7340
خطبة الجمعة - الخطبة 1201: خ 1- من عرف نفسه عرف ربه ، خ2- دوران الأرض حول الشمس.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-03-13
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم سيد الخلق والبشر ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام؛ قيل: من عرف نفسه عرف ربه، فمن أنت أيها الإنسان؟ هل تعلم أنك المخلوق الأول عند الله؟
 إن الله سبحانه وتعالى حينما عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال في عالم الأزل، أشفقا منها وحملها الإنسان، فلما قبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول، لذلك سخر الله له مافي السموات وما في الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتسخير تكريم.
 أي شيء في الكون يدلك عليه، وأي شيء في الكون ينفعك، موقف الإنسان المؤمن من تسخير التعريف أن يؤمن، وموقفه من تسخير التكريم أن يشكر.
 فإذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، عندئذ تتوقف المعالجات الإلهية. فالإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لأنه قبٍل حمل الأمانة، وكأنه قال: يا رب أنا لها، فلما قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتكريم، إذا هو الأول، وهو المكرم، قال تعالى:

﴿ وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا ﴾

[الإسراء: ٧٠]

 والإنسان فضلاً عن أنه الأول، وأنه المكرم، فهو المكلف، كلفه أن يعبد الله، قال تعالى:

﴿ وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ ﴾

[الذاريات: ٥٦]

 العبادة علة الوجود، لماذا أنت في الدنيا؟ من أجل أن تعبد الله.

العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تقطف ثمارها إلا إن صحت العبادة التعاملية :

 أيها الأخوة الكرام؛ العبادة خضوع لمنهج الله، خضوع لتعليمات الصانع، خضوع للإله العظيم، خضوع لخالق السموات والأرض، أنت عبد والله رب، والعبد عبد والرب رب، أنت مهمتك في الدنيا أن تخضع لتعليمات الصانع، والجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة لأنها الجهة الخبيرة، قال تعالى:

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبيرٍ ﴾

[سورة فاطر: ١٤]

 أيها الأخوة الكرام؛ العبادة علة وجودنا؛ هناك عبادات شعائرية، وهناك عبادات تعاملية. العبادة الشعائرية:

((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان))

[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]

 هذه عبادات شعائرية.
 وهنالك عبادات تعاملية الأصل بها أن سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما التقى النجاشي سأله عن الإسلام، قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونأكل الميتة، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه- أي إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، وفوق ذلك نسبه شريف- فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 الآن بدأت العبادة التعاملية:

((... وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

 الحقيقة الدقيقة والخطيرة أن العبادات الشعائرية وعلى رأسها الصلاة ثم الصيام ثم الحج ثم الزكاة والنطق بالشهادة، هذه العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها بل لا تُقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.
 يوجد لدينا عبادة شعائرية، يفعلها معظم المسلمون في أنحاء الأرض، صلاة وصيام وحج وزكاة ونطق بالشهادة، أما العبادة التعاملية فهي أن تخضع لمنهج الله في البيع وفي الشراء، في العطاء وفي المنع، في البيت وفي السوق، ومع أصحابك، أن تخضع لمنهج الله في كل أطوارك، هذه العبادة التعاملية.
 الحقيقة الدقيقة في هذا اللقاء الطيب أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، ولا تقبل إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال شاء من شاء، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان ]

 فمن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من علمه:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان ]

 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من لم يدع قول الزور والعمل به...))

[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 أي بضاعة المحل كتبت على القماش على أنها من أمريكا، هذا زور.

(( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))

 الزكاة، قال الله تعالى:

﴿ قُل أَنفِقوا طَوعًا أَو كَرهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فاسِقينَ ﴾

[التوبة: ٥٣]

 الحج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))

[ ورد في الأثر]

 بقيت الشهادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))

[رواه الطبراني عن زيد بن أرقم]

 الدليل القطعي القرآني والنبوي أن العبادات الشعائرية وهي الصلاة والصوم والحج والزكاة والنطق بالشهادة، لا تقبل ولا تقطف ثمارها بل ولا تصح إلا إن صحت العبادة التعاملية.

بطولة الإنسان في بيته :

 إذا الدين ليس فقط في المسجد، في المسجد تتلقى تعليمات الصانع، وفي المسجد تقبض الثمن أثناء الصلاة، العبادة في البيت، العبادة في بيتك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( خيركم خيركم لأهله...))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 أي الإنسان أحياناً بدافع من ذاته يتجمل، يرتدي أجمل الثياب، يتعطر، يبتسم، يصافح، ينحني، يستقبل الضيف، يرحب به، هذا خارج البيت، أما إذا دخل البيت فكان عبوساً قمطريراً. لذلك أشار لهذا المعنى النبي الكريم فقال:

(( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))

 فحينما لا يكون هناك من يحاكمك، ولا يكون هناك من يضبطك، ولا يكون هناك من ينتقدك، أنت رب البيت، البطولة هنا، أن تعبد الله في البيت.
 أيها الأخوة الكرام، لذلك الحقيقة الدقيقة أن الإمام جعفر رضي الله عنه حينما دخل على النجاشي وسأله عن الدين قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونأكل الميتة، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

الإنسان خاسر لامحالة إن أنفق وقته استهلاكاً لا استثماراً :

 أيها الأخوة الكرام؛ ما من تعريف جامع مانع رائع للإنسان كتعريف سيد التابعين الحسن البصري، قال: "الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه"، أنت زمن، أنت بضعة أيام وكلما انقضى يوم انقضى بضع منك.

 لذلك أقسم الله لك أيها الإنسان فقال:

﴿ وَالعَصرِ ﴾

[العصر: ١]

 والعصر مطلق الزمن، أقسم لك أيها الإنسان، لأنك زمن أقسم لك بمطلق الزمن، قال:

﴿ وَالعَصرِ ﴾

 جواب القسم:

﴿ إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ ﴾

[العصر: ٢]

 لذلك ربنا، خالقنا، يقسم لنا ويأتي بجواب القسم أننا خاسرون، فلم ذلك؟ التفسير أن مضي الزمن وحده يستهلكك، سبت، أحد، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، جمعة، ذهب أول أسبوع، ثاني أسبوع، الثالث، الرابع، ذهب شهر، أربعة شهور ذهب فصل، أربعة فصول ذهبت سنة، عشر سنوات ذهب عقد، عمر الإنسان بضعة عقود.
 فلذلك الإنسان يفاجأ أنه قد انتهى أجله، ورد: " ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت" .
 لذلك العصر هذه السورة قال عنها الإمام الشافعي لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم:

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

[العصر: ١-٣]

 بعد إلا هذه أركان النجاة، سمى الإمام الشافعي ما بعد إلا أركان النجاة، ما الذي ينجيك من الخسارة؟ أن تزداد من الله علماً فالنبي الكريم يقول في دعائه: " لا بورك لي في طلوع فجر يوم لم أزدد به من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً" فكل يوم ينبغي أن تزداد علماً وأن تزداد قرباً، أما المغبون فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من تساوى يوماه فهو مغبون))

حاجات الإنسان الأساسية في الحياة :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا ﴾

 أولاً: الذين آمنوا بحثوا عن الحقيقة، لماذا أنا في الدنيا؟ لماذا جيء بي إلى الدنيا؟ ما الموت؟ ماذا بعد الموت؟ ما الجنة؟ ما النار؟ هذه كليات الدين، هناك مرض خطير يصيب المسلمين وهو الغرق في جزئيات الدين، قد يرتكب حراماً من أجله غيره، قد يؤذي جاره وهو لا يدري، فلذلك لا بد من صدق:

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

 آمن حركة، أنت كائن متحرك، هذه الطاولة كائن ساكن، أما أنت فكائن متحرك، ما الذي يحركك؟ يحركك الطعام والشراب حفاظا على بقاء الفرد. يحركك الزواج حفاظاً على بقاء النوع. يحركك التفوق حفاظاً على بقاء الفكر.
 فأنت تأكل وتشرب من أجل بقاء الفرد، وتتزوج من دون أن تشعر من أجل بقاء النوع، وتتفوق من أجل بقاء فكرك، أنت بعد أن تأكل وتشرب وتتزوج وتنجب أنت بحاجة إلى حاجة ثالثة، هذه يسميها علماء النفس تأكيد الذات، أن يشار إليك بالبنان، هذا الطبيب الأول، هذه الحاجة الثالثة بقاء الفكر مهمة جداً، الحاجات الأساسية الثلاث محققة.

البشر على اختلاف مللهم و نحلهم لا يزيدون عن نموذجين :

 لذلك هؤلاء البشر على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم لا يزيدون عن نموذجين جاءا في هذه الآية:

﴿ وَاللَّيلِ إِذا يَغشى*وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى* وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثى* إِنَّ سَعيَكُم لَشَتّى﴾

[الليل: ١-٤]

 سبعة مليارات ومئتا مليون كل واحد له نفسه، لكن الله جل جلاله جمع كل هؤلاء في حقلين اثنين قال تعالى:

﴿ فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسنى ﴾

[الليل: ٥-٦]

 العقيدة، صدق أنه مخلوق للجنة، لذلك اتقى أن يعصي الله، بنى حياته على العطاء، يعطي من ماله، من وقته، من علمه، من خبرته:

﴿ وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى* وَكَذَّبَ بِالحُسنى ﴾

[الليل: ٨-٩]

 لأنه كذب بالجنة، وآمن بالدنيا، استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ، لذلك على رغم الاختلاف البشري هناك زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، والأقوياء يمدحون في حضرتهم.
لذلك يمكن أن نقسم البشر جميعاً إلى صنفين فقط، أتباع الأنبياء وأتباع الأقوياء، أتباع الأنبياء يسعدهم العمل الصالح، يسعدهم العطاء، وأتباع الأقوياء هدفهم الأخذ. إنسان يعطي وآخر يأخذ، فهنيئاً ألف مرة لمن كان من أتباع الأنبياء.
 أخواننا الكرام؛

﴿ فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسنى ﴾

 لأنه صدق بالحسنى بنى حياته على العطاء:

﴿ وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى* وَكَذَّبَ بِالحُسنى ﴾

 لأنه كذب بالحسنى استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، فما الذي يسعدك؟ امتحان دقيق، أن تعطي أم أن تأخذ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت ورب الكعبة من أتباع الأنبياء، أما إذا كان الذي يسعدك أن تأخذ فأنت من أتباع الأقوياء.

طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً :

 لذلك أيها الأخوة؛ الله عز وجل في أول سورة، في أول آية، في أول كلمة، قال:

﴿ اقرَأ ﴾

[العلق: ١]

 الجماد كائن مادي له وزن وشكل وأبعاد ثلاثة، والنبات كذلك لكنه ينمو، والحيوان كذلك لكنه يتحرك، إذاً الإنسان كائن مادي له وزن، وله حجم، ويشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاثة، وينمو كالنبات، ويتحرك كبقية المخلوقات، لكنه يفكر، هنالك حاجة كبرى، حاجة علوية، حاجة إلى طلب المعرفة، فالذي لا يطلب المعرفة هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، قال تعالى:

﴿ إِن هُم إِلّا كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ ﴾

[الفرقان: ٤٤]

﴿ كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[المنافقون: ٤]

﴿ وَما أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبورِ ﴾

[فاطر: ٢٢]

 هكذا قال الله عز وجل، والآية الأصعب والأشدّ:

﴿ مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَم يَحمِلوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أَسفارًا ﴾

[الجمعة: ٥]

 لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة عن الدنيا فيربحهما معاً، أما الجاهل فيؤثر الدنيا عن الآخرة فيخسرهما معاً.
 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

آيات الله أنواع ثلاثة؛ كونية تكوينية و قرآنية :

 الله عز وجل لا تدركه الأبصار لكن العقول تصل إليه، الله عز وجل يعرف من خلال آياته، قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ ﴾

[الجاثية: ٦]

 آياته أنواع ثلاثة؛ آيات كونية هي خلقه، آيات تكوينية هي أفعاله، وآيات قرآنية هي كلامه.
 هذه قنوات ثلاث سالكة لمعرفة الله عز وجل، من آياته الكونية أن الأرض تدور حول الشمس إلا أن مسارها ليس دائرياً بل هو بيضوي – إهليلجي- والشكل البيضوي له قطران، قطر أصغر وقطر أطول، فالأرض في القطر الأطول تتجه نحو القطر الأصغر، هناك جاذبية، الجاذبية متعلقة بالكتلة والمسافة، فإذا قلت المسافة هنا لا بد من أن تنجذب إلى الشمس، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، كل القارات والمحيطات تتبخر بثانية واحدة لأن الحرارة عشرون مليار درجة فما الذي يحصل؟ قال: هنا ترفع الأرض سرعتها ليتشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أَن تَزولا ﴾

[فاطر: ٤١]

 أي أن تنحرف عن مسارها، تتابع مسيرها، فإذا وصلت إلى القطر الأطول تطول المسافة وتضعف الجاذبية،كمن وهناك احتمال أن تتفلت من جاذبية الشمس، وعندئذ تسير في الفضاء الكوني، وتصبح الحرارة مئتين وستين تحت الصفر، فالحياة تنتهي إذا انجذبت، وتنتهي إذا تفلتت، من الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا؟ إنه الله، والآيات الكونية أقصر طريق لمعرفته، وأوسع باب ندخل منه على الله، إن هذه الآيات تضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اجمع بينهم، وحد كلمتهم، أعنهم على طاعتك يا رب، وفق ولاة المسلمين لحقن دمائهم، ألهمهم احقن دماء المسلمين في الشام وانصرهم على أعدائك يا رحمن يا رحيم، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS