ؟ سقوط حاد من أعلى نقطة إلى الصفر ، الموت ، الموت ينهي قوة القوي وضعف الضعيف ، وغنى الغنى وفقر الفقير ، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم .
 والله مرة قرأت كتاباً عن تاريخ علماء العرب أو المشاهير ، الأذكياء ماتوا والأغبياء ماتوا ، الأقوياء ماتوا والضعفاء ماتوا ، والحمقى ماتوا ، كلهم ماتوا ، فهذا الموت ينهي كل شيء، يا ترى معقول هذا الكون العظيم من أجل أن تعيش سنوات معدودة ؟! حتى الإنسان يقف على قدميه ، أو حتى يركب مركبة ، يكون له زوجة وأولاد في الأربعينات عندنا ، هنا قد يكون بالثلاثينات ، أي هناك سنوات لا بد منها ليعيش الإنسان ستين أو سبعين عاماً ، معقول هذا الكون كله من أجل ثلاثين سنة فقط ؟ أم أن هناك حياة أبدية ؟ هذه قضايا مصيرية ؛ بين أن تعمل للدنيا فقط وتفاجأ بالموت وبين أن تعمل للآخرة ؟ الدنيا مسموح بها لأعلى درجة دقق الآية الكريمة :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 المعنى المخالف عند علماء الأصول : الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، وفق الآية الله لم يمنعك لكن نظمك ، أي لم يمنعك من شيء أودعه فيك ، أي ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، في الدنيا لا يوجد حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، أنت حينما تتحرك وفق منهج الله أنت عرفت سرّ وجودك ، وغاية وجودك ، قال تعالى :

﴿ ِ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[سورة الرحمن: 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة .

آثار معرفة الله عز وجل :

 الآن محور هذا اللقاء الطيب والذي أنا حريص جداً على تأكيده أنك إذا عرفت الله ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته ، أما إذا عرفته ولم تعرف أمره تفننت في التفلت من أمره ، أي للتقريب هذه من بلادكم سوف آتي بها أي من الشرق ، جاءك رسالة من مدير البريد : تعال غداً تسلَّم رسالة مسجلة ، قد لا تذهب وقتك لا يسمح لك ، قد تذهب وقد لا تذهب ، لكن تأتي هذه الرسالة من فرع لا تنام ثلاثة أيام ، الفرق بينهما الآمر ، هذا مثل قريب ؛ أنت حينما تعرف من هو الله ؟ من هو الذي أمرك أن تصلي ؟ أن تستقيم ؟ أن تصدق ؟ أن تخلص ؟ أنت تكون أميناً ؟ هو الله ، فلذلك يجب أن تأخذ الأمر بمعرفة الآمر ، لذلك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الله ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت منه .
 الآن هذا اللقاء أساسه أن نعرف الله ، الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه ولا تحيط به ، كأن تصل إلى ساحل البحر بمركبتك ، لكن هذه المركبة تريك البحر لكن لن تستطيع أن تخوض بها البحر ، فالعقول تصل ولا تحيط ، طريقة معرفة الله آثاره ؛ له آثار كونية ، وله آثار تكوينية ، وله آثار قرآنية ؛ الكون خلقه ، والأحداث فعله ، والقرآن كلامه، للتقريب ومضات .

ومضات من القرآن الكريم :

 أخواننا الكرام ؛ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، يقطع الضوء في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الدقيقة ضرب ستين في الساعة ضرب ستين في اليوم ضرب أربع وعشرون بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين بأربع سنوات ضرب أربعة، ابنك الصغير بآلة حاسبة بدقيقة واحدة يحسب لك المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب ، لو كان هناك مركبة أرضية ، ولهذا النجم طريق ثابتة ، كم نحتاج ؟ نحتاج إلى خمسين مليون عام لتصل إلى أقرب نجم ملتهب ، هذا بعده عنا أربع سنوات ضوئية ، متى نصل إلى نجم القطب الذي بعده عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة بعدها عنا مليونا سنة ضوئية ؟ أحدث مجرة في موسوعة إصدار أمريكا لايف ، لها طبعة باللغة العربية عن الكون - ننصحكم باقتناء هذا الكتاب - هذه الموسوعة تقول : الإنسان إذا أراد أن يصل إلى هذا النجم أقرب نجم يحتاج إلى خمسين مليون عام ، نجم القطب أربع سنوات ضوئية ، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية ، أما أحدث مجرة فنحتاج إلى أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية ، الآن افتح القرآن :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76 ]

 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 أخواننا الكرام ؛ من بديهيات الفلك من مستوى ثانوي ، الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي لا دائري ، أي يوجد قطران ؛ قطر أطول وقطر أصغر ، الأرض مادة وجماد تنتقل من القطر الأطول إلى الأصغر ، فالمسافة بينها وبين الشمس قلت ، معنى ذلك أن الجاذبية ازدادت ، فلا بد من أن تنجذب للشمس ، فإذا انجذبت الأرض إلى الشمس ما كان هذا اللقاء ، تتبخر الأرض في ثانية واحدة ، ما الذي يحصل ؟ هنا ترفع الأرض سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نافذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى في مكانها ، إن الله يمسك السموات والأرض أن تنحرف ، لو انحرفت لتبخرت ، فتتابع الأرض سيرها ، بدأت في القطر الأطول ، المسافة طالت، الجاذبية ضعفت ، هناك احتمال أن تنطلق الأرض في الفضاء الكوني وتنتهي الحياة ، الحرارة مئتان وستون تحت الصفر ، انتهت الحياة ، تنتهي الأرض إذا انجذبت وتنتهي إذا تفلتت، ما الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ؟ هذه آية ومضة من ومضات القرآن الكريم .
 أخواننا الكرام ؛

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[ سورة الرعد : 2]

 قال العلماء : بعمد لا ترونها ، فعلماء الجاذبية قالوا : لو أردنا أن نربط الأرض بالشمس بحبال فولاذية تكافئ القوة الجاذبة لاحتجنا إلى مليون مليون حبل ، وكل حبل قطره خمسة أمتار ، وبين الحبلين مسافة حبل واحد ، هذا الحبل يقاوم قوى شد تساوي مليوني طن، أي الأرض مربوطة بالشمس بمليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض عن مسارها حول الشمس ثلاثة ميلي كل دقيقة ، هذه كلها آيات من بديهيات علم الفلك ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقام شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــــــه  إن المحب لمن يحب يطيع
***

آيات الله في النفس :

 أخواننا الكرام ؛ لو قال الله تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة فصلت : 53]

 أي من ومضات الآيات في جسم الإنسان أن هذا القلب عند الجنين لا يوجد به هواء ، ولا يوجد به تنفس ، فتح ثقب بين الأذينين اكتشفه عالم فرنسي اسمه بوتال ، هذا الثقب عند الولادة تأتي جلطة وتغلق هذا الثقب ، يد من هذه ؟ الله ، يبقى في كل خمسمئة ألف طفل ثقباً واحداً مفتوحاً يريد عملية تكلف خمسمئة ألف لإغلاق الثقب ، هذه نعمة كبيرة جداً .
 أخواننا الكرام ؛ لو جئت بكل علماء التربية في الأرض لتعلم الرضيع الذي ولد لتوه كيف يمص ثدي أمه لا تقدر أن تعلمه ، يا بابا أحكم شفتيك ، لا يعرف ، الطفل الآن ولد ، حتى سمى العلماء هذا منعكس المص ، المنعكس عملية معقدة جداً خلقت مع الإنسان ، ولا يوجد غير هذا المنعكس ، ولولا هذا المنعكس ما كان هناك هذا اللقاء ، و لا كان هناك أمريكا كلها ، منعكس المص شيء بسيط جداً لولاه انتهى كل شيء .
 أخواننا الكرام ؛ العين فيها ماء ، والماء يتجمد بدرجة صفر ، والقطب درجة حرارته تقدر بسبعين تحت الصفر ، أو تسع وستين تحت الصفر ، وفي أماكن درجة الحرارة تقدر بأربعين أو خمسين ، معنى ذلك أن كل من يسكن هناك يفقد بصره ، الله أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد ، علم من ؟ قدرة من ؟ حكمة من ؟
 أخواننا الكرام ؛ الملتحمة الطبقة الخارجية شفافة شفافية تامة ، لأن كل خلايا الجسم تتغذى بالشعريات إلا هذه الطبقة تتغذى بالحلول من أجل نقاء الصورة ، لو كان بالشعريات لترى ضمن شبكة :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾

[ سورة البلد : 8-9]

 موضوع المطابقة من أعقد عمليات العين ، عدسة وجسم متحرك ولوحة لاستقبال الشارة يقع الخيال واضحاً جداً مع تحريك الشيء ، هذه ليست قضية سهلة تحتاج إلى علماء ليفهموها ، قبل أن يطبقوها يفهموها ، فالعين آية .
 شعر الإنسان ثلاثمئة أو أربعمئة ألف شعرة ، لكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية ، هذه الآلات التي أمامي آلات سوني واحترافية ، بالميليمتر المربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي ، الشبكية مساحتها ميلي وثلث فيها مليون وثلاثمئة ألف مستقبل من أجل دقة الصورة ، فالإنسان يفرق بين تسعة ملايين لون ، إذا دمجنا الألوان يستطيع أن يفرق بين تسعة ملايين درجة .
 أخواننا الكرام ؛ غدة جانب القلب اسمها التايموس ، عشرون سنة أو أقل بقليل كان يظن أنها لا وظيفة لها ، السبب بعد سنتين تضمر نهائياً ، فإذا انتهت وتلاشت إذاً ليس لها وظيفة ، فإذا هي أخطر غدة في الإنسان ، أنت عندك جهاز دفاع من أعلى مستوى ، أي الكريات البيضاء هذه عناصر معها أسلحة فتاكة لكنها جاهلة قد تقتل الصديق ، تدخل الكريات البيضاء إلى هذه التايموس في سنتين وتتعلم من هو الصديق ، ومن هو العدو ، الآن حينما تتخرج تمتحن ، يعطى لها عنصر صديق ، فإذا قتلته تقتل ، لا يوجد رسوب بل قتل ، وإذا أعطي لها عنصر عدو لم تقتله ترسب وتقتل ، فتمتحن وتتخرج ، هذا الجيل الاول يتولى تعليم الأجيال الصاعدة ، لذلك بعد سنتين تنتهي مهمتها ، وهذه الغدة التايموس تضمر ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
 أخواننا الكرام ؛ هذا العظم الذي أودعه الله فينا ينمو ، أنا أعتقد أن هناك خطاً بالهواء الخارجي وهنا توقف ، الله اسمه القادر ، أنت تنمو والغذاء مستمر ، يجب أن يكون هناك عملقة ، أية جهة توقف النمو ؟ لا يوجد جواب علمي ، هنا تقف ، أنا أعتقد هو الباسط و القابض ، الآن العظمة بعدما اكتملت الخلية العظمية تنام لا تموت ، بعد سبعين سنة وقع وانكسرت قدمه ، تستيقظ لتعمل التئاماً للعظم ، هذا الخالق العظيم يعصى ؟
 والله يا أخوان والله لا أبالغ لو أمضينا كل حياتنا في كشف حقائق أجسامنا ما انتهينا :

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 أخواننا الكرام ؛ تمشي في الطريق ، هناك أفعى في البستان ، ما الذي يحصل ؟ قال : تنطبع صورة الأفعى على شبكية العين ، هنا لا تقرأ الصورة تنتقل إلى الدماغ ، الدماغ يوجد به ملفات ، و فيه ملف الثعابين والأفاعي ، تكوّن هذا الملف من عدة قصص سمعهم من جدته ، وكم موضوع قرأه في كتاب العلوم ، ومرة دخل لمعرض أفاعي ، مجموع المشاهدات والمعلومات والقصص شكّل ملف الأفاعي ، فإذا هذه الصورة في الدماغ عرضت على ملف الصور ، الدماغ يدرك الخطر ، الدماغ ملك ، و هناك ملكة في الدماغ الغدة النخامية ، وزنها نصف غرام ، تقوم بتسع مهمات ، لو تعطلت إحداهن لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق .
 الغدة النخامية هي ملكة لأنه تعطي أمراً للكظر ، غدة فوق الكلية أن تصرف، الكظر أول شيء يعطي أمراً للقلب ليرفع النبض للمئة والثمانين أو المئة والستين ، فنبض الخائف مئة وستون و ليس ثمانين ، حتى تتوافق الرئة مع القلب يعطي أمراً ثانياً للرئتين يرتفع وجيب الرئتين ي، لهث الخائف ، ثم أمراً ثالثاً يذهب إلى الأوعية الدموية تضيق اللمعة ، فالخائف لونه أصفر كي يوفر الدم للعضلات ، الآن تجد في الدم مادة ضد التجلط ، الكبد أفرزها ، و هناك سكر إضافي ، خمسة أوامر تتم عندما يرى الإنسان شيئاً مخيفاً .

ومضات من خلق الحيوان :

 أخواننا موضوع الإنسان موضوع خلق الاكوان موضوع البعوضة كما قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[ سورة البقرة:26]

 طبعاً بعوضة بعوضة ، لكن بعد اكتشاف المجهر الإلكتروني وضعت بعوضة تحت المجهر في رأسها مئة عين ، وأنا عرضت الصورة على الفضائية السورية ، مئة عين للبعوضة التي وزنها واحد بالألف من الغرام ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، والبعوضة في فمها ثمانية وأربعون سناً ، ومعها جهاز تحليل دم ، فليس كل دم يناسبها ، ينام أخوان الأول يلدغ والثاني لا يصيبه شيء ، جهاز تحليل دم ، وجهاز تمييع للدم ، وجهاز تخدير كي لا تقتل ، فبعد أن ينتهي التخدير تحس بالألم ، جهاز تخدير ، جهاز تمييع ، جهاز تحليل ، قال الله :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[ سورة البقرة:26]

الكون كله يشف عن عظمة الله :

 هذه ومضات من خلق الإنسان ، ومن خلق الحيوان ، ومن النجوم ، وقصدي أن هذا الكون بكل ما فيه يدل على وجود خالق عظيم ، يدل على كمال الخلق ، وكمال التصرف والوحدانية ، فإذا أردنا أن نعرف الله الكون كله يشف عن عظمة الله ، وأنا أقول : حينما تضعف معرفتنا بالله نتفنن في معصية الله ، أما حينما نعرف من هو الآمر ، من هو الناهي ، نتفانى في طاعته ، فكل إنسان وجد نفسه متساهلاً بتنفيذ الأوامر أو يتجرأ على فعل المعاصي معنى ذلك أن معلوماته عن خالقه ضعيفة ، هذا كلام مصيري و ليس كلاماً دنيوياً ، كلنا نأكل ونشرب و لكن يوجد موت ، بعد الموت إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، الإنسان الميت ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، و لم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا أموت .
 أردت في هذا اللقاء الطيب أن أقدم لكم ومضات عن خلق الإنسان ، وخلق الأكوان، وخلق الحيوان ، هذا الكون ممتلئ بالأعاجيب ، فإذاعرفنا الله سعدنا بقربه ، وإذا ماعرفناه غفلنا عن سرّ وجودنا وغاية وجودنا .

الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً :

 أخواننا الكرام ؛ أشير إليّ في موضوع أنا جئت من أجله أساساً ، أخوانكم في الشام يقول النبي الكريم في الصحاح :

(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي ، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

 هناك ثلاثون حديثاً صحيحاً عن فضل الشام ، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يزيح عنها هذه الغمامة ، لكن قد يحتاج أهل الشام إلى مساعدتكم ، فقط من ستة أشهر هناك أربعة ونصف مليون بيت مهجر ، سكان هذه البيوت سبعة ملايين ينامون في الطرقات ، وفي الحدائق بأيام الثلج ، أو بمداخل الأبنية ، وإذا كان الفصل صيفاً فينامون بالمدارس ، هؤلاء بلا مأوى وبلا طعام وبلا شراب ، البنية التحتية مهدمة ، الغذاء غير موجود ، الدواء غير موجود ، والله القصص التي تروى تكاد لا تصدق ، والله ما كنت أظن في حياتي أن يعيش مجتمعنا هذه الحالة، صدقوا و لا أبالع ما دخل إلى سوريا لاجئ ونام تحت خيمة ، إلا في بيوتها ، ما دخل إلى سوريا لاجئ لا من الشرق ولا من الغرب إلا نام في بيوت ، الآن هم يجلسون في الملاجئ، تصور أنت أن الثلج يهطل و أنت تجلس في خيمة ، و هناك أماكن منخفضة كل المياه تملأ الخيام ، هذا حال اللاجئين ، فأنا لا أعتقد أنه يوجد مساعدة تحل مشكلتهم ، لكن تخفف فقط ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تمدوا يد العون إلى إخوانكم في سوريا ، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS